ثقافة وفنون

إصدارات : ملامح من حياةٍ منذُورةٍ للكفاح … لـ د. نجاح العطار

حينما اختارها القائد الراحل الخالد حافظ الأسد، لتكون أول وزيرةٍ للثقافة في تاريخ سورية، كانت مفاجأتها كبيرةً حينما حدّثها عن تصوّراته لاستراتيجيةٍ ثقافيةٍ بعيدة الأغوار، وعن إيمانه بأنّ الرهان على الثقافة يكون في وجه غزو الثقافات الوطنية بُغية السيطرة عليها، وعن ضرورة توفير المقوّمات لنهضةٍ فكريةٍ نحتاجها مع احترام الجوهر التاريخي لوجودنا الوطني والقومي في فضاءٍ رحبٍ من الوعي المُتنامي.

تقف د. نجاح العطار في دلالات هذا الاختيار، الذي انطوى على إنجازاتٍ كثيرةٍ قامت بها في ميادين الثقافة وإنجازاتها، وبرعايةٍ كريمةٍ من القائد الراحل حافظ الأسد، حدّد فيها مفاهيمه الواعية لمعنى الثقافة ودورها الكبير في حياة الأمم، حيث إنّ هذه النقلة النوعية، التي تتحدّث عنها د. نجاح العطار في حياتها العامة، وجدت بالمقابل أصداءً في صحافة اكتشفت حجم المهمّة التي نهضت بها العطار في إطارها الثقافي والسياسي والاجتماعي، فضلاً عن الإنجازات التي تحققت، هذا المهاد الذي حملها على أن تستجمع تلك التجربة الطويلة من حواراتٍ صحفيةٍ وفي صحف عربية مختلفة، تقول: « وأنا أنظر إليها بعد مرور ردحٍ من الزمن، أنها كانت ذات خصوصيةٍ وفرادةٍ، ربطتني بالحياة الثقافية وبالعاملين فيها، وبعددٍ كبيرٍ من الكتّاب والكاتبات والفنانين والفنانات من مختلف الاختصاصات، أحببتهم وراقَني العمل معهم، وكان لهم دورٌ كبيرٌ في الارتقاء بالحياة الثقافية، وبكلّ ما أدّيناه من عملٍ مشتركٍ، وكنت أقول لهم: إنّ المسؤول أولاً وأخيراً مستطيعٌ بغيره، وعليه أن يفيد وأن يتعلّم لا أن يُصيبه الغرور وينظر بنرجسيةٍ إلى نفسه دون الإيمان بالآخرين».
وهكذا في العودة إلى تلك الحوارات واللقاءات، التي عملت د. نجاح العطار على استعادتها لتفيد في الراهن الثقافي وأسئلته الملحّة، وأكثر من ذلك نظراً لطبيعة هذه الأسئلة من الوسائل الصحفية المتخصصة، تعيدُ د. نجاح العطار إلى الأذهان ذاكرةً ثقافيةً مُترعةً بالأسئلة عن العام والخاص، وجدلية الثقافي والسياسي، والأدلّ حول مفهوم القائد الراحل حافظ الأسد عن الثقافة، وجدوى الثقافة في مُواجهة التحدّيات وخصوصية التنمية الثقافية في سورية بوصفها حاملة التنوير وبانية الإنسان، انطلاقاً من أنها حاجةٌ وضرورةٌ بالمعنى المعرفي والإنساني.. وكأنّ في تلك الحوارات، التي مثّلت ذاكرةً ثقافيةً ومن طرازٍ خاصٍ، ما يشي بمُحايثة تلك الأسئلة للراهن الثقافي (اليوم) ومدى التحدّيات والاستجابة لها، وفي ذروة هذه الأسئلة ذلك السؤالُ الملحاحُ الذي طُرح على د. نجاح العطار غير مرةٍ ومن غير جهةٍ، وتصدّر كتابها وجاء بعنوان «كيف نكتب أدب الحرب؟»، والذي تقول فيه: «إنّ السؤال المطروح بصيغته (كيف نكتب أدب الحرب) قد تخطّى بنا المُنزلق، ووضَعَنا على أرضٍ صلبةٍ، وجعل من مهمتنا أن نبحث لا في وجود أدب الحرب، أو لا وجوده، بل في كيفية إيجاده حتى إذا لم يكن موجوداً، وهذا هو المنطلق الصائب في رأيي.. والاعتراض المتوقع على هذا الكلام مصدره الخشية.. إنهم يخشون أن ينتهي مفعول الأدب المكتوب حول الحرب بانتهاء هذه الحرب، وهي الذريعة نفسها قديماً وحديثاً التي يريدونها حول أدب المناسبات». وتضيف د. نجاح العطار: «إنّ حريّة الأديب لا تتعارض أبداً مع ارتباطه الصميمي بأمته وقضاياها، بل إنّ هذه الحريّة تصبح أوسع وأعمق بالارتباط بهذه القضايا والتعبير عنها، ونقل شُعلتها من ذاته لتتأجج في مواطنيه».
ولعلّ من الأسئلة اللافتة والمُتواترة في هواجس غير صحيفةٍ، هو السؤال حول النظرة الجديدة للثقافة، وموقع المرأة ضمن الحركة الثقافية السورية، فضلاً عن مسيرة الثقافة العربية، ومسألة الغزو الثقافي الاستعماري وركيزته الفكر الصهيوني والفكر الانعزالي، إذ إنّ في استحقاقات الأسئلة ما يؤكد أنّ سورية في موكب صمودها المعروف وتقاليدها الكفاحية ترفعُ بيمناها مشعل الثقافة وبيسراها مشعل السياسة.

*ملامح من حياة منذُورة للكفاح
*منشورات الهيئة العامّة السورية للكتاب- وزارة الثقافة
*دمشق – 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock