آخر الأخبارإصدارات جهينةالافتتاحية

الشّبابُ.. خطوتنا الأولى بقلم: فاديا جبريل

ما الذي قدّمناه أو سنقدّمه لشبابنا، وهُم الشريحةُ الأكبر في مجتمعنا السوري، الذي يُصنّف على أنه مجتمعٌ فتيٌّ؟ سؤالٌ نردّده ويراودنا جميعاً مؤسساتٍ حكوميةً وتجمعاتٍ أهليةً، ونحن نتابعُ الكثير من المشروعات والخطط التي تدعو إلى الاستفادة من قوتهم وتوظيفها واستثمارها بالشكل الأمثل.

الإجابة واضحةٌ لكنها مؤسفةٌ بالتأكيد، لأنّ أيّ نظرةٍ فعليةٍ لواقعهم وبحثٍ في ما يسعون لتحقيقه على المستوى الفردي أو الجماعي، ستكشفُ مدى عشوائية المشروعات وعقمِها وتواضعِ الخطط آنفة الذكر ومحدوديتها، والتي لم تُوضع موضعَ التنفيذ أو تسير على سكة الأمان، بما يُشعرُ هؤلاء الشباب بأننا حقاً مؤمنون بهم، ونسعى لترجمة ما يحلمون به، ويمكن أن يُوصلهم إلى المستقبل المنشود.

طوالَ عقودٍ مضتْ، رفعتْ وزاراتنا ودوائرنا الحكومية وبعض التجمّعات الشعبية والأهلية الخاصّة شعاراتٍ وتبنّت دعواتٍ، ولاسيما خلال سنوات الحرب الأخيرة، لو قُيّضَ لها أن تُنفّذَ لكانَ واقع شبابنا (اليوم) بغير ما هو عليه من نسبٍ كبيرةٍ في العاطلين عن العمل، والمهاجرين خارج البلاد وهُم من الكفاءات العلمية والعملية المشهود لها بالإبداع والعطاء اللا محدود، ومثلهم من المُهمّشين الذين لا هدفَ ولا مستقبلَ لهم، إنْ كان في التحصيل العلمي أو برغبة دخول سوق العمل، بل إنّ كثيراً منهم انكفأ وانطوى على نفسه وفقَدَ الأمل بالمستقبل! والسؤال الملحّ والأهمّ (اليوم)، ليس ما نكرّره في مجالسنا واجتماعاتنا «ما الذي قدّمناه أو سنقدّمه لشبابنا؟!»، إنما ينبغي أن نقول: كيف نُعيد لهؤلاء الشباب ثقتهم بالمستقبل؟.

إنّ مَنْ تابعَ حركة الشباب السوري وحشودهم، وخاصةً خلال سنوات الحرب، سيلمسُ تلك الاندفاعة المحلومة التي قصّرنا كثيراً في استيعابها وتوظيفها في مكانها الصحيح، وسيتأسفُ على آلاف الفرص الضائعة والطاقات المهدورة والإمكانات والطموحات الجبّارة المغمورة، فهل ثمّة من أحدٍ ينكرُ صورة آلاف الشبان الذين انبروا إلى الالتحاق بالقوات المسلحة للدفاع عن وطنهم في محنته منذ الأيام الأولى للحرب؟ أو هل يمكن أن تغيب عن ذاكرته وجوهُ فتياتٍ بعمر الورود وقفنَ في الخندق نفسه مع رجال الجيش العربي السوري بلباسهن العسكري وسلاحهن الميداني، «وثّقت “جهينة” ذلك في فيلم خاص»، جنباً إلى جنب مع مئات الآلاف من الطلبة في مدارسهم وجامعاتهم، بيدٍ يحملون الكتاب وباليد الأخرى يوزّعون المساعدات على الأسر المهجّرة والمُحتاجة، فضلاً عن مئات المتطوعين لتنفيذ حملاتٍ أهليةٍ في الإسعاف والدعم النفسي والمبادرات الاجتماعية، والترميم ورفع الركام والدمار والأنقاض في المناطق والمدن المُحرّرة، ما يعني أنّ هؤلاء جميعاً يؤمنون بأن مستقبلهم مرتبطٌ عضوياً بمستقبل وطنهم الذي ضحّوا ويضحّون من أجله.

كلُّ ما كنّا نحتاجه –كصنّاع قرار- في هذه المرحلة الصعبة والمفصلية من تاريخ سورية المعاصر أن نُحكّم ضمائرنا ونحفّز غيرتنا الوطنية، وتكون مشروعاتنا وخططنا صادقةً وإستراتيجيةً وبعيدة الأهداف ومحسوبة النتائج، لرفع الغبُن الذي تعرّض له شبابنا خلال العقود الماضية. ولو عَلِمنا يقيناً كم هو حجم الكفاءات والعقول المُبدعة التي تحلمُ بأن تأخذ فرصتها الحقيقية للمُساهمة في بناء الوطن وتعضيد عوامل صموده وشدّ مكامن قوته، لسعينا بكلّ ما نملك حتى نقترب أكثر من هذه الكفاءات والعقول، ونجزم بأنّ النوايا وحدها في هذا المضمار المُهمّ لا تكفي، ولا تعيدُ ثقة هؤلاء الشباب بالمستقبل.

إنّ ما يعيدُ لهم الثقة، باعتقادنا، هو أن يكونوا هم أنفسهم صنّاع المستقبل، يرسمون ملامحه ويتصدّرون واجهة القاطرة التي تقود إليه، وفي الوقت نفسه يشغلون المؤسسات والدوائر التي ستحدّد شكل هذا المستقبل وآفاقه، وما علينا نحن فقط إلا أن نزرع الأمل ونسقيه بخبرتنا ومعرفتنا وعلومنا المُكتسبة، ونُنحّي كل المعوّقات التي أنبتها الفساد واللا مسؤولية وعدم الرغبة بالتجدّد والتجديد، ونلبّي مطالبهم المُحقة بإحداث وزارةٍ للشباب تتنكّبُ وحدها كلّ الأعباء التي تذرّع بها البعض طوال العقود الماضية. فلنبدأ بالخطوة الأولى في هذه المرحلة الصعبة بالذات، ولنعمل بصدقٍ ليكون الكلام والتوجّه حقيقياً بأنّ الشباب هُم عمادُ المستقبل، ولنجدّد بهم ومن خلالهم مفاصل إداراتنا التي نحلمُ بأن تنقلنا إلى واقعٍ أكثر أماناً وعطاءً وانتماءً، ولنتذكّر دائماً بأنّ مستقبل الوطن يصنعه شبابه.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock