ثقافة وفنون

إصدارات: الإعلام بين الثقافة والتربية .. لـ. د. عيسى الشمّاس

لطالما كان عصر الإعلام هو ما يُوسمُ به عصرنا الحالي، انطلاقاً من أنّ الإعلام صاحب أدوارٍ في التنمية الثقافية والتربوية كما يقول الباحث د. عيسى الشماس، وعليه يتداخلُ دور الإعلام مع دور التربية في تشكيل طرائق التفكير وأساليب السلوك عند الإنسان المُستقبِل، ويلاحظ أن الإعلام أصبح صناعةً لها أدواتها وخطابها، فقد صار رافداً لقيم التغيير بوصفه منظومةً متطورةً ارتباطاً بطبيعته المتطورة والمُتسارعة بآن، فضلاً عن استثماره في ميادين مختلفةٍ.

في هذا السياق جاء كتاب الباحث د. عيسى الشماس «الإعلام بين الثقافة والتربية.. دراسة إعلامية من منظور وظيفي)، وعبر فصوله السبعة، باحثاً في طبيعة الإعلام على مستوى الطبيعة والأهداف والمفهوم العام، وقوفاً على العلاقة بين الإعلام والاتصال، وبين الإعلام والتعليم، لكنّ ذلك لا يستوي من دون الولوج إلى نظريات الإعلام وتأثيرها، ومنها نظرية التأثير المباشر، والتأثير المحدود، والتأثير المعتدل، والتأثير القوي، حيث إنّ هذه النظريات بما تمتلكه من خصوصية الانعكاس على المُتلقي، تتسقُ مع جدلية القضايا التي يحملها الإعلام المعاصر المتطور والتكاملي، وكأنّ في جدلية الإعلام والثقافة ما يغذّي الطموح إلى ربط مفهوم الثقافة بالأمن الثقافي، وهدفُ ذلك هو تعزيز الذات الثقافية الحضارية من دون انغلاقٍ، والحوار مع الثقافات المعاصرة لإغناء الثقافة المحلية من دون تبعيةٍ، ولعلّ الإعلام التربوي على مستوى التوصيف والعمل لن يبتعد عن مفهوم الرسالة وطريقة العرض والجمهور المُتلقي وهو المثلث الذي يرفد مجالات الإعلام التربوي ويتكامل معه. وحول التأثير الثقافي والتربوي فإن ثمّة أهمية مضاعفة للكلمة المطبوعة ومن ثم الكتاب والصحافة والجريدة والمجلة والمسرح والسينما والمراكز الثقافية، وفي ظل ذلك كله يكتملُ الحديث عن طبيعة وسائل الإعلام الإلكترونية من حيث أهميتها الثقافية والتربوية، وكذلك طبيعة الحاسب ووظائفه في التثقيف والتعليم وقراءة الكتب الإلكترونية ومفهوم الإنترنت وطبيعته الإعلامية وصولاً إلى مقاهي الإنترنت وتأثيراتها الثقافية المحتملة، ذلك ما يمثل مهاداً ضرورياً ومنهجياً للحديث عن طبيعة الإعلام بشكليه القديم والحديث من أجل توظيفه كرافدٍ ثقافي وتربوي.
ويرى الباحث في سياق كتابه أن أهمية وسائل الإعلام تتجلّى في اتجاهين: الأول اتجاه إيجابي يتمثل في كونها أدواتٍ ثقافيةً تساعد في دعم المواقف الفكرية والتربوية، كما تعمل على توحيد مناهج السلوك وتحقيق التكامل الاجتماعي، فهي تشكل بالنسبة لملايين البشر الوسيلة الأساسية للحصول على الثقافة ونشر المعرفة، وتنظيم الذاكرة الجماعية للمجتمع، والربط بين أفكار الأفراد وقيمهم بشعور الانتساب إلى مجتمع واحد. والثاني اتجاه سلبي يتمثل في إضعاف الصلات الاجتماعية والحدّ من متانة الائتلاف داخل المجتمع، والقضاء على قيم التعاون والتضامن، إضافة إلى أنّ وسائل الإعلام قد تثير احتياجاتٍ مصطنعةً لا تُلائم طاقات المجتمع ومناخه الطبيعي.
ويلفت الباحث إلى الدور المُنوط بالإعلام الثقافي والتربوي، إذ يرى أنّ دوره هو تأصيل الانتماء الوطني وتعزيز قيم العلم والإبداع، فضلاً عن التثقيف والإسهام في التنمية الشاملة، ذلك أن تلازُم الإعلام والتربية على سبيل المثال من شأنه أن يُعيد تأسيس النظرة إلى خطورة ومسؤولية الإعلام بكلّ مستوياته المرئية والمقروءة والمسموعة، وعلى ذلك يبني الباحث منهجاً في التفكير والعمل لقراءة الإعلام داخل أنساقه المعرفية من أجل الوصول إلى معايير ضبط ثقافي تمثل في استدعائها ومقاربتها خلاصة جهدٍ معرفي ينطلقُ من وظيفة الإعلام وواقعه وتبدياته، وصولاً إلى سبر خطاباته المختلفة التي تفترضها عوالم «الميديا»، مع ما يماثلها من وسائل لابد لها من حيازة القيمة النهائية في استهدافها للإنسان، أي الارتقاء به ليكون التعلّم مطرّداً مع التثقيف الواعي.

*الإعلام بين الثقافة والتربية- سلسلة آفاق ثقافية (13)
*منشورات الهيئة العامّة السورية للكتاب
*دمشق- 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock