آخر الأخبارإصدارات جهينةتحقيقات

الإعلام الثقافي بين مطرقة الواقع وسندان الضرورة وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منبراً لمن لا منبر له!

 

جهينة- خاص:

لم يعد الإعلام بوسائله المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية ببعيد عن الواقع، ذلك أن وظيفته لاتزال مُواكبة لتطور الواقع وتقديم التوقعات للمستقبل، هذه المواكبة مبنية على أسس معرفية وشبكة علاقات لها تأثيراتها المتداخلة، على الرغم من التحدي الذي خلقته وسائل التواصل الاجتماعي التي دخلت الإعلام وفرضت تقاليد مازالت بين مشككٍ وموافقٍ، إذ إن صورة الثقافة فيها تأخذنا إلى جملة من المفارقات في الشكل والمضمون والأداء والنتائج، وبالمقابل فإن الإعلام الثقافي المعوّل عليه مازال في أفق الضرورة وليس الترف، بتعدّد وظائفه ومستوياته، بعيداً عمن يرى بغيابه الكلي أو الجزئي، أو إشكاليته من يخاطب ولمن يتوجّه وما هي آلية خطابه؟ وثمة إشارات إلى أن مصطلح الثقافة يشير إلى كل ما أنتجه البشر من تصورات وأفكار ومدلولات اجتماعية واقتصادية، وفعاليات أدبية فنية وثيقة الصلة بفعل التواصل بين الأفراد والجماعات وصولاً إلى الأمم والحضارات.

لمن يهمّه الأمر!

«جهينة» في هذا التحقيق تبحث في دور الإعلام الثقافي –كمصطلح- يُقصد به رصد ما يعتور الساحة الثقافية من نشاطات ثقافية وتبليغها للمتلقي عن طريق الوسائط الاجتماعية المعروفة، لأن الإعلام كما نعلم جميعاً شريك حقيقي في تكوين الأدوات الفكرية والمفاهيم والقيم، ارتقاء بالوعي الفردي والجمعي على حدّ سواء، حيث إن كثيرين يتطلعون إلى أن يأخذ الإعلام الثقافي دوره انطلاقاً من وظيفة الإعلام نفسه كأداة تواصل بين الناس، وبخلق لغة راقية في التواصل، يقول بائع الجرائد العتيق في الشام (أبو مصطفى): صحيح أنني منذ زمن طويل مازلت أبيع الجرائد والمجلات المختلفة، وإذا تسنى لي الوقت أطلع على بعض موادها ولاسيما الثقافية في ظل تنافس هذه المجلات وانحسار قرائها وربما هجرتهم إلى القراءة البصرية، لكن ما يثير استغرابي أن يسأل كاتب ما عن مادته فقط، ولا يقوم بالاطلاع الكامل على المحتويات التي تشملها المجلات والجرائد، وهذا من حقه في ظل ظروف شديدة التعقيد، فإذا لم يجد «مادته» اكتفى بالتصفح العابر ومضى. ويضيف: كنّا في السابق نقرأ المواد الثقافية بشغفٍ، وترتسم في أذهاننا صورتها الباهرة في كل المجالات، أما (اليوم) فقد اختلف الأمرُ قليلاً وبات يعود إلى جهود الكتّاب أنفسهم ومن يخاطبونه في كتاباتهم! يضحك -أبو مصطفى- ويقول مستطرداً: ليست الثقافة في وجه من وجوهها سوى ثقافتنا الجمعية، إذ لا يمكن اختزالها بالتسالي والأبراج والرياضة من دون أن نطلع على الجديد في عالم الكتب مثلاً، أو نقرأ زوايا التحليل التي كان يبرع فيها كتّاب كبار من السياسة إلى الأدب إلى الاقتصاد إلى الفن، أصبحت القراءة أشبه بالاختصاص اليتيم فقط لمن يهمّه الأمر.

ثقافات عابرة

بعض طلاب كلية الإعلام يطمحون إلى العمل في الوسائل الإعلامية المختلفة، وثمّة هواجس ثقافية يريدون التعبير عنها، فجلّهم يرى فيها مجالاً حيوياً ليعبّر عن موهبته ويكتشف ما يكتبه الآخرون، وبعضهم مازال ينوس ما بين وظيفة الثقافة وثقافة الوظيفة، وهذه لها مفارقتها الواضحة. تقول الطالبة «منال» من كلية الإعلام: انحسرت الثقافة في فضاءات ضيقة نتيجة وجود وسائط أخرى كالتواصل الاجتماعي التي أصبحت منبراً لمن لا منبر له، فهو ينشر كيفما اتفق من دون معايير وقلّة هم من المحترفين الذين ينشرون في الواقع والافتراض على حدّ سواء ويقدمون ألواناً من الثقافة الراقية التي لا تذهب إلى ثقافة الاستهلاك، وهكذا يقدمون ألواناً معرفية راقية، خلافاً لمن يسطّح الثقافة في تلك الوسائط ويذهب بها إلى غير غرضٍ لا علاقة له بالثقافة كمحتوى ومضمون، أي إلى ثقافة عابرة لا تؤسس ولا تبقى، بل تطير مع الهواء.

قل لي ماذا تقرأ؟

مضى زمن طويل كان فيه قارئ الصحيفة أو الكتاب يمضي بالقراءة زمناً يُشبعُ فيه نهماً معرفياً، زمن يحمل فيه كثيرون الصحف المختلفة ويحرصون على الذهاب بشكل مبكر إلى الباعة الذين يعلّقونها بشكل لائق وجذاب، لتتسنى لهم قراءة ما يريدون، سواء في وسائط النقل أو في منازلهم، وتبادل الأفكار مع من حولهم، ولاسيما في المجال الذي يهمهم متابعةً ومواكبةً، مثل التعليق على مسرحية ما أو فيلم سينمائي أو مادة فكرية يتسع الوقت لقراءتها، أما (اليوم) فقد تولت وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة –هذه المهمة- وباختزال عجيب، على الرغم من أهميتها في التوثيق والاستجابة لتسارع العصر، هذا ما قاله معلم اللغة العربية )أبو علي)، وأردف: كأن الثقافة انحسرت قليلاً وأصبحت أقرب إلى الاختصاص منها إلى الشغف العام، وكثيراً ما كنتُ أسأل طلابي ماذا تقرؤون هذه الأيام؟ كان الجواب على استحياء لا نقرأ إلا ما تيسر في زحمة الأسماء والعناوين.

تعبير الصورة

مع تغيّر الأنماط الثقافية وتباين الأداء الثقافي من وسيلة إلى أخرى أصبح التلفاز في الهوامش الثقافية التي يقدمها من خلال برامج بعينها يتولى أحياناً ردم تلك الهوة، أي في المتابعة والمواكبة، لأن عصرنا الحالي هو عصر الصورة الطليقة، التي تسعى إلى اجتذاب متلقيها، لكن وجه الغرابة (اليوم) أن تحظى البرامج الثقافية بندرة من يشاهدها، بذرائع -الاختصاص- لتصبح الثقافة هنا محض اطلاع لا استثارة فحسب لوجدان المتلقي وامتلائه المعرفي. يقول مخرج متقاعد مازال يرى الثقافة أبعد من وظيفة بعينها، إلى وظيفة تقوم على التنوير والتثقيف والمعلومات الصادقة التي تنساب إلى عقول الناس وترفع من مستواهم، لأن الإعلام الثقافي مازال يحتل حيزاً مهماً في مجال العمل الإعلامي: «وتتمثل هذه الأهمية في كونه الوسيلة الفعّالة لخلق جسور بين الكتّاب والأدباء عامة وبين القراء، بقصد توفير جو ثقافي صحي يساهم في دفع الحركة الثقافية نحو التقدم والتواصل والمشاركة»، فمجال الإعلام الثقافي المتخصص هو رصد وعرض وتحليل النتاج الثقافي بكل مكوناته، والمعوّل عليه في ذلك هو خلق تلك جسور بين الكتّاب والأدباء والقراء بشكل نوعي، بحيث ترتبط الصورة بالكلمة والهدف، لأن الثقافة تُعنى بكل ما أضافه الإنسان من فكر وعلم وإبداع، ولا يقتصر المفهوم على فعاليات محدّدة تختزل المشهد ولا تثريه.

ميدان الاشتغال

الإعلامي جمال الجيش- معدٌّ ومحاورٌ في العديد من البرامج الثقافية في إذاعة دمشق والتلفزيون العربي السوري يقول: ليس فقط في ميدان الاشتغال الثقافي، بل في كل ميادين اشتغالاتنا التنموية والتوعوية إعلامياً، لم تكن لدينا استراتيجيات متكاملة ومتضافرة وتفاعلية، بمعنى أن اشتغالاتنا كانت متقطعة ومبسترة، وكأنها من قبيل رفع العتب تجاه أنفسنا والعالم والتاريخ، لذلك لم يكن هناك تأسيس لمشروع ثقافي حقيقي متكامل ومُتراكم ومضايف، وإنما كانت هناك شذرات هنا وهناك، تتوهج أحياناً وتخبو أحايين أخرى.
وبكل وضوح نستطيع القول: إنه ليس لدينا إعلام ثقافي، ولكن لدينا بعض ثقافة في الإعلام، وهذه (أي الثقافة) كانت تقوم على حوامل فردية وحماسات بعض المثقفين الذين انخرطوا في العملية الإعلامية، وعانوا الأمرّين وأكثر كي يصلوا برسالتهم إلى جمهور مأخوذ بأنماط تقليدية سائدة وراكدة، إلا ما ندر من نُخب منفصلة عن الواقع وغير متفاعلة مع مؤسساته الإعلامية التي كانت تتعامل معها بالمجمل على أنها مؤسّسات تخدم أغراضاً محددةً بعينها، وهي بحق لم تكن كذلك ليس لأن القائمين عليها لا يرغبون بذلك، بل لأنهم غالباً لا يمتلكون الرؤية المتكاملة.

حضور خجول ومتواضع

من جهتها تؤكد الإعلامية سلوى عباس- رئيسة القسم الثقافي في جريدة البعث، أن الإعلام الثقافي ليس غائباً ولا مُغيّباً، لكن حضوره في المشهد الثقافي خجول ومتواضع، لأسباب منها عدم وجود الحدث الثقافي الحقيقي الذي يواكبه الإعلام باستمرار، وفي حال وجوده نرى أن التعامل معه من قبل الصحفي يتمّ بسطحية تقتصر على نقل الحدث كما هو، بعيداً عن أي تحليل أو نقد له، فنحن نفتقد الصحفي الذي يمتلك المقومات المعرفية التي تؤهله لتقديم مادة إعلامية فاعلة تحرّض على إنتاج فعل ثقافي يتوازى مع الإعلام، وإذا وجد فإن تناوله للحدث الثقافي يتمّ إما من وجهة نظر شخصية بعيداً عن الموضوعية، أو إنه يقدم مادة لا تستوفي شروطها الإعلامية الثقافية.
وتضيف عباس: بالمقابل إنتاج إعلام ثقافي حقيقي يحتاج إلى هامش من الحرية ليكون إعلاماً يحمل القيمة الثقافية والإعلامية المتوخاة منه، وثمة أمر آخر نرى فيه أن الثقافة في الصحف التي هي الحاضنة الأولى للإعلام الثقافي تأتي في آخر اهتمامات القائمين على الصحيفة والإعلان مقدّم عليها. إذاً نحن بحاجة ماسّة لإعلام ثقافي يكون له دوره في تطوير الحالة الثقافية والمساهمة في ارتقائها لأنها هي الرافعة الحقيقية للخروج من مآزقنا التي نعيشها.

خطة للتنمية الشاملة

أما الإعلامية سعاد زاهر -رئيسة القسم الثقافي في صحيفة الثورة، فتقول: يحضر الإعلام الثقافي من خلال ملامح محدودة، بضع تغطيات ومقالات ثقافية تنشر عبر الصحف المكتوبة، غالباً ما تكون تابعة للأنشطة التي نعيشها أياً كان مجالها (موسيقي، مسرحي، ندوات، مهرجانات..)، أما في الإعلام المرئي فهنا المشكلة الأكبر، حيث هناك تغييب للثقافة وأعلامها لمصلحة الجانب الترفيهي وتسطيح الوعي، وقد عشنا مؤخراً نتائج كارثية نتيجة هذا التغييب، وحتى عندما تحضر المواد الثقافية في الإعلام المرئي فهي تفتقد الجاذبية والاهتمام، حيث يقلّ عدد مشاهديها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اعتاد المتلقي على نوعية معينة من المحتوى الإعلامي، مبهر، جذاب.. منوع، بغياب قيم ومضامين مهمّة يمكنها أن تؤثر في وعيه بطريقة جدية، وتمكنه من النظر للحياة بعمق وفاعلية. وهناك أمر آخر مؤثر لابد من الحديث عنه: لاشك بأنه مع التغيير الذي عشناه في المجتمع نتيجة سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، تبدلت ذائقة المتلقي، حيث لم يعد يعنيه أن يذهب للقراءة عن مُنتَج ثقافي في الإعلام إلا فيما ندر، ما نعيشه من انتشار لهذه المواقع جعل كل مُشاهد يمتلك رأيه وأحياناً لا يقبل الجدل، وبالتالي فإن صدى الإعلام الثقافي حتى لو وُجد إلا أن أثره يغيب مع مرور الوقت.
وتضيف زاهر: هناك مشكلات داخلية يعاني منها الإعلام الثقافي، منها عدم اهتمام المشاهدين أو القراء بالمادة الثقافية، إضافةً إلى ضعف المردود المادي، وعدم تميز مضامين المواد الثقافية وجاذبيتها، وعدم تسويقها بالشكل المطلوب، فضلاً عن نقص المتخصصين في التعاطي مع الإعلام الثقافي والذين يتمكنون من تحويل المنتج الثقافي إلى مادة إعلامية جذابة للمتلقين. وأخيراً حتى نتجاوز تحديات العمل الإعلامي الثقافي، لا يفترض أن يقتصر دور وسائل الإعلام على نشر الخبر الثقافي، بل لابد من وضع خطة للتنمية الثقافية والمشاركة مع المؤسسات في نشر ودعم المنتج الثقافي، كما لا بد من بناء علاقة تكاملية مع الإعلام من قبل المؤسسات الثقافية المعنية.

مسح شامل

بعيداً عن الأسئلة المتواترة بوجود إعلام ثقافي أو نفيه، لا بد كما يرى –مختصون- من عملية مسح شاملة للصحف اليومية والأسبوعية، كي تتحدّد بدقةٍ ماهية الصحف التي تعطي أهمية للمنتج الثقافي من ناحية، وعما إذا كانت هناك صحف قد خصّصت ملحقاً ثقافياً أسبوعياً واستمرت فيه، وذلك كله بهدف الوقوف على استنتاجات دقيقة تساهم في تطوير واقع الإعلام الثقافي والإجابة عن الأسئلة آنفة الذكر.

الحرب بعناوين ثقافية

وطالما كانت الحرب على سورية بعناوين ثقافية، فعلى الإعلام الثقافي في هذا السياق أن يكشف ويكاشف على مستوى المعلومات، ناهيك عن الإبداع، إذ إن القارئ لم يعد يكتفي بالأخبار العادية المقتصرة على الخبر الثقافي السريع والتغطيات العابرة، بل لا بد من استراتيجية ثقافية وطنية تعيد الاعتبار للإعلام الثقافي الحقيقي الذي يرفد المشهد الثقافي في ضوء الحاجة المعرفية المتطلبة من الجمهور القارئ، بل استعادة هذا الجمهور إلى حقل القراءة، الجمهور الذي اختطفت معظمه وسائل التواصل الاجتماعي، وسيتعدى الأمر هنا إلى معالجة الأحداث والظواهر والتطورات التي تعكس الواقع وتستشرف من خلاله.

خلاصات غير منتهية

لا ينفصل الإعلام الثقافي بكل معطياته وأدواته عن صياغة الوعي الجديد عبر مخاطبة الناس بمختلف مستوياتهم والاتصال بهم ليتمّ التفاعل مع الأحداث الثقافية، ولعلّ التخصص في هذا المجال هو ما يرفد الإعلام بطاقاتٍ نوعيةٍ ترتقي بالخطاب الثقافي الإعلامي بوصفه جزءاً من كل، لكنه الجزء الضروري الذي يساهم في تنمية ثقافية منشودة تقصي التسطيح والنخبوية العالية في المادة الثقافية، ولا يتأتى ذلك إلا في سياق تشاركي مع المؤسسات الثقافية المعنية، إذ لا يمكن أيضاً التندر فحسب بغياب جزئي لوظيفة الإعلام الثقافي في سياقها المعرفي والاجتماعي والإنساني، وصولاً إلى جوهر وطني يرفع منسوب الوعي في ضوء الحاجة الملحة للإعلام الثقافي واستيعاب التحديات الكبيرة التي يفرضها الواقع بمتغيراته المتسارعة، فليس ترفاً أن يكون الإعلام الثقافي في سلم الأولويات وفي صلب الاهتمامات المجتمعية التي تنعكس إيجاباً على القراء المختلفين، بل صنّاع القرار الثقافي الذين يضطلعون بغير مهمةٍ ودور.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock