آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

الباحثة والمربّية علمية أبو أسعد:مركز «أنمار» يحمل عبء تحرير الوعي المجتمعي من الأفكار غير الدقيقة

رسمت على وجوه الأطفال الأمل والسعادة والتفاؤل بالحياة
الباحثة والمربّية علمية أبو أسعد:
مركز «أنمار» يحمل عبء تحرير الوعي المجتمعي من الأفكار غير الدقيقة

جهينة– أحمد علي هلال:

جاءت من زمن الصبر والاجتهاد، لكنّ حادثة بعينها جعلتها تذهب باتجاه التخصّص في تأهيل أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة (أطفال التوحد، متلازمة داون، التأخر الروحي والحركي، نقص الأكسدة، فرط النشاط)، هي أنها رُزقت بطفل يعاني من نقص سمع حسي عصبي عميق، اكتشفت ذلك بعد شهر من ولادته، ليصبح دافعها النبيل لإنشاء مركز يعمل برؤى مؤسساتية، هو مركز «أنمار» لمساعدة أولئك الأطفال، وأنمار في دلالتها اللغوية تعني الماء الزلال الطهور.. إنها السيدة علمية أبو أسعد التي حملت عبء الفكرة متجاوزة الصعاب، لتذهب إلى الممكن من إبداع يليق بهم.

الاندماج في المجتمع

في الطريق إلى مدينة التل التي تغفو في حضن جبال القلمون، يمكن لمن يقصد مركز «أنمار» الذي يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة أن يدرك جمالية تلك المنطقة، وبالذات جمالية المركز الذي يهتمّ بالإنسان، ليشعر الداخل إليه بأشياء مختلفة، شكل المكان وترتيبه إلى شكل الاستقبال والابتسامة التي تعلو وجه طاقم العمل وإدارته، ليبدأ الشرح المفصّل عن طبيعة عمل المركز وكيفية التعامل مع الأطفال، والطرائق التي ينتهجونها في تطوير قدراتهم، والمميز في هذه التجربة أنها تقوم على فهم علمي لطبيعة احتياجات أولئك الأطفال، إضافةً إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي كيفية اندماجهم في المجتمع من دون عوائق أو صعوبات نفسية أو اجتماعية أو تربوية.. وجوه الأطفال تحمل ابتسامة بريئة لعلها تحمل في طياتها الأمل والسعادة والتفاؤل بالحياة، حيث يشعرون بأنهم يمتلكون إحساساً بقدرتهم على تجاوز كل ما ينقصهم بمساعدة فريق من كادر تأهيل يتفهم أوضاعهم ويعمل على اندماجهم المجتمعي بشكل صحيح.. أطفال وبراعم وزهرات تتفتح في حديقة التنمية والتطوير، يتعلمون القراءة والكتابة والتأهيل الاجتماعي، يلعبون بمنتهى حريتهم، لا ينتظرون شفقةً من أحد، بل كل ما يطمحون إليه هو أن ينظر إليهم الآخرون بوصفهم أناساً عاديين. فعلاً هو مشروع إنساني يقوم على بلورة مواهبهم واكتشافها، تجربة لعلها تتكرر لتعطي ثمارها، ليكون الأطفال حيث يجب أن يكونوا سعداء ومبدعين وإعمار أرواحهم جزء من إعمار الوطن، بل هو المقدمة الأولى للإعمار.

هوية مركز أنمار

عشر سنوات استغرقت الباحثة علمية أبو أسعد في تجهيز ودراسة هذا المركز، الذي اعتمد منهجيةً مختلفةُ في التعامل مع الأطفال والارتقاء بهم، ليفجّروا طاقاتهم ومواهبهم ويشكّلوا حالة اندماج في المجتمع، وتتلخص تلك المنهجية بالتماس مع الطفل عبر دروب من العلاج الباطني والرسم التشاركي، كل ذلك استثمار لما سمّته الدراما النفسية، ولتكتمل التجربة مع الحالات المختلفة ومن شرائح عمرية مختلفة أيضاً. هذا السياق الذي وُلد فيه مركز أنمار بطبيعته النوعية، وبانتباه القائمين عليه على التفاصيل التي تؤلف حيوات أولئك الأطفال، والإبداع في تحرير قدراتهم بالتدرج والتعليم والتعلّم، وليشتق المركز هويته في تقديم أنموذج متميز، ليس لمعالجة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فقط، بل الارتقاء بهم إنسانياً ومجتمعياً ومعرفياً بما يحقّق لشخصياتهم التفرد والانعتاق، تجربة تكاد تكون متفردة بإيقاعها على الرغم من وجود غير مركزٍ يُعنى بتلك الحالات، لكن ثمة خصوصية لمركز أنمار بعمله في ظروف مركّبة، خصوصية المكان وطبيعة العمل ولاسيما زمن الحرب، حينما واصل هذا المركز العمل مُعيداً الاعتبار للفهم العلمي والمعالجة لتلك الحالات الخاصة، وفي ظل خوف المجتمع غير المبرّر من تفشي الخوف الخرافي، فكان البيت هو بمثابة المركز خلال الحرب، ليتحول تالياً إلى مركز مستقل بذاته.

مخاوف مجتمعية

ثمّة من ذهب إلى القول بأن لا أمل في هؤلاء الأطفال ولا يمكن العمل معهم، حتى اتضحت فكرة المركز وبدأ المجتمع المحلي يتفهم طبيعة العمل، أي بتأهيل هذه الفئة، ومدّ جسور الثقة بين كادر المركز وأهالي الأطفال، بل إن ثمة من ذوي الأطفال من ظلّوا يتواصلون مع المركز بُعيد تخرّج أطفالهم فيه.

رؤى واستراتيجيات

في هذا السياق كان المركز يحمل عبء تحرير الوعي المجتمعي من الأفكار غير الدقيقة، ويسعى إلى مزج هذه -الفئة- بالنسيج المجتمعي، ليكون الأطفال أكثر قدرةً على الاندماج والتعاون والإبداع بفضل ما وفّره المركز لهم من أدوات وشواغل تأخذهم إلى عوالمهم المنشودة، رسماً وغناءً وفعاليات بدنية رياضية وأنشطة ثقافية، تمكنهم من الانتباه لغير موهبةٍ يملكونها، وحقيقة التجربة مع أولئك الأطفال بطابعها الإنساني أولاً تحمل بمنهجيتها على تتبع خطوات النجاح، ومغالبة الصعاب الواقعية والمحتملة، أي بالانفتاح عليها وفهمها في سياقها، وكل ذلك ينجزه تخطيط علمي أقرب إلى استراتيجية تُعنى بالطفولة وخياراتها وتنميتها المستدامة في ضوء تحديات الواقع زمن الحرب وأثنائها ليكتسب خبرات ضرورية تجعل منه أنموذجاً واقعياً للتعاطي مع جملة من الأمراض والظواهر والحالات بُغية تجاوزها، والأدلّ هنا انتصار الطفولة على مستوى الوطن، فهي المستهدفة في الحرب، والانتصار لها هو رسالة إلى المستقبل القريب، ليكونوا أنشودة الحياة في معركة بناء الأرواح واستعادة الإنسان.

هاجس نبيل

ذلك الهاجس النبيل الذي حمل المربّية والباحثة علمية أبو أسعد، على أن تجهر بحلمها وأن تكابد في سبيل إنجازه، ذلك أن لا حلم يمرّ بلا ثمن، حتى يأتي النجاح ثمرة تعب واجتهاد ويصبح الحلم حقيقةً حينما حرص كادرها على دراسة كل طفل، واكتشاف نقاط قوته بالتعاون مع أهله، واجتراح دورات رفيعة المستوى في مختلف الاتجاهات والاطلاع على الدراسات والخبرات العالمية واعتمادها في العمل، فضلاً عن الابتعاد عن الجمود وأساليب التلقين المملّة، أي إن تلك المنهجية التي انبنى عليها مركز أنمار أسفرت عن نتائج منشودة ومعها لم تعد الفكرة محض فكرة، بل أصبحت واقعاً بعينه ملموساً يحرّر في الأذهان فكرة المعوق، وفكرة ذوي الاحتياجات الخاصة.

ثقافة التعامل مع الأطفال

إن العمل في قلب المجتمع الذي عانى ويلات الحروب سيصبح ملهماً لمن آمنوا بفكرة الطفولة والخلاص بها من أثمان الحرب المُوجعة في النفوس وعلى الأرض، فضلاً عن تعزيز مفهوم الأسرة النموذجية واللحاق بعجلة التطور من أجل الإنجاز والتجاوز لتكون تجربة رائدة على مستوى سورية تضاف إلى عشرات التجارب في هذا الإطار، واللافت فيها أن فكرة النجاح لم تكن مجرد هاجس عابر، بل كانت حقيقة أولى مؤسّسة سكنت عقول القائمين على المركز، وهم من جهدوا وبذلوا أقصى ما يستطيعون لإثبات وجهة نظر تقول بإمكانية معالجة هؤلاء الأطفال وتأهيلهم، وصولاً إلى دمجهم في المجتمع، معارضين بذلك دعاة عزلهم وتأمين حياتهم في شروط خاصة، انطلاقاً من الإيمان بأن الإنسانية فوق كل شيء، وهذا ما يُحسب للمركز أنه كان السبّاق في العناية بأهالي الأطفال والمجتمع المحيط بهم من خلال الدورات وورشات العمل المجانية لتوسيع ثقافة التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، هذه الثقافة باستحقاقاتها المجتمعية ترجمتها جهود حثيثة لتغيير النظرة إلى فكرة المعوق، ومن ثم تأهيل الوعي لدى الأهالي لاستيعاب الحالات الخاصة، والنظر إليها بوصفها تستحق العناية، فهم المعنيون بإنجاح هذه التجربة وتعميمها بما تشتمل عليه من جلسات معالجة مستقلة لتأهيلهم للدخول إلى الصفوف وتأهيلهم ضمن الصف لتأمين اندماجهم وتحضيرهم للدخول إلى المجتمع وتخريجهم فيما بعد.

حق الطفل في الحياة

تشير الباحثة والمربّية علمية أبو أسعد إلى أن العمل يسير بشكل مستمر وفق منظومة متكاملة بما يخصّ الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبمواكبة الدراسات الإحصائية وطرق التأهيل الجديدة التي أثبتت فاعليتها، وجاهزية مركز أنمار للتواصل مع الجهات العامة والخاصة، فضلاً عن اعتزازها بمواكبة الإعلام لأنشطة المركز وهويته ولاسيما تسليط الضوء على جانب من حياة المجتمع والذي يحدّد درجة كبيرة من الوعي الحضاري بأهمية ما يقدّمه المركز للمجتمع، انطلاقاً من منهجيات تُعنى بالحالات الخاصة، ليضاف نشاطه إلى أنشطة أخرى لمراكز أخرى على مستوى الوطن، وكذلك يرى بعض الأهالي الذين آمنوا بالفكرة ووضعوا أطفالهم في المركز أنها خطوة حضارية تعني الوعي المجتمعي لضرورة أن يأخذ الأطفال دورهم في المجتمع وخصوصاً في أزمنة الحرب واستحقاقاتها المجتمعية الكبيرة، ذلك أن مبعث تفاؤلهم هو الرهان على الوعي المجتمعي الذي يجلب التوازن والانسجام وعودة الأمور الطبيعية إلى نصابها، وثمة من يرى أن الفكرة بحدّ ذاتها دليل عافية بقدر ما هي تنمية مجتمعية تقوم على الشراكة والإنتاجية تعزيزاً لمنظومة القيم الاجتماعية السامية التي تنطلق من أن الإنسان هو المنطلق والغاية، سواء في أزمنة السلم أو الحرب، وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة يقع على عاتق الأسرة والمؤسسات المعنية والجهات المجتمعية المختلفة، وصولاً إلى صياغة ثقافة تليق بالإنسان وترتقي به، بما يعني أن النجاح فعل تراكمي ليتجذر في الوعي المجتمعي بأبهى صوره وتجلياته كافة.

سطور وعناوين

خريجة كلية التربية- جامعة دمشق.
• بدأت حياتها العملية في مؤسسة الشهيد ماجد أبو شرار التربوية، واتبعت عدة دورات تخصصيّة بإشراف منظمة اليونيسيف من عام 1989 حتى عام 2000.
• أطلقت مركزها في 1/ نيسان/ 2014 ومؤمنة بتحقيق حلمها لإسعاد الأطفال بُغية تجاوزهم لظروفهم وعودتهم لحياتهم الطبيعية خصوصاً أولئك الذين يعانون من التوحّد وغيره من الإعاقات.
• انطلقت فعاليات مركز أنمار بدوافع إنسانية ومعرفية ساهمت بصورة ريادية بتصحيح الصورة عن المعوق أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وجسر الهوة بينهم وبين مجتمعهم بالمعنى التربوي والإنساني والاجتماعي.

لقطات

• الطفل (ثائر) يعاني من نقص سمع شديد، لكنه يملك موهبة رائعة بتصنيع الأشكال ذات الطابع الهندسي.
• الطفلة (رؤى) التحقت بالمركز من عمر ثلاث سنوات، وانتقلت من مرحلة الانعزال والتوحّد إلى مرحلة الاندماج.
• (روان) الفنانة الصغيرة التي ترسم بريشتها أجمل اللوحات تمكنت من رسم لوحة بمنتهى الإنسانية والروح الرياضية عندما تعمّدت الخسارة كي تُفرح رفيقتها (رؤى) الغاضبة من الخسارة.
• يقول الطفل آدم: عمري تسع سنوات، لديّ فرط بالغدة وتأخر روحي، فرحت كثيراً لأنني صرتُ أعرف الكتابة.. (آدم) طفل أكبر من أحلامه، يضع تاجاً على رأسه ويستلم (الجلاء) مثل باقي الأطفال، شأنه شأن (أحمد) الذي عانى من نقص سمع شديد وأصبحت لديه قدرة بعد اهتمام المركز على الكتابة وقراءة الشفاه.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock