إصدارات جهينةثقافة وفنون

الدولة الوطنية السورية والحرب على الإرهابلـــ توفيق المديني

 

يأتي الكتاب الجديد للباحث د. توفيق المديني، والذي يحمل عنوان «الدولة الوطنية السورية والحرب على الإرهاب»، في سياق تأصيل الوقائع وتعميق الرؤى في الأهداف البعيدة والقريبة للحرب على سورية، من خلال منهجية القراءة وتعدّد مستوياتها وإطارها المعرفي الذي يشكّل رافعةً لتأهيل الوعي بحقائق ناجزة تشكل العودة إليها والتأسيس عليها منطلقات لقراءةٍ مختلفةٍ في سياق التاريخ الذي يعني جدوى هذه المقاربة انطلاقاً من «قراءة الأزمة في صيرورة نشوئها وتشكّلها وتبلورها وتشخيص نتائجها بصورة أكثر اتساقاً مع التاريخ كصيرورة حيّة».

كما يرى الباحث –المديني- أن الأزمة التي تعيشها سورية، ليست وليدة تلك اللحظة التاريخية فحسب، بل تعود جذورها التاريخية إلى مرحلة سابقة، حيث تزايدت الضغوط الأميركية على سورية منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لافتاً في هذا السياق إلى أن «الاستراتيجية الأوروأطلسية والصهيونية والخليجية والتركية تركزت على تقسيم الدولة الوطنية السورية، وإعادة إنتاج خريطة «وستفالية» جديدة في المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية»، لكن وبعد «مضي سبع سنوات من الحرب الإرهابية الكونية على سورية، ظلّ الثابت هو الانتصار الذي حققته الدولة الوطنية السورية على الإرهاب، إذ سيكون له ما بعده في تحديد مستقبل سورية وإقليم الشرق الأوسط بأسره، وسيضعف موقع الدول الإمبريالية والدول الخليجية التي أشعلت الحروب وموّلتها وسلّحت مقاتليها».

ويشكّل الكتاب بقيمته المضافة، وفي إطار مقاربته الموضوعية لخلفيات الحرب على سورية، واحداً من الكتب القليلة المهمّة في هذا الاتجاه اعتماداً على أساس البحث والتوثيق الأكاديمي للأسباب والسياقات التاريخية، من دون أن تغفل أثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية، كما انكشاف استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية خلال العقد الأخير من القرن الماضي وبدايات هذا القرن، التي تقوم على إعادة الهندسة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط عبر انتهاج سياسة التفكيك والتفتيت للدول الوطنية العربية في الإقليم لإنتاج نموذجٍ للتغيير السياسي في المنطقة انطلاقاً من العراق، إذ إن ما تؤكده الدراسة في هذا المجال هو أن إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية مرهونة باستثمار هذه الدولة الوطنية في العروبة بوصفها الخيار الأيديولوجي والمشروع الثقافي للأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، والهوية الثقافية المميزة للعرب عن غيرهم من الأمم والشعوب، والهوية السياسية المؤسّسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي عبر تبنّي المفاهيم القائمة على التعددية الفكرية والسياسية وفكرة المواطنة وبناء دولة القانون، أي دولة المؤسسات الدستورية وإعادة تثمين الوطنية المحلية الدستورية، وتأكيد مرجعية احترام حقوق الإنسان والحريات الشخصية والاعتقادية والديمقراطية والعلمانية.

ويعدّ الكتابُ في فصوله الثمانية عشر بمرجعياته التوثيقية والمعرفية، مبحثاً جدياً يقرأ في دلالة وجود الدولة الوطنية السورية وتأكيدها عبر الأسس والمعطيات التاريخية، وبدلالة الحرب على الإرهاب التي استدعت مفاهيم التأصيل والتجذير للمفهوم الوطني والقومي وجدلية العلاقة بينهما، كما مستقبل العروبة وتبنّي مسائل العصر الحديث، إذ يقول الباحث المديني في هذا السياق: «إذا أرادت العروبة أن تكون الخيار الأيديولوجي والمشروع الثقافي للأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، والهوية الثقافية المميزة للعرب عن غيرهم من الأمم والشعوب، والهوية السياسية المؤسّسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي، فعلى العروبة أن تتبنى مفاهيم التعددية الفكرية والسياسية والمواطنة، كما أن الاستثمار في العروبة مقترن بروح العصر، ويقتضي الإيمان بأن الإسلام المستنير يحتاج وعاءً قومياً يحمله»، ذلك أن الحداثة الأصيلة العالمية مرتبطة بثقافة محلية عميقة وفاعلة، كما يقول الباحث في بحثه العميق والتأصيلي والمنفتح على متغيرات العصر، والمعزّز للثوابت الوطنية والقومية في مواجهة التحديات والاستحقاقات الكبرى، وفي سبيل الدفاع عن الهوية الوطنية بالعقل العلمي وبمنهجية علمية استقرائية تنهض بالوسائل والأدوات لمقاربة ما يتعرض له الوطن من مخاطر كثيرة.

 

  • الدولة الوطنية السورية والحرب على الإرهاب
  • الدكتور توفيق المديني
  • الهيئة العامة السورية للكتاب- دمشق 2018
العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock