آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

أقصى درجات المتعة الروحية والشغف والاكتشاف د. نزيه بدور: الأدب يُكتب عن الحرب وليس تحت وقع طبولها

جهينة- أحمد علي هلال:

لعلّ فتنة المتخيّل السردي من جذبته إلى عوالم الإبداع قصةً وروايةً وشغفاً بالسينما وتعلماً للأبجدية الآرامية وقراءة للنقوش التدمرية، لتصبح لديه هندسة الجسور بوصفها هندسة في جسور الثقافة والفكر والتاريخ والإبداع، وسيكتمل الشغف بالمعرفة حينما يلج تلك العوالم المضيئة بروح عاشق فنان، تقنعت روايته الأولى بالسيرة الذاتية، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك ليؤرخ سيرةً حضاريةً لبلده سورية، ثمة منظومة فكرية وثقافية متكاملة سعى إليها.. إنه الدكتور المهندس نزيه بدور الذي التقته «جهينة» وكان لها معه الحوار التالي:

رسالة أخلاقية وفكرية

جئت من عوالم الهندسة لتشق الطريق إلى عوالم الإبداع عبر رواية أولى كانت بعنوان «مقتل الدكتور علي» هل كانت بمحض الشغف أم تدوين تجربة؟
كان ذلك بمحض الشغف وتحقيقاً لحلم قديم راودني وهو إنجاز عمل روائي وقد كنت مغرماً بقراءة الروايات العالمية منذ وقت مبكر في حياتي كمعظم أفراد جيلنا.
* دخولك مغامرة الإبداع لم يكتفِ بالرواية بل ذهبت إلى القصة القصيرة وأعددت غير مجموعة فيها، هل هي خيارات تجريب لديك لتشتق منها معادلك الفني والجمالي؟
نعم هي كذلك.. فقد بدأت بالرواية وكانت رواية طويلة ولكن عشية دفع المخطوطة إلى دار النشر قمت بتعديلها واختصارها وإلغاء أحد محاورها متأثراً بمفهوم رواية الجيب «نوفلت»، وقد حقق هذا الأسلوب هدفه، فكل من وصلت إليه نسخة من الرواية التي أتمّ قراءتها، والبعض اتصل بي فور الانتهاء منها, مراهناً على عنصر التشويق وتتابع مفردات الحدث القصصي بشكل سريع, وكان كتابي الثاني مجموعة من القصص القصيرة, لأنني عجول في طبعي وأريد أن أوصل رسالتي الفكرية والأخلاقية بأقصر الطرق.. وهكذا عملت على الاقتصاد في الألفاظ والاختصار بالكلمات إلى أن صارت قصصي المنشورة لاحقاً قصيرة بشكل لافت وأقرب إلى القصيرة جداً.

هيكل معماري

قيل إن الرواية هي عمارة فكيف يستطيع المبدع أن ينقل هذا المفهوم من الهندسة إلى الإبداع ومنه إلى الرواية؟
هي هيكل معماري متعدّد الطوابق والمستويات، يبدأ الكاتب بإنشائه فيبدو لأول وهلة بنياناً عارياً موحشاً «كبناء على الهيكل», ثم يقوم القاص بإكسائه وتزيينه ويبعث في جوانبه الحياة بتفاصيلها وشخوصها وشغبها وقلقها.
أشرفت على النادي السينمائي في حمص وكان لديك العديد من التجارب في نقل أفلام مهمة وبجهود شخصية للذائقة العامة، كيف تشرح العلاقة (اليوم) مع المتلقي الذي يريد تنويعاً على الإبداع؟
السينما هي أحد أهم روافد الثقافة وأخطرها, ففي الفيلم تجتمع بقية الفنون الستة لتشكل ما يُسمّى الفن السابع، وهي إنجاز جماعي تكاد تنزوي الذاتية في ركن بعيد من أركانه بعكس الشعر والقصة, فالسينما تقدم نفسها للمُشاهدة الجماعية، حيث يتشارك الحضور مشاعر الدهشة في القاعة المظلمة ويتقاسم الانفعالات. وفي ظل غياب دُور السينما في حمص لعب النادي السينمائي الحمصي دوره المهم وقام باستثمار قاعة المركز الثقافي لمدة سنوات طويلة مقدماً عروضاً أسبوعية من دون انقطاع، مستخدماً أقصى وسائل التفاعل مع المُشاهد, فالفيلم يبدأ بمقدمة نقدية يعدّها رئيس النادي أو أحد أعضائه ويسبق ذلك توزيع ملخص مطبوع يوثق الأسماء والتواريخ, وتتبع الفيلم حلقة نقاش فنية ثقافية تتناول الفيلم من جميع جوانبه الإبداعية بدءاً من الإخراج وانتهاء بحركة الكاميرا وزوايا الإضاءة مروراً بالنص الأدبي والسيناريو، كل ذلك يرضي إلى حدّ كبير شغف المتلقي ويقدم له وجبة ثقافية متعدّدة المكونات.

الحج الثقافي والحضاري

لديك اهتمام واضح بالتاريخ القديم واللهجات القديمة ولعلك خضعت لتجارب في ترجمتها، كيف تشرح لنا هذه التجربة معرفياً على الأقل؟
بطبيعتي أنا إنسان ينقّب عن الجمال في كل موضع، وقد وجدت الكثير منه في تاريخ الفن وتاريخ العمارة والآثار، لأنني عاشق لتدمر وأوغاريت وإيبلا وماري وغيرها من مواقع الحضارات السورية, وأعيش يومياً بين كتبها وصورها ونصوصها المكدّسة على زوايا مكتبي، وأقوم بزيارات لتلك المواقع كلما توفرت لي الفرصة كنوع من الحج الثقافي الحضاري، لأحصل على شحنةٍ روحية وزادٍ من الجمال والدهشة، وقد دفعني شغفي هذا إلى تعلّم الأبجدية الآرامية وقراءة النقوش التدمرية, ما حقق لي أقصى درجات المتعة الروحية.

فتنة الإلهام

بالعودة إلى الرواية الأولى، تباينت وجهات النظر حولها لجهة طبيعة المغامرة السردية التي ذهبت إليها، فما الذي تعنيه لك الرواية كفنٍّ سردي مازال يشغل المشهد الثقافي؟
الرواية فن سردي راقٍ وبناء فني شامخ كما ذكرنا, وتشغل موقعها المهم بين فنون الكتابة، وباعتقادي أن صنوف الإبداع لها علاقة بالإلهام، إذ إن الكاتب القاص أو الروائي يكتب رواية في لحظة ينبغي فيها أن يُباشر كتابة رواية ويكتب قصة قصيرة في وقتٍ تفرض القصة القصيرة نفسها, فهو مسيّر أكثر مما هو مخيّر.

المتلقي المثقف

في القصة القصيرة جداً وهي إشكالية بامتياز مازالت بين مشجع لها ورافض لتجنيسها، كيف ترى مستقبل القصة القصيرة جداً وأنت كتبتها؟
كل نصٍّ يملك عناصر الدهشة والتوهج الفني سيجد له مكاناً رحباً بين الأجناس الأخرى، كما سيجد المتلقي المناسب من دون المساومة على الشعرية التي هي أساس الأدبية كما يقال.. وهكذا كانت الحياة في تطور وأساليب التعبير في تغير بما يناسب كل عصر، وفي كل زمان هناك من يرفض التجديد ومن يتحمّس له, وهذا ينطبق على جميع صنوف الآداب والفنون مروراً بالفن التشكيلي والسينما وصولاً إلى الشعر والقصة.. ويبقى الحكم للمتلقي المثقف الذي يختار ما يناسب ذائقته.

ثقافة الحياة وحياة الثقافة

تتعدد لديك حقول المعرفة وأطيافها المختلفة، فهل ثمة علائق وشيجة، وأين يقف المبدع إزاء هذا التعدد -قيل إن التعدد قد يهدر طاقة المبدع- فماذا تقول؟
نعم الحياة مغامرة ثقافية والثقافة تجربة روحية غنية, والثقافة ليست مهنة، وأجد نفسي صباح كل يوم أشاهد فيلماً سينمائياً على كامل حائط غرفتي بوساطة جهاز الإسقاط لأحقق تشابهاً مع شروط المشاهدة في الصالة, وذلك في وقت باكر أتمتع فيه بذهنٍ صافٍ لم يشوش بتفاصيل الحياة اليومية.. وفي وقت آخر أستمع إلى الموسيقا الكلاسيكية, أو أقرأ في كتاب شعرٍ أهداني إياه صديق وكل ذلك يكمل بعضه, ويحقّق لي التوازن النفسي بعد مشقة تحضير المحاضرات الجامعية والاشتغال بالهندسة التي هي مهنتي ومصدر رزقي. أما بالنسبة للطاقة وهدرها فأجد أن الإنسان ينبوع طاقة وهو يحتاج فقط إلى تنظيم الوقت واستغلاله بشكل جيد. وفي كل الأحوال تشكل الآداب والفنون بجميع صنوفها خلاصاً للبشرية وعاملاً لتقريب الإنسان من أخيه الإنسان في كل أطراف كوكبنا الأرضي.

بحثاً عن الأصالة

من جسور الهندسة إلى جسور الثقافة، كيف ترى مستقبل الترجمة، وما الآليات الجديدة التي ينبغي أن تكون معياراً لترجمة حقيقية تشكل روافد للإبداع؟
الترجمة حاجة يومية لكلّ مثقف وهي حاجة شخصية قبل أن تكون رافداً من روافد الإبداع, فالكاتب المثقف يتقن عدة لغات أو يستطيع على الأقل أن يتعامل ويستفيد من هذه اللغات, وهذا ينطبق على الناقد الشاعر والقاص، فما بالك بالباحث في تاريخ الفن وعلم الجمَال، إذ إن ازدهار الترجمة وانتشار الأعمال المترجمة رافد حقيقي للإبداع, وجيلنا تربى على قراءة الأعمال المترجمة من روائع الأدب العالمي قدّمها كوكبة من المترجمين الذين حفروا أسماءهم في ذاكرتنا الجمعية. أما بالنسبة للآليات المطلوبة لتقييم الترجمة فأنا لا أملك تصوراً عنها ولكنني أعتقد أن كل عمل صادق ومخلص وأصيل في الترجمة سيجد له مكاناً واسعاً في قلوب القراء.

حركة نقدية جادة

في ظل الحرب على سورية أين تقف كمبدع، وما الذي ينبغي قوله، وهل ما يُكتب الآن في الأجناس السردية كافٍ أم إنه ينتظر وقتاً لينضج؟
في حقل الرواية علينا أن نكتب ونضع في الأدراج، وأعتقد أن لدى كل روائي مخطوطاً أو أكثر تكوّن في ظل الحرب, ولكن الأدب من وجهة نظري يكتبُ عن الحرب وليس تحت وقع طبول الحرب وانفجارات القنابل, وهذا ينطبق على السينما أيضاً، وبرأيي ستشهد الساحة الأدبية نشاطاً ملحوظاً بعد انتهاء هذه الحرب وانقشاع غبارها.
كيف تقرأ المشهد الثقافي بمتغيراته وثوابته، هل يشكل رافداً للإبداع إذا نظرنا إلى النقد الأدبي، وهل يواكب هذا الإبداع أم إنه مازال مقصّراً في مواكبته؟
في وطننا العزيز مجموعة من النقاد الأكاديميين، وهناك أيضاً مجموعة من الكتابات التي تقترب من النقد ولكنها في الغالب نقد إيجابي تشجيعي يعبّر عنه بقراءات للإنجازات الأدبية في الصحف والمواقع الإلكترونية, وأنا شخصياً أنظر باحترام إلى هذه المساهمات المضيئة, ولكننا بحاجة إلى حركة نقدية جادة احترافية تتميز بالحيادية والصدق والحرفية، لأن النقد في الأدب وفي السينما هو أهم روافع الإبداع وكذلك أهم عوامل الازدهار الذي ينقل الإبداع من المحلية إلى العالمية.
هل استطاع النقد مُواكبة تجاربك في الرواية والقصة القصيرة أم ظلّ في مقام الاحتفاء فقط؟
نعم، أخذت حقي من النقد الجاد الذي قوّم تجربتي، وكذلك مقالات الاحتفاء وهي بالنسبة لي أيضاً مهمةٌ ترضي الطفل القابع في جنبات روحي والذي ينتظر الحصول على مرحى، وقد جمعت كل هذه المقالات, السلبية والإيجابية، وأحتفظ بها باحترام.

سطور وعناوين:
– كاتب وصحفي وأستاذ جامعي.
– عضو اتحاد الكتّاب العرب وعضو اتحاد الصحفيين السوريين.
– مُحاضر في كليتي الهندسة المدنية والمعمارية.
– رئيس فرع حمص لجمعية العاديات الآثارية ورئيس مجلس إدارة نادي السينما بحمص- عضو رابطة الخريجين والجامعيين.
– مما صدر له: «مقتل الدكتور علي» رواية 2006، «على شفا حب» مجموعة قصصية 2007.
– ومن البحوث نشر له: «تقنيات السرد بين الرواية والسينما» 2011، «الحرف المقدس» بحث حول تاريخ الأبجدية 2017 والعديد من الدراسات والأبحاث المنشورة.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock