ديكور

التصميم الداخلي للفندق المُعاصر وحضور التجريب ما بين الخيال والتعبير

| د. حسام دبس وزيت

إن التصميم الداخلي باعتباره أحد مجالات الإبداع الإنساني الذي يقوم على ترجمة رؤية تنظيمية للعناصر والمفردات وفي بُنية تجمع ما بين الحلول الوظيفية والجمالية، لابد أن يرتبط بالضرورة بمقومات هذا الإبداع التي تجمع بين الخيال والقدرة على التعبير، أي إن جوهر هذه الرؤية يتمثل في الجانب الفكري الذي يقوم على الخيال وفي الجانب الفني الذي يقوم على التعبير.

فكر وتصميم

إذا تناولنا الجانب الأول، والذي يقوم فيه المصمم بإعداد النموذج أو البيان الفلسفي للموضوع الذي يتناوله، وهو ما يتباين حضوره ما بين عناوين متعددة قد تحمل في طياتها فكرة تصميمية، أو طابعاً، أو منظومة، أو نمطاً محدداً بذاته، وهذا التباين يحدد ملامح وطبيعة الفكر الذي يطرحه المصمم. وهنا يستطيع المصمم من خلال الفكرة التصميمية أن يصوغ إطاراً فلسفياً عاماً يرسم عملياً كافة محددات المشهد التصميمي في الفراغ، ويضبط بذلك جميع المفردات والعناصر البصرية من خطوط وألوان ومواد، وتختلف هذه الفكرة جذرياً عن بعض الحلول الوظيفية منها أو الجمالية التي قد يتضمنها هذا المشهد، والتي قد تخضع بدورها لعدد من الاتجاهات الفكرية والفلسفية في موضوعات التصميم والفن أو في موضوعات الثقافة الاجتماعية وما يرتبط بها. وتمثل هذه الفكرة عملياً، وفي جانبها الفني، قيمةً تعبيريةً خالصةً بدورها، قد تنسجم أو تتمايز عن القيمة التشكيلية الحاضنة لها، فيصبح للتصميم معنى يستطيع من خلاله المصمم أن يتفاعل أو يدير أكثر تلك العلاقة التي تنشأ ما بين الفراغ المعماري وشاغل هذا الفراغ، وبالطريقة ذاتها التي يخاطب بها الفنان في عمله الفني حواس وإدراك المتلقي. كما أن هذه القيمة التعبيرية الزمانية، إن صح التعبير، تضفي بعداً جديداً على التصميم بصفته المكانية، بل تدفع به نحو مستويات تتجاوز الوظيفة والشكل، وإلى أيقونة فنية خالصة ومتفردة أكثر بسماتها وخصائصها.

طابع وصورة

القيمة التعبيرية تضفي بعداً زمانياً جديداً على التصميم بصفته المكانية بل تدفع به نحو مستويات تتجاوز الوظيفة والشكل

في صورةٍ مشابهةٍ إلى حدٍّ كبير، يستطيع المصمم أو الفنان أن يضفي طابعاً فنياً أو سمة عامة للفراغ المعماري، ويقوم هذا الطابع على بُنية تشكيلية خالصة، قد تتضمن بدورها جانباً فكرياً أو فلسفياً قائماً بذاته، وما يميز هذا الطابع عن الفكرة التصميمية هو أن الفكر هنا يكون حاضراً أكثر في موضوع التشكيل الذي يستمد منه الفراغ المعماري مفرداته التصميمية من خطوط وألوان ومواد، بينما تتمثل الفكرة التصميمية في بناء معرفي قائم بذاته تستمد منه الحلول الوظيفية والجمالية خصائصها الذاتية. وفي حين يبرز دور المعمار والمصمم في الفكرة التصميمية، يظهر دور الفنان أكثر في إضفاء ذلك الطابع التشكيلي للفراغ الداخلي والموضوعات التي يختارها، والتي تترجم الفكر الذي تحمله تلك الموضوعات. وتمثل هي بشكل أو آخر حضور العمل الفني بصفته المستقلة، إلى حدٍّ كبير في التصميم، ويبرز هنا دور أنواع فنون التصوير والغرافيك والنحت، وحتى أنواع الفنون التركيبية والرقمية وما يرتبط بها من تقنيات، حيث يتمايز حضور كل من أنواع تلك الفنون في الفراغ المعماري، وما قد يفرضه ذلك الحضور من قيمٍ جديدةٍ على المشهد التصميمي العام في ذلك الفراغ.

منظومة ونظام

في غياب ذلك البيان الفلسفي العام الذي تتم ترجمته في الفكرة التصميمية أو في الطابع الفني الذي يمثل العمل الفني فيه الموضوع الرئيسي الذي يستمد منه الفراغ المعماري خصائصه التشكيلية، كما أوردنا، قد يلجأ المصمم إلى ضبط محددات المشهد التصميمي في الفراغ المعماري من خلال اللجوء إلى منظومة تصميمية قائمة بذاتها، وتتمثل هذه المنظومة في بناء تشكيلي متفرد تنتظم علاقاته البصرية من خلال مجموعة من الخصائص والسمات المتشابهة في الشكل والأسلوب والصياغة التصميمية، والتي قد تظهر في الخط أو اللون أو المادة. والسؤال هنا هل يكون الفكر حاضراً بالضرورة في هذه المنظومة أيضاً؟ الجواب بطبيعة الحال نعم، إذ إن هذا النظام أو المنظومة التي تدير هذه المفردات والعناصر لابد أن ترتبط بدورها بمحددات فكرية، ذاتيةً كانت أم موضوعيةً، فلهذه المنظومة عنوان، وتندرج تحت هذا العنوان فلسفةٌ تحدد طبيعة هذه المنظومة وما تهدف إليه.

نمط واتجاه

وفي حين يقوم عدد من المصممين على استنساخ أنماط وأساليب معمارية سابقة، أو اتباع اتجاهات ومدارس فنية أو فنانين ومعماريين ذاع صيتهم أم لم يذع، حيث يقوم هذا الاستنساخ أو الاتباع على نقل وإعادة طرح مفردات وعناصر ومحددات بطريقة أو سماتٍ مشابهةٍ، فإن هذا الاستنساخ لا يفقد التصميم بالضرورة أصالته الابداعية، فهذا الاستنساخ أو التجديد أو إعادة الإحياء، لابد أن يكون له حضوره الفكري المميز، حيث يتمايز ذلك الحضور في العناوين التي يتم اللجوء إليها في التصميم، كما يفرض ذلك الحضور بعداً مفاهيمياً جديداً في الزمان والمكان، وفي مجموع القيم التشكيلية والتعبيرية التي يطرحها ذلك التصميم، إضافةً إلى ذاتية المصمم أو الفنان في إعادة تناول تلك المفردات والعناصر، وبما يمثل إضافة معرفية لم تشهدها تلك الأساليب أو الاتجاهات من قبل.

خيال وتجريب

عموماً تتمثل تلك العناوين، التي أوردناها، في موضوعات التجريب التي يتم تناولها في الفن والتصميم على حدٍّ سواء، إذ إن عمليات الإبداع في كلا المجالين لا بد أن تتسم بالخيال، الذي تتم ترجمته في الفكر الذي يطرحه التصميم، والذي يقود عملياً إلى التجريب، حيث يتناول بدوره السمات والخصائص البنيوية والشكلية للتصميم المعماري، ويفضي هذا التجريب بالضرورة إلى نتاج معماري وفني قائم بذاته يفرض حضوره على الفراغ، وعلى محددات التجربة الحسّية لشاغل هذا الفراغ.

صناعة فندقية

يمثل تصميم الفنادق، الذي يعد أحد مجالات التصميم المعماري والداخلي، أحد أبرز النماذج على ذلك الحضور للعناوين التي يتمثلها الفكر في التصميم وما يطرحه من تجريب قد يطول الحلول الوظيفية والجمالية في أنواع الفراغات الداخلية التي قد يحويها الفندق. وفي حين تتباين أنواع الفنادق من فنادق سكنية وتجارية وفنادق منتجعات وأعمال وغيرها، حيث تتباين المحددات الوظيفية والبصرية لكل منها وبما تحويه من خدمات وتؤديه من دورٍ تجاري، والتي لا مجال لحصرها والخوض في محدداتها الوظيفية وعلاقاتها التنظيمية، فإننا نستطيع أن نلتمس فيها ذلك الحضور المميز للفكر والفن في أجزاء ومكونات بذاتها من المشهد التصميمي العام.

تجربة حسّية

التجربة الحسّية للمستخدم يكون لها الدور الأبرز في موضوع الإقامة الفندقية الدائمة والمؤقتة، وما يمكن لهذه التجربة من أن تنقل من قيم معرفية إلى المستخدم والتي تختص بثقافة المكان الذي توجد فيه، وتتمايز هذه القيم بطبيعة الحال من خلال طبيعتها والطريقة التي تتم بها ترجمتها، وهي تفضي بالضرورة إلى هويةٍ محددةٍ قائمةٍ بذاتها. وتستطيع هذه التجربة الحسّية أن تُحاكي في الانتقال والإقامة في فندق ما التجربة الحسّية للانتقال من مكان إلى آخر، وما يمكن لهذه التجربة من أن تطبعه في ذاكرة المستخدم وشاغل الفراغ، إذ يكون للتصميم المعماري والداخلي الدور الرئيسي في إذكاء تلك التجربة.

إقامة وسكن

تمثل الغرفة أو الجناح الفندقي الحجر الأساس في موضوع الإقامة الفندقية أو السكن، وبالتالي طالت موضوعات الفكر والفن وما يرتبط بها من تجريب هذه الغرف أكثر من غيرها من المكونات الداخلية للفندق، بحيث يلجأ المصمم إلى إضفاء الخصوصية التصميمية بما تحمله من فكر وفن إلى كل غرفة على حدةٍ، والتي قد يتجاوز فيها المصمم النظم القياسية المعتمدة لتصميم الفنادق، سواء على المستوى القياسي أو التجاري والسياحي وما يرتبط بهما من محددات وتصنيفات. وتتمايز تلك الخصوصية التصميمية بين الجانب الفكري الذي يتمثل في مجموع القيم الفلسفية التي قد يطرحها التصميم أو في الجانب الفني منها الذي يتمثل في الصياغة الأسلوبية والتشكيلية للمفردات والعناصر التي يمكن أن توجد داخل الفراغ.

ذائقة جمالية

في سياق متصل، نستطيع أن نشهد عدداً من تصاميم الغرف الفندقية التي صاغها المصمم مخاطباً بها حواس الإنسان السمعية والبصرية، ومخاطباً أيضاً ذائقته الجمالية، وبما يرتبط بعوالم الواقع والخيال وما وراءها، مستعيناً بذلك بأنواع الفنون البصرية القديمة منها والحديثة من رسم وتصوير، وغرافيك وفوتوغراف، ونحت وتركيب وغيرها، إضافة إلى ما يرتبط بها من تقنيات وتقانات، وبخاصة في مجال الضوء، حيث أصبح لفنان الضوء حديثاً حضور مميز على صعيد بناء الصورة الإبداعية للفراغات الداخلية.

ثقافة وحياة

وفي حين ترتبط التجربة الحسّية للإقامة الفندقية بثقافة المكان الذي توجد فيه، كان لابد لمفردات تلك الثقافة أن تلعب دورها أيضاً، فكراً أو فناً، في ذلك المحتوى البصري للفراغ، وما يحويه من مفردات وعناصر، ويبرز هذا الدور في توظيف مدلولات ثقافية تتناول أساليب الحياة ونمطها، أو في محاكاة ذلك المحتوى لأنماط معمارية وبنى إنشائية محلية، أو من خلال عناوين بذاتها زمانيةً كانت أم مكانيةً، إضافة إلى توظيف أنواع الحرف التقليدية وما يرتبط بها من أيقونات محلية.

محاكاة وتجديد

الجدير بالذكر هو دخول مجالات تخصصية من التصميم في الصناعة الفندقية، كما يرغب البعض بتسميتها، وكما بات معروفاً، فقد نحا عدد من مصممي الأزياء إلى تشييد فنادق تحمل العلامة التجارية الخاصة بهم، وتحمل أيضاً معها الخصائص الشكلية ذاتها وما يتصل بها من قيم معرفية تمثل الفكر والنهج التصميمي ذاته الذي ينشدونه في تصاميم الأزياء الخاصة بهم. كما أننا لا نستطيع أن نغفل دور الاتجاهات الحديثة في العمارة والتصميم، والتي ألقت بظلالها على المحتوى التصميمي للفراغات المعمارية عامةً، وللفنادق خاصةً، فكراً أو فناً، ولاسيما في تصميم الغرف والأجنحة، إذ نلاحظ حضور هذه الاتجاهات من خلال المحاكاة الأسلوبية، كما سبق وأشرنا، والتي قد تتناول الشكل والمضمون بآن معاً، سواء اتجه المصمم نحو الاختزال والبساطة أو نحو التعقيد، أو اتجه نحو الطبيعة والإنسان، أو نحو الآلة والتقانة الحديثة، فالتجريب يظل هو العنوان الرئيسي لتصميم أنواع تلك الفراغات.
أخيراً.. نعيد التأكيد على أهمية الفكر والفن وآلية تحقيق كل منهما في الخيال والتعبير من خلال التجريب الذي يطول كل أنواع الفنون والآداب كافة، وعلى الأخص في مجالي التصميم المعماري والداخلي، حيث يفتح الباب عريضاً أمام نتاج تصميمي جديد كلياً، استفاد أو لم يستفد من الماضي والحاضر، فالخيال الذي يتبعه التجريب لا يمكن أن يخضع لقيود، ولا تخطّه حدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock