إصدارات جهينةزوايا

الرهان على المجتمع المحلي بقلم محمد الخضر

 

 

بقلم محمد الخضر

نكاد لا نخرج من أزمةٍ معيشيةٍ إلا وندخل في أخرى، إذ إنّ جزءاً كبيراً من اهتمامات المواطن السوري انحصر، منذ فترة ليست بالطويلة، في تأمين مشتقات الطاقة بدءاً بالكهرباء والمازوت والغاز وأخيراً البنزين، وتمثّل الجزء الآخر في الشكوى من الغلاء وتردّي الرواتب وارتفاع أسعار الإيجارات وأقساط المدارس والنقل.. إلخ.

مفرزات ثماني سنوات من الحرب دخلت كل تفصيلٍ معيشي بصرف النظر عن ملاحظات مهمّة وذات مصداقيةٍ كبيرةٍ عن تقصير حكومي أو في المستويات التنفيذية الأدنى حتى مستوى موظفي البلديات والدوائر الخدمية الأصغر، لكن الاتكاء على تحميل الحكومة كل تلك التبعات، وإن كان سهلاً في الفضاء الإلكتروني، لا يبدو دقيقاً إطلاقاً، استناداً إلى حجم ما خلّفته الحرب من دمارٍ هائلٍ في البنى التحتية والقطاعات المُنتجة ومنازل الأهالي، وإلى انتقال الحرب بصورةٍ تدريجيةٍ من ميدان القتال إلى عقوبات وحصار أمريكي على الاقتصاد السوري بكل مكوناته، حيث تشير أرقام اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا) إلى أن حجم الدمار بسبب الحرب في سورية يصل إلى 388 مليار دولار، وهي أرقام تزيد على تقدير المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا لتكلفة إعادة الإعمار البالغة 250 مليار دولار، وتبدو أقلّ بكثير عن تقديرات رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية سيرغي كاتيرين عندما قدّر تكلفة إعادة الإعمار بما بين 200  و500 مليار دولار. وربما لا تعني المواطن هذه الأرقام الفلكية بقدر ما تعنيه معيشته اليومية، بدءاً من إصلاح منزله المدمّر وتأمين أبسط متطلبات العيش الكريم من مياه وكهرباء واتصالات ومواصلات.. وصولاً إلى صور الدمار القاسية حتى اللحظة في الأرياف المحيطة بالعاصمة، مثلاً، لكن تقابلها صور عن إرادة الاستمرار والنهوض بإمكانات أقلّ من بسيطة مكّنت من عودة الحياة إليها، إذ إن مئات الآلاف عادوا إلى بيوتهم وأحيائهم في الغوطة الشرقية ومضايا وبقين وجيرود ويبرود، والحال تنطبقُ على ريفي درعا والقنيطرة.

لم تنتظر آلاف العائلات من يرمّم لها منازلها وهو انتظار باهظ التكاليف على استقرارها وتكبّدها فواتير الإيجارات على الأقل، والحال تنطبق أيضاً بدرجةٍ كبيرةٍ على حرفيين وصناعيين أعادوا تشغيل أكثر من 75 ألف منشأة متوسطة وصغيرة خصوصاً في حلب وريف دمشق وحماة، ولم تغب الحكومة عن هذه الحركة التي تصدّى لها المجتمع الأهلي، فقد أمّنت الكهرباء والمياه، وهيأت المدارس، ورمّمت ما يمكن من الطرق، وتكفل الأهالي بما يتعلق بداخل منازلهم.

لم يكن خياراً أو ترفاً الاعتماد على الإمكانات الذاتية بقدر ما كان طريقةً وحيدةً أمام الأهالي للعودة إلى تلك المناطق التي عاث المسلحون فيها خراباً، وربما في قادم الأيام تجد هذه التجارب المشرقة بلورةً وتنظيماً أوسع باتجاه الانتقال إلى أدوارٍ فاعلةٍ للمقتدرين ورجال الأعمال وأصحاب الخبرات على إطلاق مبادرات خدمية متنوعة دعماً للمجتمعات التي ينتمون إليها، والباب يبدو واسعاً بانتظار خطوات تشجعهم، وتفتح المجال أمام مثل تلك المبادرات الجدّية بعيداً عن الاستعراض وجني المكاسب! ولاسيما أنه لدى المجتمع السوري تجربة رائدة في دير عطية في القلمون الشرقي من الضروري الاستفادة منها، وهذه التجربة لم تأتِ نتيجة الحرب بل سبقتها بعقودٍ طويلةٍ من الزمن في ظلّ وعي مجتمعي محلي وتواصل مع قوة اغترابية ثريّة، والنتيجة مشروعات ضخمة من تأمين مياه الشرب والتشجير ومعالجة الصرف الصحي وتشييد قصر الثقافة ودُور المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة وحتى مشروع النظافة الجماعي.

المشوار طويلٌ بالتأكيد، لكن لابدّ من البدء ولو بخطوات تجترح حلولاً لم نعتدها تخرج عن إطار المعالجات التقليدية، لأن انتظار إعادة الإعمار كعنوان برّاق بات مادةً لاستنزاف السوريين حتى في لقمة عيشهم ودوائهم وتعليمهم!.

*إعلامي سوري

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock