آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

الحاسوب والفنون التشكيليّة قسريّة العلاقة وتباين النتائج

 

جهينة- د. محمود شاهين

منذ ولادة فن التصوير الضوئي «الفوتوغراف» عام 1839 والنقاش حول ماهية هذا الفن الجديد وأهميته ومكانته وعلاقته بالفنون الإبداعيّة التقليديّة، لم يهدأ، أو يتعب، أو تخفّ حيويته التي تصل أحياناً إلى درجةٍ عاليةٍ من الحدّة والصدام بين العاملين في حقوله وأنصاره ومُريديه، وبين المزاولين لضروب وأنواع الفنون الإبداعيّة التقليديّة كالفنون التشكيليّة والموسيقا والشِّعر، حيث لا يزال العديد من هؤلاء يقفون ضد انضمام فن التصوير الضوئي إلى جمهوريّتهم، على غرار ما فعل جماعة «معبد أبولو» إبان ولادة الصورة الضوئيّة، والذين طالبوا يومها بإبقاء هذا الفن بعيداً، لأنه فنٌ آلي باردٌ لا يتمتع بشروط ومقومات وخصائص الفن الإبداعي.

أولاد وأحفاد الصورة الضوئيّة

لكن مع التقدم التكنولوجي المتعاظم، وسيطرة المنظومات السمعيّة البصريّة على حركة التواصل الاجتماعي العالمي، تغلغل الحاسوب والأجهزة الذكيّة الأخرى، التي خرجت جميعها من رحم الكاميرا، في حياة الإنسان المعاصر، لاسيّما بعد أن تنوّعت أشكالها، وتعدّدت مهامها، وتيسّرت استخداماتها في كل وقتٍ ومكان، فمنها الأجهزة اللوحيّة والهواتف الذكيّة التي توجد في المكاتب، أو تُحمل في الحقائب كـ«اللاب توب» أو في الجيب كـ«الموبايلات»، كما أنّ تنوّع هذه الأجهزة وسهولة استخدامها، زادا من تعلّق الإنسان بها وجعلها مسعفته الرئيسة على قضاء حاجاته اليوميّة: الماديّة والروحيّة، بحيث يمكن القول إنه من دونها يُصبح مكبّل اليدين والرجلين، ذلك لأنّ هذه الأجهزة تجاوزت مفهوم «الكماليات والترفيه» إلى «الضروريّات» التي لا يُمكن لإنسان معاصر، على اختلاف جنسه أو عمره أو مهنته أو ثقافته، الاستغناء عنها في ممارسته لحياته اليوميّة بكافة أشكالها وألوانها، فهي وسيلته في إنجاز شؤون وقضايا وأعمال ومهام تواصليّة ومعرفيّة واقتصاديّة وفنيّة وترفيهيّة، وبالتالي قامت هذه الأجهزة الذكيّة سهلة الاستخدام والنقل بإحالة العديد من المهن والأدوات إلى التقاعد، كالآلة الكاتبة، وحرفة الخط، والراديو، وآلة التسجيل، والكاميرا، والآلة الحاسبة، والمنبّه، والساعة، وشاشة العرض، والكتاب، والبريد التقليدي، والمكتبات الورقيّة.. وغيرها، ذلك لأنها اختزلتها كلها في جهاز بحجم الكفّ، وبالتالي وضعت غالبية الفنون التقليديّة والتي ترفّعت عن الرحم التي ولدت منها «الكاميرا» ونظرت إليها بازدراء أمام حائطٍ مسدود!

بُنية الحاسوب ومهامه

تُعدّ عبارة «التصميم بوساطة الحاسوب» من أكثر العبارات تداولاً في حياتنا المعاصرة، وتعني برمجيات من أجل تصميم وتطوير مُنتَج أو اختباره أو محاكاته لمُنتَجٍ آخر، ويتألف نظام هذا التصميم من معالج ذاكرة مركزيّة من أجل تنفيذ البرامج وإجراء التحاليل، إضافةً إلى نظام بياني لإنشاء الرسوميّة وتعديلها على الشاشة وحفظها، كما توجد وحدات محيطة لإدخال المعلومات، وأخرى لإخراجها كالراسمة والطابعة، ويضم الحاسوب عادةً مكتبات من أجل تسهيل عمليات الإدخال والتصميم. فقد شهدت عمليات التصميم بوساطة الحاسوب تغيرات عديدة، وهي مفتوحة على المزيد من الإضافات والتطورات، ويعود الفضل في وضع مبدأ التصميم إلى أعمال كونز Coons في عام 1958 التي اقترح فيها الانتقال من الأداة المُبرمجة آلياً إلى برامج تصميم تتضمن وظائف بيانيّة تفاعليّة. أما أول إشهار رسمي للتصميم بوساطة الحاسوب، فيعود إلى مؤتمر «سبرينغ جوينت» الذي نظّمه الاتحاد الأمريكي لجمعية معالجة المعلومات عام 1963. كما شهدت برمجيات الرسم بوساطة الحاسوب تطوراً مذهلاً، خاصة مع انتشار الحواسيب الشخصيّة، وتُعدّ الحزمة البرامجيّة (أوتوكاد AUTO CAD) التي طوّرتها شركة أوتوديسك الحزمة البرامجيّة المفضلة منذ انطلاقتها عام 1982. كما يمكن بوساطة الحاسوب تنفيذ رسم صناعي ثلاثي الأبعاد، والقيام بتصميم المنشآت المعدنيّة، والتصميم المعماري، وتصميم خدمات الأبنيّة، وتصميم الدارات الإلكترونيّة، ومع ذلك يعتقد العلماء أنّ هذه الأنظمة لم تحل بعد كل احتياجات المصمم في عمله، لذلك تُجرى (هذه الأيام) أبحاثٌ مكثفةٌ لإيجاد تقانات معونة حاسوبيّة أكثر تطوراً وشمولاً، من بينها إدخال الذكاء الصُنعي في التصميم، والنمذجة الوسيطيّة والمتغيّرة، والنمذجة القائمة على الميزات وأنظمة المعلومات التصميميّة.

الحاسوب والفنون

من أكثر الفنون البصريّة التي استفادت من الحاسوب هي فنون التصميم الغرافيكي و«الملتيميديا»، لاسيّما فنون الإخراج الصحفي والإعلان والتلفاز والسينما، وبعض أجناس الفن التشكيلي التقليديّة كالرسم والتصوير والحفر المطبوع والنحت، إضافةً إلى الخط، فقد بات هذا الجهاز الوسيلة الرئيسة في إخراج الصحف والمجلات والكتب، وتصميم الملصقات والإعلانات الثابتة والمتحركة والرسم التوضيحي والشعارات متعددة المهام، وأصبح المصدر الأبرز والأهم للمعلومات والأخبار والصور والحروف والخطوط والوثائق وغيرها.
من جانبٍ آخر، أنهى الحاسوب دور الخطاطين في وسائل الإعلام والإعلان والفنون البصريّة عموماً، فبعد أن كان الخطاطون قبله يركضون مع عجلة الطباعة، ويتبارون في تجويد خطوطهم فوق أغلفة الكتب وصفحات المجلات والصحف والملصقات ومقدمات المسلسلات التلفزيونيّة والأفلام السينمائيّة و«كروت» الزيارة و«الآرمات»، انكفؤوا إلى محترفاتهم يبحثون ويجرّبون ويطوّرون في بُنية خطوطهم، منتجين لوحاتٍ خطيّةً تحتضن آيةً قرآنيّةً أو حكمةً أو قولاً مأثوراً، ما زال لها راغبٌ ومريدٌ، أو يُنتجون لوحاتٍ حروفيّةً تتماهى فيها أطياف من الخط العربي والفن التشكيلي، إذ إنّ هذه الفئة من الخطاطين المسكونين بشخصية فنان، رأوا أنّ الحاسوب قدّم لهم خدمةً كبيرةً بإبعادهم عن عجلة الطباعة التي كانت تستهلك وقتهم وجهدهم، حيث بات لديهم الوقت الكافي للتفرغ للبحث والتجريب الفني، واستنهاض القدرات التشكيليّة والتعبيريّة والجماليّة الكامنة في بُنية الخطوط العربيّة، وإيداعها لوحاتٍ فنيّةً راقيةً فيها الكثير من الإبداع والابتكار والجدّة، أما فئة الخطاطين الحرفيين فقد أخذتهم المقاهي والنوادي والجمعيات!.

الجانب السلبي

بالمقابل، اكتشف الخطاطون الغيورون على نِسب وقِيم وموازين وجماليات الخط العربي الأصيلة، والتي أودعها فيه الآباء والأجداد، وحافظت عليه الأجيال المتلاحقة، أنّ الخطوط التي تُنفذ بوساطة أجهزة الحواسيب حطّمت نِسب الحروف الذهبيّة، وخرجت عن قواعدها المتوارثة، وأساءت إلى توازنها وتناسقها وفنيّتها وجمالياتها.. هذه الحروف التي قال عنها محي الدين بن عربي إنها أمةٌ من الأمم.
يعود السبب في هذه المعضلة، التي لم يعد بالإمكان حلّها «بعد قيام الحواسيب والموبايلات وبقية الأجهزة الذكيّة بتعميمها ونشرها بين قطاعٍ واسعٍ من الشعوب العربيّة والإسلاميّة»، إلى أنّ مُصممي الخطوط الحاسوبيّة لم يكونوا عرباً، ولا عِلم لهم بالأبعاد الاجتماعيّة والدلالات الروحيّة للحروف العربيّة، حيث إن أغلبهم كان من الهنود والفرس والهولنديين، ولم يتدخل أيّ عربي واحد لتصميم حروف أمته حاسوبياً. أما بالنسبة للفنون التشكيليّة، فقد أسعف الحاسوب الكثير من الفنانين والمصممين الغرافيكيين بالحصول على نصوصٍ بصريّةٍ مُدهشةٍ تتمتع بمقومات وخصائص العمل الفني التقليدي، بل تبزّه دقةً في الشكل، وجمالاً في الألوان، وانسجاماً في العناصر، وتوافقاً في المفردات، لكنها باردة في الإيحاء والتعبير، لأنّ جهاز الحاسوب الآلي، الأصم والبارد، يقف حائلاً بين الفنان وبين نقل أحاسيسه وانفعالاته وتفاعلاته العاطفيّة مع الموضوع الذي يعالجه إلى عمله الفني، على عكس ما تقوم به الوسائط والوسائل التقليديّة، الخاضعة كلياً لسيطرته، والمتمكن من خصائصها وأسرارها، والخبير بقدراتها وإمكاناتها، والقادر على قيادتها وتسخيرها لاحتضان حالته الشعوريّة الآنيّة على اختلاف ماهيتها، ونقلها إلى أصابعه، ومن ثم إلى أدوات ووسائط تعبيره، وسطوح حمولات منجزه البصري، ودهاليز كواليسه، وأحفورات بُنيته، وهي بكامل تجلّيها وتوهّجها وطزاجتها ودفئها.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock