آخر الأخبارإصدارات جهينةحوارات

إلهام شاهين:ما رأيته في عيون السوريين من تحدٍّ وقوة ورغبة بالحياة هو أكبر رسالة للعالم

 

حوار بلا ضفاف في السياسة والمواقف الإنسانية
الفنانة إلهام شاهين:
ما رأيته في عيون السوريين من تحدٍّ وقوة ورغبة بالحياة هو أكبر رسالة للعالم

دمشق- جهينة:

ستتساءل وأنت تتوجّه للقائها، ما الذي يمكن لها أن تقوله هذه الفنانة بعد المسيرة الطويلة التي بدأت في نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي، وظلّت بالوهج والحضور والتألق والعطاء المتجدّد نفسه؟ ما الجديد الذي ستدلي به وهي التي أجرتْ مئات بل آلاف الحوارات واللقاءات في الصحافة المقروءة والإعلام المسموع والمرئي، وكانت ضيفة في عشرات المحطات الفضائية؟ بالتأكيد ستحتار في أسئلتك ومن أين ستبدأ مع فنانة كبيرة وقديرة أتقنت أدوارها، وقدّمت في المسرح والسينما والدراما التلفزيونية عشرات الشخصيات التي تقمّصتها بشكل مدهش ومذهل، فرأيت فيها: البنت الفقيرة، السيدة الثرية، الفلاحة، الصعيدية، المثقفة، الجاهلة، الخادمة، الهانم، الملكة، الوزيرة. وربما ستتقاطر إلى ذهنك التحولات الاجتماعية والسياسية والأحداث التي تعصفُ بالوطن العربي (اليوم) من محيطه إلى خليجه، فتقرّر أن تستفزها وتحرّض فيها الجانب الإنساني العميق وما يخبئه من مواقف ولاسيما إزاء ما يحدث في سورية التي تعشقها كما تعشق كل ذرة تراب من وطنها الذي حوّله النيل من صحراء قاحلةٍ إلى أرضٍ تشعّ حضارةً وإرثاً خالداً، وشعب يفخرُ بالانتماء إلى هذه الأرض ويفجّر من ينابيعها كل أسباب الحياة.
تتحدث بشغف عن السفير المصري الذي غادر دمشق بعد أن انتهت مهمته قبل أيام، وكيف كان في سورية خلال السنوات التي قضاها هنا كأنه في بيته كما كلّ عربي يحلّ في دمشق محاطاً بالأصدقاء والأهل والمحبين الذين جاؤوا لوداعه، وهو المؤمن بأن دمشق هي القاهرة والعكس صحيح.. وعلى الضفة المقابلة تستعيد صوراً وذكريات ومواقف جمعتها مع السوريين بمختلف مشاربهم، تتجدّد وتتجذر أكثر (اليوم) وهي ترافق عفاف راضي وصفية العمري ومحمود حميدة في الرحلة إلى دمشق.. وما بين هذا وذاك قلبٌ كان وسيبقى وفياً في نبضه وعشقه لبردى وغوطتيه وهما تقومان لاستقبالها كعنقاء تنتفض من بين ركام الحرب ورمادها.
إنها الفنانة القديرة إلهام شاهين باسمها الكبير وتجربتها العريقة حيث التقتها «جهينة» في حوار واسع بلا ضفاف، لا لتتحدث في الفن –بعد الترحيب بها- بل لنكتشف معها تداعيات العاصفة الهوجاء التي ضربت وطننا العربي خلال السنوات الأخيرة، وكيف للفنان أن يكون في الخندق الأول لمواجهة ما يريده الأعداء ويسعون لتحقيقه عبر الحروب الإرهابية القذرة التي أشعلوها.

حكم «الإخوان»!

بداية.. كيف تقرأ الفنانة إلهام شاهين موقف الفنانين المصريين حيال ما يجري في سورية ولاسيما أن الشعب المصري ونخبه الواعية كانوا يدركون حقيقة هذه الحرب وأسبابها؟
بعد أن تخلّصنا من حكم «الإخوان»، وقد كان هناك من هُم مع أو ضد الحكومة السورية، اكتشفنا أن هؤلاء الذين ساهموا في خلق وتكريس هذا الانقسام بالتحريض على سورية، ليسوا إلا تجار دين ومجرد طالبي سلطة، وفي سبيلها يمكن أن يخربوا ويقتلوا الناس، فهُم لا انتماء لهم إلا لفكر ونهج الجماعة والأشخاص الذين يشبهونهم، حتى إن «مرشدهم» كان يقول دائماً: «الوطن حفنة تراب عفن»، أي ليس للوطن عندهم أي قيمة. لذلك وبعد أن سقط حكمهم بدأ الناس المضلَّلون يكتشفون حقيقة ما يجري في سورية وينحازون لها ويعترفون بحقها في محاربة الإرهاب والجماعات التكفيرية. (اليوم) هناك آلاف السوريين يعيشون في مصر، والشعب المصري كله مع سورية في حربها ضد الإرهاب، بل إن مناطق كثيرة صرنا نسميها مناطق السوريين، ففي 6 أكتوبر ومصر الجديدة ستجد مئات المحال التجارية والصناعية التي يملكها أو يشرف عليها أو يديرها سوريون.


كنتِ من القلائل الذين أعلنوا موقفهم مبكراً ضد «الإخوان» من دون حساب لأي ارتدادات، هل ساهم هذا الموقف في رفع نسبة الوعي لدى المصريين والجمهور العربي الذين يؤمنون بفكر ومكانة إلهام شاهين؟
ربما أنا بدأتُ الشرارة الأولى في التحدّي، وخاصةً بعد أن وصل «الإخوان» إلى الحكم، فالمصريون في البداية كانوا في حالة صدمة وذهول وحزن وبكاء مما آلت إليه الأوضاع في البلاد، حتى الإعلام بدا متردداً ملجوماً. وهنا أتذكر أنه بعد وصول محمد مرسي إلى الحكم بأسبوع قلتُ على الهواء مباشرةً جواباً عن سؤال الإعلامي اللبناني نيشان وحديثه عن رئاسة مرسي: نحن ليس لدينا رئيس، وحين ألحّ بالسؤال أنني إذا قابلته هل سأقول له يا «ريس» فقلت له: لا، بل أرفض مقابلته ولا أعترف به، نحن لن نقبل بحكم هؤلاء «الإخوان»، وأنا كنتُ وما زلتُ أثق بالشعب المصري العظيم وأن مرسي لن يكمل حكمه للبلاد، لأننا شعبٌ قوي أبيّ يرفض من يريد فرض إرادته عليه، وفي الوقت نفسه نرفض كل التيارات المتأسلمة من جماعات جهادية وتكفيرية. حين بدأتُ بإشهار هذا الموقف وإعلانه في الإعلام و«السوشال ميديا» أحسستُ بأن الناس كانوا يتوقعون ذلك منّي، وأنني عبّرت عمّا في دواخلهم، لذلك تشجّعوا وخرجوا من حالة السكوت والمفاجأة والصدمة إلى الرفض، حتى إن بعض الرجال قالوا لي: أنت كسيدة قلت أشياء لم نكن قادرين على قولها وإعلانها.

الوطنية العميقة

لماذا إلهام شاهين تتنكب هذا العبء دون غيرها، ولماذا هي مختلفة عنهم، هل هي الجرأة والشجاعة أم الوطنية العميقة هي التي دفعتك إلى ذلك كله؟

سأقولها بصراحةٍ تامة إنها الوطنية العميقة تجاه بلدي، وقد اكتشفتها أكثر بعد (25 يناير) وأيضاً تجاه قوميتنا العربية. في السابق حين كنتُ أستمع لأغنية وطنية كنت أقول نحن بحاجة لأغنية رومانسية، لكن بعد 25 يناير بدأتُ أشعر بحالة غريبة تبكيني لدى سماع أي أغنية وطنية، لأنني أحسست بأن مصر ستذهب من بين أيدينا، وصعب عليّ أن أتركها في هذه الظروف القاسية، ولو سافرت وتركتها سأموت من دونها. بعض المحيطين والأصدقاء حذّروني بأنني يجب أن أغادر البلد خوفاً عليّ لأنني معارضة «للإخوان»، وكان موقفي مناصراً لحسني مبارك بكل قوة، وأعلنت ذلك في الإعلام وعلى المحطات الفضائية، وخاطبتُ الشباب مباشرةً للعودة من ميدان التحرير وأن ما يفعلونه معيبٌ بحق بلادهم ومسيء لمكانة الرئيس وشخصه، نعم هناك أخطاء وسلبيات كما كان أيام جمال عبد الناصر وأنور السادات، لكن أيضاً هناك إيجابيات ومن حق الرئيس أن يكمل ولايته ويخرج بكرامة بعد تسعة أشهر، وهو بالتأكيد لن يبقى حتى آخر العمر. في تلك الفترة وأثناء تصاعد الأحداث بدأت الأسئلة تكبر والأمور تتضح أكثر: من الذي فتح السجون «للإخوان» وغيرهم، خاصة أننا عرفنا ذلك فقط وعلى الهواء مباشرة من قناة «الجزيرة»، وتساءلنا كيف عرفت «الجزيرة» أن السجون ستُفتح في هذه اللحظة وتعدّد الخارجين الهاربين بأسمائهم، ومنهم محمد مرسي الذي قلت تالياً بعد أن وصل للحكم: كيف أقبل رئيساً من خريجي السجون، كيف يكون رئيساً للمصريين وهو متهم بقضية تجسس ضد بلاده؟!.الأحداث بدأت في 25 يناير وفي 28 من الشهر نفسه، أي بعد ثلاثة أيام، فُتحت السجون، لذلك توجهت بالسؤال للمعتصمين في ميدان التحرير: هل أنتم من فتح السجون؟ وأناقشهم كيف ومَنْ فتح السجون لهؤلاء المجرمين؟ وأن شباب ميدان التحرير استُخدموا لغايات ومآرب سياسية. وحين خرج الرئيس مبارك وقال على التلفزيون المصري: أخشى عليكم من الفوضى وأفوّض عمر سليمان لتختاروا بعدها رئيساً لكم وفي موعد الانتخابات، من يريد أن يتقدم فليتقدم، وأنا لن أترك البلاد. مع الإشارة إلى أن دولاً كثيرة منها الإمارات والسعودية دعته للخروج واللجوء إليها، إلا أنه رفض وقال: «لن أغادر مصر، أنا سأعيش هنا ولو متّ سأدفن فيها»، وكان خطابه مؤثراً جداً دفع الناس للانسحاب من ميدان التحرير، فاستغل «الإخوان» ذلك وبدؤوا إطلاق النار وقتل الشباب المنسحبين واتهام الجيش المصري بذلك. وبعد هذه التطورات المتسارعة بدأ المصريون يعون حقيقة الأمر، نعم منهم من كان يقول للرئيس «كفاية» ويجب التنحي عن الحكم، فيما كنت أقول إن مبارك في تلك الفترة وصل إلى مرحلة التعب ولاسيما بعد وفاة حفيده ودخوله حالة حزن واكتئاب، وكان ينبغي شكره لأنه سيغادر الحكم بعد تسعة أشهر لا أن يشتم من «الإخوان» ومن يدعمهم، كما يجب ألا ننسى الإيجابيات التي قدّمها لمصر وشعبها خلال وجوده في الرئاسة.

مواقف مشهودة

برأيك كفنانة عُرفت بمبدئية مواقفها، متى يصبح الفنان عاملاً مؤثراً في توجيه الرأي العام إزاء القضايا المصيرية على المستوى الوطني أو القومي وربما الإنساني، فأثناء بدء ما يسمّى «الربيع العربي» اختار بعض الفنانين التزام الصمت والوقوف على الحياد، هل يمكن للفنان مع المخاطر التي زحفت إلى وطننا العربي برمته خلال السنوات الأخيرة أن يقف على الحياد؟
بالتأكيد لا يجوز أن يقف الفنان على الحياد، لأنه اكتسب نجوميته وشهرته وقيمته من حُب هؤلاء الناس الذين تبنّى قضاياهم، لذلك يجب أن يكون معهم ولا ينفصل عنهم، ليس هناك شيء اسمه الوقوف على الحياد، لأن الفنان بلا حسّ وطني كارثة على جمهوره، مهمٌ جداً أن يكون للفنان رأي بل أن يقود هذا الرأي في القضايا الوطنية والقومية. ونحن كفنانين مصريين كان لنا تأثير كبير في مختلف المراحل، وأذكر أنني تحدثت في برنامج لــمصطفى بكري أثناء حكم مرسي وقلت: هذا خريج سجون كيف سيكون رئيساً لمصر، فمنع «الإخوان» البرنامج وهدّدوا بإغلاق القناة. ومن حسن حظي أن من تشجع معي في هذا الموقف وأيده بقوة كان أغلبهم من الفنانات، ومن ثم بعض الفنانين المصريين الذين كانت لهم مواقف مشهودة. نعم هناك جزء وقف على الحياد وآثر الصمت للحفاظ على مصالحه وتجنباً للصدام مع «الإخوان» وشتائمهم لكنهم كانوا قلة قليلة جداً، وفضّل عدد ممن كانوا قريبين من «الإخوان» وفكرهم السفر خارج البلاد (وجدي العربي المتزعم في الجماعة الآن في تركيا، وخالد أبو النجا وعمرو واكد في أمريكا). مع التأكيد أن الأغلب الأعم من الفنانين المصريين كانوا ضد «الإخوان» ومع استقرار الدولة، إذاً الفنان دوره مهم لأن الناس يشجعونه ويستلهمون مواقفهم منه.


إزاء تصاعد الأحداث والمواقف المعلنة الشجاعة لكم، هل واجهتم دعوات بالقتل؟
في كل أسبوع أو يوم جمعة كان «الإخوان» يعلنون عن مليونية يسمونها باسم أو مناسبة ما، حتى جاءت مليونية الخلاص من إلهام شاهين، فقرروا بعد صلاة الجمعة التوجه إلى بيتي، فطلب الأمن منّي مغادرة الشقة يوماً أو يومين، وبدأ زملائي وأصدقائي الفنانين والفنانات الاتصال ودعوتي للخروج والمبيت عندهم، لكنني رفضت المغادرة، كما عرض بعضهم أن يأتي ليبقى معي فرددت عليهم بأنني لن أفتح باب الشقة لأحد. وبما أن معظم القاطنين في البناء هم من المسيحيين كانت هناك خشية من اقتحامه أو تفجيره بحجة التخلص من إلهام شاهين، فقرر عدد منهم إخراج النساء والأطفال والإبقاء على الرجال فقط للدفاع عن البيوت، فيما بقيت أنا مع ولدين من أولاد أخواتي وشقيقي الذي فاجأني بأنه أحضر «كلاشنيكوف» للدفاع عني، على الرغم من أنني لم أكن خائفة من أي شيء، وخرجت إلى شرفة البيت لأشاهد كم الكلام القذر المكتوب على الجدران بحقي من الزاحفين إلى الشارع المقابل للشقة، لكن الأمن نبّهني إلى وجوب ترك الشرفة والدخول إلى الشقة خشية من وجود قناصين. في ذلك (اليوم) لم أخف ولم تتزعزع إرادتي وإيماني، إنما عشتُ أشياء غريبة ما زلت أتذكرها حتى الآن، حيث أحسست بأنني أمثّل دوراً وأن ما يجري ليس واقعاً حقيقياً!.

رفض الدعوات المذهبية

كان على رأس أهداف «الربيع العربي» والفوضى الخلاقة التي جلبها اللعب على تناقضات المجتمع بالتحريض على الفتنة المذهبية والطائفية، كما كان مقرراً في سورية، حتى هذا الجانب استطاعت إلهام شاهين كسره ومحاربته ومواجهة تيار فاعل يملك كل إمكانات التحريض من أموال وإعلام ومواقف دولية داعمة، هل كان جرأة منك الوقوف في وجه هذا التيار؟
سأبدأ في إجابتي عن هذا السؤال من زيارتي هذا العام إلى العراق، إذ أتذكر أنني حين زرت مقام الإمام موسى الكاظم ونشرت صوري هناك، ادّعى البعض بعد عودتي إلى مصر أنني تشيّعت، حتى أن إحدى المذيعات سألتني ضمن ردّي على هذه الادعاءات عن حقيقة ذلك، فقلت لها: هل ذهبت إلى مقام الحسين في القاهرة؟ فأجابت: نعم، فقلت لها: هل تكونين بذلك قد تشيّعت، فارتبكت ولم تُجب، لذلك شرحت لها وقلت إن موسى الكاظم من أحفاد الحسين. المصريون جميعاً يزورون مقام الحسين، ويرفضون الدعوات المذهبية، وهم يعلمون أننا في مصر لا نفرق بين شيعي وسنّي، ولا بين طائفة وأخرى، فكلهم مسلمون وأن هذه المقامات هي لأحفاد الرسول الكريم. أما من جهتي فأنا أهتم وأقرأ كثيراً عن هذا التراث والتاريخ القديم، وأحترم كل ما يتعلق بالأصالة والعراقة وله قيمة إنسانية ودينية. وقد ساهمتْ زيارتي ومشاركتي في مهرجان بابل بإعادة تسميتها ضمن قائمة التراث العالمي التي وضعتها «اليونيسكو» وشكرني رئيس المهرجان على ذلك، وفي الطريق إلى العاصمة رأيتُ سيدات يرتدين الزي الأسود فأخبرني السائق بأن (اليوم) هو ذكرى استشهاد الإمام موسى الكاظم، فوضعت منديلاً على رأسي ووقفت بينهن وقصدت التقاط صور لتلك المناسبة وفي أكثر من مكان لأوصل رسالة بأنني منكم ومعكم ولا فرق في البلاد العربية بين السنة والشيعة، وأيضاً لا فرق بين الإسلام والمسيحية، الدين كله لله تعالى الذي قال في القرآن الكريم: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله»، الربّ لم يقل بصيغة المفرد بين الكتب والرسل (كتاب أو رسول) إنما بصيغة الجمع، أي لا فرق بين أحد من رسله، وأنا مؤمنةٌ في داخلي بكل الأديان، أقرأ القرآن بشكل جيد وأبحثُ وأطالعُ في تاريخ الأديان دائماً، اعتمرتُ أكثر من ثلاثين مرة وحججتُ مرتين. وبغضّ النظر عن اختلاف بعض المناسك والطقوس، إلا أننا يجب أن نعي أن الدين أخلاق، وفي هذا قال نبينا: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وهذا ما يجب أن يفهمه المتعصبون ليعرفوا حقيقة الإسلام، ويبتعدوا عن تعصبهم الأعمى.


من المعروف أن قطر تدعم «الإخوان» والسعودية تدعم التيار السلفي الوهابي، فضلاً عن تركيا أردوغان، هل جاءتك تهديدات من «الإخوان» وغيرهم من الجماعات المتطرفة في هذه البلدان، أو حصل تضييق عليك في عملك لمعاقبتك؟
التهديدات بالجملة وبلا حدود، في قطر دائماً يشتموني ويرسلون رسائل تهديد ووعيد، وأنا بطبيعتي أكرههم من كل قلبي، ولا أحبذ التعامل معهم وهم لا يعنون لي شيئاً وليست لديّ مصالح معهم، مع التأكيد أن قطر تساوي شارعاً في مصر، ليست لديها حضارة ولا عراقة ولا يحق لها أن تقارن نفسها بمصر، هي عمرها أقل من مئة عام بينما مصر عمرها أكثر من سبعة آلاف عام. وبالنسبة للعمل سأقول إنه ومنذ بداية الأحداث لم أشتغل في أي عمل درامي، بل أكملت في مسيرة الإنتاج وحصلت على جوائز عدة، وسأبقى على هذه المسيرة رغم يقيني بأن «الإخوان» ما زالوا بفكرهم قائمين على بعض مفاصل الدولة. لقد حاربوني سابقاً ويحاربونني حالياً، لكن لا أرى أن الأمر معاقبة، فربما التطور الطبيعي أن يصل الفنان إلى مرحلة يقول فيها: كفى لقد حققت كل النجاحات التي لن أتنازل عنها، إذ إن فيلمي الذي أنتجته «يوم للستات» أعلنت المهرجانات أنه الفيلم رقم (100) في مسيرتي الفنية. ربما هناك من يتساءل عن شيء غريب في الساحة الفنية العربية أن الفنان حين يتقدم في العمر تقلّ فرصه، أنا هنا أقول: هناك أسباب لا تتعلق بالأوضاع السياسية بل بأمور أخرى أولها التطور الطبيعي للحياة، وخذوا مثالاً كلاً من سعاد حسني وناديا لطفي ونجلاء فتحي وغيرهن ممن حققن تاريخاً كبيراً، ومن الصعب (اليوم) أن يقبلن أو يرضي طموحهن أي دور لا يحمل جديداً.

الفنان والسياسة

بهدف تهميش النخب وإقصائها عن دورها وخاصة الفنانين، برزت دعوات محمومة في الإعلام لفصل الثقافة والفن عن السياسة. هل نجح أصحاب هذه الدعوات برأيك، وما موقفك أنت من مثل هذه الدعوات؟
في كل الأحوال ليس بالضرورة أن يكون كل فنان قادراً في الحديث بالسياسة، أو حتى الناس العاديين قد لا يتقنون فن الحديث بالسياسة أو حتى الدين مثلاً، فهناك متخصّصون في ذلك، وبطبيعتي أنا ضد كل من يتحدث في أي شيء آخر غير اختصاصه، وكثير من الناس ليس لديهم فكر ولا ثقافة ولا وعي في القضايا التي يتحدثون فيها، فينظّرون وينتقدون ويقترحون الحلول. وهناك أمور إنسانية تدفع الفنان للخوض في القضايا السياسية، علماً أن أغلب الفنانين لم تكن عندهم ثقافة سياسية ولا يهتمون أصلاً بالسياسة، حتى إن مشاركاتهم كانت تقتصر على البرامج الفنية فقط وليس السياسية، لكن حين اشتعلت الأحداث عام 2011 في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية بدأ الجميع يتحدث في السياسة من منطلق إنساني. أما عن نفسي فأنا لا أتحدث بالسياسة بل بما هو إنساني يخصّ مجتمعي، لديّ حسّ وطني عالٍ وتلقائية وقدرية وصراحة وجرأة أعبّر فيها عن موقفي، لا أخشى على أي مصالح، هناك علاقات إنسانية تربطني بشعوب قريبة منّي جداً. أنا (اليوم) مع الشعب السوري لأن تاريخاً طويلاً يجمع بيني وبين السوريين منذ بدأت العمل الفني، حتى إن أول جائزة دولية كأحسن ممثلة نلتها خارج مصر كانت في سورية منتصف الثمانينيات عن فيلم «أيام الغضب»، وكان الفنان الكبير الراحل أحمد زكي أحد أعضاء لجنة التحكيم. وبعدها لم أنقطع عن زيارة سورية، خاصةً في المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية ودورات معرض دمشق الدولي، وأجزم أن لديّ ذكريات لا تحصى في كل شارع سوري.

قبل أشهر كُرّمت ومُنحت لقب «سفيرة سيدة الأرض» من مؤسسة فلسطينية وأكدت أن القدس عربية وستبقى عربية وهذا موقف متقدم ومشهود لك، هل ما زالت قضية فلسطين برأيك القضية المركزية للأمة العربية في ظل دعوات الاندماج والتطبيع مع العدو الصهيوني؟
لا يمكن أبداً أن ننكر حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، والقضية ستظل قضيتنا مهما طال الزمن حتى تحلّ، وحالياً لا بد أن نعبّر على الأقل عن موقفنا ونساند الفلسطينيين في نضالهم وكفاحهم أياً كانت العواقب. حين أعلن المجنون دونالد ترامب أن القدس «عاصمة إسرائيل» عارضنا وأعلينا الصوت وقلنا: القدس عربية وستبقى عربية، كما قلنا في الصحافة والإعلام والقنوات الفضائية إننا مع فلسطين كما مع سورية ولبنان والعراق، مع كل بلد عربي سعى الأعداء لتخريبه، وضد أي محتل وغاصب وإرهابي وقاتل، أنا مع كل شعب وإنسان وقف إلى جانبي وناصرني في معركتي مع «الإخوان» وسواهم، مع كل من قال كلمة وتضامن معي حين رفعت دعوى على أحد المتطاولين على الفن والفنانين، وزعم أنه شيخ وأستاذ ودكتور في جامعة الأزهر، وفضحتُ كذبه حين أكد الأزهر أن ليس له أي علاقة به وأن هذه القنوات مزوّرة، فرفعتُ عليه وعلى قناة «الحافظ» وعلى الأزهر دعوى وكانت الحادثة في عام 2013، أي في فترة حكم محمد مرسي وهذا ما أثار جنون «الإخوان»، بأنني استطعت بفضل شموخ وعدالة القضاء المصري أن أكسب الدعوى ويكون الحكم بإغلاق القناة، وسجن الشيخ المدّعي والمزعوم والذي كان يشتمني قصداً كرمى لمرسي وجماعته لمدة ثلاث سنوات بجرم الشتم والقذف والتشهير والتزوير، إضافةً إلى ممارسات بذيئة أخرى كوضع رأسي على صور لفتيات عاريات وبأوضاع مخلّة ومخجلة تكشف قباحة فكرهم وخبث معتقداتهم.

إرادة السوريين

لم تنقطع زياراتك إلى سورية خلال سنوات الحرب، والتي هي في مرحلة التعافي الآن، وكُرمت عام 2017 بعضوية الشرف في نقابة الفنانين، فضلاً عن مشاركتك في فعاليات ثقافية وفنية واجتماعية عدة ومنها بالتأكيد معرض دمشق الدولي، ما الرسالة التي يمكن أن توجهها إلهام شاهين من دمشق إلى العالم؟
ما رأيته في عيون السوريين من تحدٍّ وقوة ورغبة بالحياة هو أكبر رسالة للعالم، لقد لمستُ فرحهم الذي فقدوه قبل سنوات وعشته معهم في زياراتي السابقة، (اليوم) الشوارع مكتظة بالناس، وفي حفلات دار الأوبرا التي أحياها عدد من الفنانين، وبينهم المطربتان الكبيرتان ميادة الحناوي وعفاف راضي وتكريم صباح فخري، سمعنا الطرب الأصيل والفن الحقيقي ولاحظنا تفاعل الجمهور الذي تقاطر بالآلاف لملاقاتنا والترحيب بنا، وجهد وزارة الثقافة في تنظيم الحفلات واختيار الأسماء التي لها تاريخ طويل في الفن والموسيقا والغناء. وفي جولاتنا بالشام القديمة والبلدات والمدن في ريف دمشق وما حولها كــصيدنايا والزبداني وبلودان، رأينا كيف عاد السوريون إلى حياتهم الطبيعية، أزالوا آثار الحرب وبنوا بيوتهم ورمّموها من جديد لتصبح أجمل، وذلك كله بفضل إرادتهم الجبّارة وبسالة جيشهم وشجاعة قيادتهم، وقلنا في أكثر من مناسبة إن هذا الشعب القادر على التحدّي والمؤمن بقضيته التي يدافع عنها هو شعب جدير بالحياة، وأن الفرح والأمل اللذين تحدثت عنهما للإعلام والقنوات الفضائية سيغدوان أكبر حين يستكمل السوريون انتصارهم بإعادة الأمن والأمان إلى ربوع الوطن كلها، وحينها سأكون أول القادمين لمشاركتهم والاحتفال معهم بالانتصار الكبير.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock