آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

أصبح طقساً من طقوس العيد والفرح مسرح الطفل والعرائس.. الملاذ الآمن لأطفالنا

 

جهينة- أمينة عباس:

لم تنطفئ أنواره بل بقيت مضيئةً لتخفّف عن أطفالنا ظلمة الحرب وبشاعتها، ولأن الحُب لا يقابله إلا الحُب بقي هذا المسرح الملاذ الآمن لطفولتهم والذي احتضن ابتساماتهم وضحكاتهم وقد شعروا في صالاته بالحُب والأمان والفرح، فكان خير سميرٍ لهم على مدار العام وفي عطلهم وأعيادهم بشكل خاص.

طقوس العيد والفرح

منذ أربع سنوات ومديرية المسارح والموسيقا في سورية تلوّن أيام أطفالنا بألوان المسرح الذي أصبح طقساً من طقوس العيد والفرح، وتجند لذلك مخرجين وممثلين ما زالوا يحتفظون بطفولتهم ويمارسونها على خشبتهم ويسعدهم أن يعيشوا أيام العيد، يرقصون ويغنّون ويلعبون مع الأطفال ليقدموا المتعة والفائدة عبر مسرح الطفل والعرائس الذي أدخل البهجة والسعادة خلال أيام عيد الفطر الأخير من خلال «حيلة العنكبوت».
والمسرحية من اقتباس جوان جان، إخراج غسان الدبس والتي بدأت عروضها في مسرح القباني مع أول أيام العيد، و«الحطاب الطيب» المسرحية العرائسية التي كتبها وأخرجها رشاد كوكش وقُدِّمت في مسرح العرائس، ومسرحية «القط أبو الجزمة» لمحمد سويد وقُدمت في مسرح الحمراء.

نقص في عدد كتّابه

مدير المسارح والموسيقا عماد جلول أكد أن المديرية تحرص على تقديم عروض مسرح الأطفال في دمشق والمحافظات السورية بشكل دائم، وخاصةً في أيام العيد والعطلة الانتصافية وتقديمها بشكل مجاني للجمهور حرصاً على عدم تكليف العائلة السورية أي أعباء مالية، وبذلك تساهم المديرية نوعاً ما بإدخال الفرحة إلى قلوب أطفالنا، مضيفاً: يسعدني أن مسرح الطفل والعرائس تحوّل إلى مسرح للعائلة، وهذا ما يجعل المديرية تسعى دائماً للنهوض به لمواكبة تطور عقلية الطفل وتفكيره في ظل عصر التكنولوجيا والتقنيات، لأن حكايات الأطفال التقليدية استنزفها المسرح الذي يعاني نقصاً في عدد كتّابه، لذلك يبقى التحدي الأكبر في مسرح الطفل –برأيي- النص المسرحي الذي يواكب التطورات، ومن هنا أدعو كلَّ المخرجين والكتّاب ومن لديه نص مسرحي عربي أو مُترجم أو مُعَد ليتقدم به لمسرح الطفل، واعداً بتلبية رغباتهم وطلباتهم، وخاصة إن كانت اقتراحاتهم تصبّ في خانة تجديد مسرح الطفل وتقديم ما هو جديد له، كما أن وزارة الثقافة وعدت بتذليل أي عائق يقف في وجه النهوض بمسرح الطفل.

مخرجون محترفون

من جانبه مدير مسرح الطفل والعرائس بسام ناصر بيّن أن مسرح الطفل والعرائس قدّم عروضه في فترة العيد لمضاعفة الفرح الذي يعيشه أطفالنا، فضجَّت مسارحنا بجمهور الأطفال لمتابعة عروض جديدة لمسرح الطفل تمّ اختيارها بدقة لتقديمها في هذه الفترة، إلى جانب ما يقدمه هذا المسرح على مدار العام، منوهاً بالتجارب الجديدة التي شهدها مسرح العرائس على صعيد الشكل والمضمون، ولاسيما أن بعض العروض حصدت جوائز في مهرجانات عربية، مشيراً إلى أن هذا المسرح يعتمد على مخرجين محترفين من أصحاب الخبرة، موضحاً في الوقت نفسه أن مديرية المسارح ومسرح الطفل فيها اعتادا على استضافة فرق خاصة منذ سنوات للارتقاء بها إلى مستوى الاحتراف في المضمون والصيغة المشهدية، والدليل أن الفرق الخاصة بدأت تعتمد على محترفين، لافتاً إلى أن التعاون مفتوح بشكل دائم، والمعيار هو الشرط الفني الجيد.

حيلة العنكبوت

بدوره مخرج مسرحية «حيلة العنكبوت» غسان الدبس عبّر عن سعادته الكبيرة بتقديم عرضه خلال فترة العيد ليضيف فرحاً إضافياً للأطفال والمشاركين فيه، وأشار -وهو الذي قدّم في عيد الفطر الماضي مسرحية «دو ري مي» للكاتب جوان جان- إلى أهمية أن يشكّل المسرح بالنسبة لأطفالنا طقساً من طقوس العيد والفرح، موضحاً أنه وعلى الرغم من وجود تجارب مسرحية له في مسرح الكبار تمثيلاً وإخراجاً إلا أن مسرح الطفل يُغريه كثيراً، آسفاً لأن الكثيرين يستسهلون العمل فيه، ما يؤدي أحياناً إلى إنجاز أعمال لا قيمة لها، مبيناً أن لكل عمل خصوصيته وإشكالياته وطبيعته، ومن هنا فإن خصوصية «حيلة العنكبوت» تنبع –برأيي- من مضمونه الذي يتناول (قصة الخروف الضائع الذي تاه عن أمه فيجد نفسه في حظيرة مزرعة من المزارع وتحاول الحيوانات الموجودة مساعدته في البحث عن أمه)، موضحاً أن العرض بذلك يتناول فكرة الأم ووجودها النفسي والمعنوي وحالة الفقد التي عانى منها أطفالنا في فترة الحرب، مشيراً إلى أنه كمخرج اعتمد طريقة اللعب مع الممثلين، ولكن ضمن آلية مدروسة تؤدي إلى إنجاز عمل مسرحي يُحاكي الطفل ويحترمه باعتباره حالة إبداعية وليس كائناً من الدرجة الثانية.

وبعيداً عن الشأن الأكاديمي، تحدّث الدبس عن علاقته مع الممثلين الذين يشاركون في هذا العرض ومحاولته إدخالهم في لعبة الطفل، معترفاً بأن هذه المرحلة كانت من أصعب المراحل في عمله الإخراجي لأنها تقوم على إخراج الطفل الذي بداخل كل ممثل، مؤكداً أن الممثل الذي لا ينجح في إخراج هذا الطفل من داخله أثناء البروفات لا يمكنه الاستمرار معه، مشيداً بالجهود الجبّارة التي بذلها الممثلون للوصول إلى هذه المرحلة بعيداً عن التنظير ومن خلال التغلغل في عالم الطفل بشكل بسيط والسعي إلى تقديم عمل مسرحي يتضمن وجبةً فنيةً متكاملةً على صعيد الحوار والديكور والإضاءة والصوت والموسيقا، فكل هذه العناصر يجب الاهتمام بها لأنها تخدم الفكرة الأساسية التي يسعى لإيصالها كلُّ عرض مسرحي.

حكاية غير مألوفة

أما الفنان محمد ناصر الشبلي الذي شارك في مسرحية «حيلة العنكبوت» بدور صاحب المزرعة الذي يحاول مع زوجته وابنته البحث عن والدَي الخروف، فقد بيّن أن ما يميز هذه المسرحية هو أنها تُقَدِّم حكاية غير مألوفة ومختلفة عن نمط الحكايات التي تُقَدَّم عادةً للأطفال من خلال تقديم حكاية بسيطة وبشكل غير مباشر لتكون لوحةً ملونةً على صعيد الديكور والموسيقا والأزياء، مضيفاً: بما أنه من طبيعة الممثل أن يبحث ويقدم مقترحات للمخرج بشأن الشخصية التي يجسدها في أي عمل، لذلك أنا لم أتوانَ عن فعل ذلك مع المخرج الدبس، خاصةً أنه في رصيدي الفني كممثل العديد من الأعمال المُوجهة للطفل، كما أن أعمالاً كثيرة جمعتني كممثل أيضاً مع الدبس، وهذه العلاقة القديمة مع المخرج ساعدتني كثيراً في إيجاد تواصل فكري وإنساني وفني في «حيلة العنكبوت»، وتابع الشبلي: رغم أنني كممثل أميلُ إلى عالم مسرح الطفل وقدّمت على خشبته العديد من الأعمال، لكنني أعبّر عن أسفي أن السطحية طغت على هذا المسرح في الطرح والتجربة والتعامل مع الطفل كدرجة ثانية والاستسهال بشكل عام وعدم الجدّية فيه، وهذا خطأ كبير لأن مسرح الطفل ليس سهلاً ويحتاج إلى مسرحيين يدركون قيمته وصعوبته وأهميته وتقديم أعمال فيه تعبّر عن حالة فنية وإبداعية وتربوية عالية المستوى، وهو أمر –برأيي- لا يتحقق إلا بوجود مسرحي صاحب ضمير ولديه إحساس عال بالمسؤولية وطفولة يمكن من خلالها مخاطبة الطفل من دون التعالي عليه.

الحطّاب الطيب

بعد عدة تجارب في مسرح الطفل قدّم المخرج رشاد كوكش أولى تجاربه في مسرح العرائس من خلال مسرحية «الحطّاب الطيب» التي بدأت عروضها في أول أيام العيد في مسرح العرائس، وقد بدا كوكش سعيداً بخوض هذه التجربة التي حاول عبرها تقديم عرض عرائسي بشكل جديد من خلال تقديمه توليفة جديدة كسر من خلالها تقاليد مسرح العرائس عبر تقديم مادة فيلمية بتقنية الشاشة الإلكترونية وانتقال شخصيات المسرحية من الخشبة ليكونوا بين الجمهور إلى جانب وجود الدمى، وكل ذلك في سبيل تقديم حكاية «الحطّاب الطيب الذي يحب الطبيعة والحيوانات، فلا يقطع الأشجار الخضراء لذلك كان ناجحاً في عمله، خاصةً أن الحيوانات كانت تساعده فيه، الأمر الذي أشعل نار الحسد والطمع لدى البعض».. ومن هنا فإن العمل يدين الحسد والطمع والشر الذي يضمره البعض للناجحين. وأكد كوكش أن وجود عدة مستويات فنية في العرض أغناه ولم يُشَتِّت ذهن الطفل-المُشَاهِد لأنها قُدِّمَت بشكل صحيح، مشيراً إلى أن التوليفة التي تم تقديمها كانت حاجةً ملحّةً للخروج من رتابة العروض العرائسية ولمواكبة العصر الذي يعيشه طفلنا، وأن كسر العادات والتقاليد في مسرح العرائس كان بهدف تقديم الحكايات والقصص التي يتناولها بعيداً عن الشكل التقليدي من خلال صيغة وشكل فنيين جديدين، منوهاً بأن العرض في شكله الجديد كان نتيجة جهود متضافرة من جميع المشاركين، وتم إنجازه بعد ورشة عمل تمت فيها مناقشة كل الأفكار.
وتابع كوكش: لذلك لابد من بالتأكيد على أهمية مسرح الطفل والعرائس الذي ظلّ محافظاً على وظيفته التربوية والفنية، وبالنسبة لي أميلُ إلى كتابة نصوص أعمالي، وفي جعبتي (اليوم) نحو ستة نصوص مسرحية للأطفال.

العصفورة

بدورها الفنانة إيمان عمر المُشاركة في مسرحية «الحطّاب الطيب» والتي قامت بتحريك أكثر من دمية في العرض وأدّت صوت العصفورة، أشارت إلى أن كل شخصية لها إحساس خاص بها، وأن التحريك يتطلب تركيزاً عالي الدقة وحِرفية لإعطاء كل دمية حقها في الحركة والإحساس المناسب لها، ولهذا –برأيي- يجب أن يتمتع مُحرك الدمى برشاقة جسدية لكي يتحكم بحركاته بطريقة صحيحة، مضيفةً: أنا التي صنعت الدمى لشخصيات «الحطّاب الطيب» بعد أن قرأتُ النص بشكل جيد، ومن ثم شكلتُ وجوه الشخصيات وقمتُ برسمها بعد الاتفاق مع مخرج العمل وبعدها صمّمتُ الملابس وفق مواصفات وبيئة كل شخصية، مؤكدةً أن مسرح الطفل يحتاج إلى كتّاب متخصصين، ولذلك نلمس فقراً في النصوص المسرحية المُوجهة للأطفال على الرغم من أهميتها في بناء وتنمية عقل الطفل، كما أن مديرية المسارح حرصت على عدم توقف المسرح خلال فترة الحرب، حيث استمرت العروض وأقيمت المهرجانات في الأعياد.

دور مُضاعف

من جانبه أكد الكاتب والناقد جوان جان أن الحركة المسرحية في سورية في السنوات الأخيرة لم تتوقف، بل استمرت بدورها الذي طالما قامت به في المراحل التي سبقت الحرب على سورية، وبالتحديد فيما يتعلق بمسرح الطفل الذي تعدّدت وتنوعت إطلالاته الموسمية كمهرجان مسرح الطفل الذي يقام سنوياً في العطلة الانتصافية وتشمل عروضه معظم المدن السورية، وتظاهرة مسرح الطفل التي تقام في مدينة دمشق في عيدي الفطر والأضحى، وهي نشاطات ترعاها مديرية المسارح والموسيقا، إضافةً إلى عروض مسرح العرائس التي تقدم بشكل دائم.
وأضاف جان: الواقع أن الدور الذي يمكن أن يقوم به مسرح الطفل في سنوات الحرب على سورية يبدو مضاعفاً من حيث قدرته على جسْر نفسيات الأطفال المهترئة بفعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية المتراجعة، وهو دور تربوي أخلاقي من شأنه أن يلعب دوراً إيجابياً في صياغة مستقبل الطفل السوري، ومرتبط أيضاً بوعي الأسرة السورية وإيمانها بدور المسرح والفن عموماً في بناء شخصية الطفل، مشيراً إلى أن مسرحية «حيلة العنكبوت» هي تجربتي الثانية ككاتب مع المخرج غسان الدبس بعد مسرحية «دو ري مي» التي قُدمت في العام الماضي، وتم اقتباس «حيلة العنكبوت» من عمل روائي للكاتب البريطاني (أ.ب. وايت) بعنوان «بيت العنكبوت»، منوهاً بأن شخصيات المسرحية عبارة عن عملية جمع بين الشخصيات الحيوانية والشخصيات البشرية ورصد للعلاقة النفعية المتبادلة بين العالمين في إطار من العلاقات ذات الطابع الإنساني، وقد جسّدت شخصياتها مجموعة منتقاة من خيرة فناني مسرح الطفل في بلدنا.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock