مجتمع ومنوعات

الآثار والمتاحف.. مشروع السيدة الأولى للنهوض بالثقافة والوعي الحضاري

العدد 113

اهتمام السيدة أسماء الأسد بالتراث والآثار والمتاحف ليس جديداً، بل يستكمل ما بدأته في خطواتها الأولى قبل الحرب على سورية، بدءاً من متابعتها الحثيثة والمستمرة والدؤوبة لهذا المكوّن الإنساني، مروراً بزياراتها الميدانية للمواقع والأوابد الأثرية واجتماعها بالبعثات العلمية والبحثية العاملة فيها، وصولاً إلى دعواتها للحفاظ على هذا الإرث الحضاري الذي يعدّ صورةً جليّةً لانتمائنا وهويتنا.
وتُظهر كلمتها في احتفالية إدراج أول عنصر من التراث اللامادي السوري على قوائم التراث الإنساني العالمي، مدى الخشية من الحرب الثقافية والغزو الفكري الذي يواجهه وطننا، وتجسّد بمحاولات طمس الهويّة السوريّة وتشويهها وسرقة الإرث الحضاري والثقافي السوري المُتوارث جيلاً بعد جيل، وأن هذه الحرب هي حرب على الهوية والانتماء والجذور والتراث الثقافي والفكري. وتأكيد السيدة أسماء أننا سنكملُ دورنا في الحفاظ على هذا التراث كما كنّا قبل الحرب وخلالها، وسنكمل لما بعد الحرب.

قبل الحرب

أفردت «جهينة» أكثر من ملف لهذا الاهتمام بدأته بملحق خاص عن السيدة أسماء الأسد تحت عنوان «من أجل الإنسان»، وأعقبته تغطيات خاصة للمبادرات والفعاليات التي رعتها وشاركت فيها السيدة الأولى في مضمار الآثار والمتاحف والإنجازات البحثية والعلمية، سلّطت فيها «جهينة» الضوء على أهم المشروعات التي دعمتها من أجل صون والحفاظ على تراثنا المادي واللامادي، والتوجهات التي سعت إلى أن تكون هذه المواقع قبلةً للسياحة بمختلف مستوياتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.
ولعلّ الكثير من السوريين يتذكرون أن السيدة أسماء الأسد تسلّمت في تشرين الأول من عام 2004 دكتوراه فخرية من جامعة لاسابينزا الإيطالية العريقة، وذلك في موقع تل مرديخ في مدينة إيبلا الأثرية، حيث منحَتْها الجامعة شهادة الدكتوراه الفخرية في تاريخ الآثار وعلومها كثاني شخص في العالم يتسلّم هذه الشهادة الفخرية بعد البابا يوحنا بولس الثاني، اعترافاً منها بالجهود المتواصلة للسيدة الأولى في نشر العلوم والمعرفة والحفاظ على التراث الثقافي السوري الأصيل وحمايته. كما تسلّمت في تشرين الثاني من عام 2005 جائزة «بايستوم» الدولية للآثار، تقديراً لجهودها في مجال الآثار ولاسيما دعمها لأعمال البحث والتنقيب في موقع إيبلا في سورية، لتكون بذلك الشخصية الأولى التي تُمنح هذه الجائزة لدورها في صون تراث سورية الإنساني والحفاظ عليه وتوظيفه في عملية التنمية وخدمة المجتمع والإنسانية، وإليها يرجعُ الفضل في ربط إيبلا وتل مرديخ بتنمية البيئة المحيطة بالتل والنهوض بالمجتمع الذي يجاوره.

مشروع الثقافة المتحفية في كانون الأول من عام 2007

أطلقت السيدة أسماء «مشروع الثقافة المتحفية» بهدف تعريف الأطفال بالتاريخ على اعتبار أن هذا التاريخ جزءٌ من هوية الإنسان، ويرتبط هذا المشروع بالمتحف الوطني وما يمثله من إرثٍ ثقافي وتراثي وحضاري كبيرٍ، يمثل ذاكرة الإنسان وحبل تواصله مع البناء الحضاري التاريخي لبلاده، وينمّي شعوره، وخاصةً الأطفال والشباب، بالفخر والقدرة على العطاء المُتواصل في هذا المجال. وكذلك في أيار من عام 2007 تابعت السيدة أسماء مراحل عمل البعثات الأثرية وآخر المكتشفات في أوغاريت عن كثب، حيث حرصت خلال جولتها على الحديث مع عدد من المواطنين السوريين الذين يشاركون أعضاء البعثة عمليات التنقيب، مستفسرةً منهم عن أهمية عملهم ومدى الخبرة المُكتسبة والدقة المُتّبعة في التعامل مع اللقى المُكتشفة وكيفية انعكاس عملهم على وضعهم المعيشي، إضافةً إلى زيارة المكان الذي يتمّ فيه حفظ اللقى والمكتشفات وفحصها لتحديد الحقبة الزمنية التي تعود إليها وترميمها، ودعوتها للحفاظ على الموقع الأثري لإحدى أشهر الممالك السوريّة في تاريخ الشرق القديم، والتي تُخبرنا نصوصها الكتابية ومخطوطاتها على ألواح الطين والحجر عن العلاقات الدولية ورجال الحُكم والملاحم والأساطير والمجتمع الإلهي والحياة السائدة في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد في أوغاريت والمنطقة وقبرص وشرق المتوسط.‏ أما في شهر تشرين الأول من عام 2008 فقد افتتحت السيدة أسماء «معرض العصر الذهبي للعلوم عند العرب»، ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، حيث احتوى المعرض على نصوص تعريفية وشروحات ومجموعة من الوسائل السمعية البصرية المُستقدمة من معهد العالم العربي في باريس ومقتنيات المتحف الوطني في دمشق -قسم الآثار الإسلامية- التي تضيء جوانب من تاريخ العلوم والإبداعات والاكتشافات العربية في مجالات الطبّ، الفلك، الرياضيات، الفيزياء، وفي كافة الاختصاصات العلمية الأخرى.

ربط ثقافة الشرق بالغرب

في نيسان من عام 2009 افتتحت السيدة أسماء الأسد «قاعة عرض الفسيفساء» بقلعة دمشق، في إطار مشروع التنمية والتعاون السوري- الإيطالي من أجل إعادة تأهيل المتحف الوطني وقلعة دمشق، حيث تحتوي القاعة على لوحات فسيفسائية نادرة تعود إلى الحقبة البيزنطية، والتي تعدُّ شهادةً مهمّةً على مدى غنى التراث الثقافي السوري الذي يحتضن آثاراً تعود إلى عشرات الحضارات التي ازدهرت في سورية، وتُجسّد جميعها تاريخاً إنسانياً بالغ التنوع والعطاء يربطُ بشكل خاص ثقافة الشرق بالغرب. أما في شهر أيلول من عام 2010 فقد شاركت السيدة أسماء في حفل إنهاء المرحلة الأولى من مشروع ترميم القصر الملكي والقصرين الشرقي والجنوبي في مملكة قطنا الواقعة شرق مدينة حمص، وذلك في إطار متابعتها الدائمة لأعمال التنقيب والترميم الجارية في مختلف المواقع الأثرية السورية، وانطلاقاً مما تشكله هذه الآثار الوطنية من مخزن للإرث الحضاري السوري والقيم التاريخية والجمالية التي تحملها، حيث كانت السيدة أسماء من أهم الشخصيات التي دعمت أعمال التنقيب في مملكة قطنا وأثر هذه الأعمال في الكشف عن الدور الحضاري لتلك المدينة خلال العصر الآرامي ومُساهمة الفريق الإيطالي في تأهيل الموقع وترميم عدد من أوابده.

عطاء متواصل

على أن الحرب وتتابع فصولها وتسارع أحداثها لم تمنع السيدة أسماء الأسد من مُواصلة العطاء ودعم أي مبادرات فردية أو جماعية، ليكون التراث الحضاري لسورية في المكان اللائق لبلاد مُوغلة في التاريخ، ممتدة الجذور إلى آلاف السنين من المنجزات العلمية والإنسانية التي تشعّ نوراً وتصدّر المعرفة إلى مشارق الأرض ومغاربها، بل انبرت السيدة الأولى إلى دعم نشاطات اجتماعية مُوازية استهدفت بناء الإنسان السوري وتحصينه ضد حملات إلغاء هويته ومحو شخصيته، وهي التي تدركُ أنّ بناء الإنسان هو ركنٌ أساسي من عملية بناء الوطن، ويبدو ذلك في قولها: «هناك فرقٌ بين مدنٍ تاريخيةٍ شاهدةٍ على التاريخ ومدنٍ تاريخيةٍ تنبضُ باستمرارية الحياة.. في الحالة الأولى نقرأ التاريخ وفي الحالة الثانية نعيش التاريخ والحاضر، والأهمّ نختزل كل الحضارة الموجودة فيه كإنسان كي يستطيع الانطلاق للمستقبل».

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock