آخر الأخبارإصدارات جهينةتحقيقات

الفساد والفشل.. ثنائي صناعة الإدارات في مؤسساتنا العامة.. العشوائية بالتعيينات الإدارية لمصلحة مَنْ؟!

جهينة- وائل حفيان:

الرضا هو مفتاح الدخول إلى جنة المنصب، رضا حلقات الفساد الإداري التي تستبدل واجهاتها كما يستبدل المدير ربطات العنق، فما إن يستقر المدير نفسه على كرسيه حتى يبدأ توزيع الحصص على مُشغليه، وكلامنا هذا ليس للتعميم. إذ في أزمتنا الراهنة غلبت الفوضى والعشوائية على معظم التعيينات الإدارية في مؤسساتنا العامة، وتم وأد ومحاربة كل مجهود إداري يمكن أن يقدم إضافةً جديدةً أو مبادرة من شأنها التعويض عمّا فُقد من خطط سعت للارتقاء بالعمل الإداري والانتقال به إلى الإنتاج الجاد واستثمار رأس المال البشري لتطوير هذه المؤسسات، فضلاً عن وجود معهد للتنمية الإدارية منذ سنين طويلة ولكن مشروعات طلابه بقيت حبيسة الأدراج، لأن ربط الجامعة بالمجتمع يبدو أنه بات مجرد شعار وحبر على ورق، علماً أنه من المفروض أن تقوم وزارة التنمية الإدارية بإبرام اتفاقية مع المعهد للاستفادة من كوادره وطلابه ومشروعاته، فقد أصبح هذا النهج المتفاقم الشغل الشاغل على المستوى العام، تدلّ عليه الخطط الإدارية الفاشلة أو البطيئة ومحدودة النجاح، لأننا لم نبحث عن مكامن الخلل، بل تُهنا في التفاصيل ونحّينا الأصل جانباً، حيث يجب التركيز على اختيار المديرين العامّين الأكفاء في المؤسسات درءاً وتجنباً لما يتسبب به بعض المديرين من هدر للموارد تحت يافطة المصلحة العامة، واستناداً إلى الصلاحيات الاستثنائية، وأحياناً في إطار فساد «مُقونن».

عصيّون على التغيير!

مع كلّ مناسبة تؤكد فيها الحكومة على ضبط الإنفاق وترشيد المصاريف، يقفز إلى الذهن التساؤل الملحّ دائماً: لماذا لا تشمل التأكيدات ترشيداً في المديرين العامّين العصيّين على التغيير، ففي حين نرى عشرات الوزارات تتشكّل وتحلّ، ووزراء كثر يشغلون المناصب ومن ثم يرحلون، نفاجأ بأن بعض المديرين ظلوا في أماكنهم لا يتزحزحون ولا يتغيرون؟! ولعلّ الأخطر في الموضوع أن نستعدّ لدخول مرحلة إعادة الإعمار بالأدوات والأذرع التنفيذية نفسها التي أثبتت قبل الأزمة فشلاً ذريعاً، بينما المرحلة القادمة، إن أريد لها النجاح، تتطلب وضع معايير جديدة لانتقاء مديرين عامّين لا يكون لسان حالهم التوسلات والرشاوى والرغبة المحمومة بالبقاء في المنصب إلى ما لا نهاية.. «جهينة» أعدّت هذا التحقيق والتقت العديد من الأكاديميين والخبراء في الإدارة العامة لتحليل هذه المشكلة واقتراح الحلول لها ودور وزارة التنمية الإدارية في وضع هذه الحلول موضع التنفيذ فكانت الآراء وطريقة وآليات الإصلاح متقاربة، وأوجزناها في التالي:

لا ربط مع الجهات العامة

الدكتور عصام حيدر عميد المعهد العالي للتنمية الإدارية، قال: إن علاقة المعهد ببرنامج الإصلاح الإداري الذي أطلقته الحكومة هي علاقة وثيقة من حيث الكوادر التي يتمّ تخريجها، وهي كوادر متخصصة في مجال الإدارة، وتمثّل أشخاصاً من فريق العمل الذي يُعتمد عليه من قبل وزارة التنمية الإدارية وإدارات المؤسسات الأخرى، مشيراً إلى أنه لا يوجد اتفاق من جهة معينة بين المعهد ووزارة التنمية الإدارية ولم يطرح أي اتفاق حتى الآن.
وبالنسبة لشعار ربط الجامعة بالمجتمع، أضاف حيدر: المعهد يرحب بأي تعاون مع الجهات العامة من خلال عمل الطالب بمشروع تخرّج وإقامة دراسة ميدانية في إحدى المؤسسات، إضافة إلى أن أي خريج بمجالات ماجستير تأهيل وتخصُّص هو مُطالب بعمل «استاج» لمدة شهرين وهذه «الاستاجات» يتم بها الربط بين المعهد والمؤسسات الأخرى، أما بالنسبة للربط مع وزارة التنمية الإدارية فلم يتم حتى الآن، نحن كمؤسسة تعليمية لا نستطيع أن نبادر، بل تكون المبادرة من وزارة التنمية الإدارية.

أبحاث حبيسة الأدراج

وعن أبحاث الطلاب التي يقومون بها حول الهيكلية الإدارية، قال حيدر: أبحاث الطلاب عند تخرجهم يتمّ الاحتفاظ بها من كل جهة، ومحفوظة في مكتبات المعهد ويمكن الاستفادة منها كمرجع للطلاب، مبيناً أن إدارة المعهد قدمت خطة لتطويره وتحويله إلى كلية علوم إدارية، وقد تمّ تقديم مقترح متكامل بكل التعديلات اللازمة، لأنه لا توجد في جامعة دمشق كلية متخصصة في الإدارة غير قسم الإدارة في كلية الاقتصاد، بينما الجامعات الخاصة كل جامعة لها كلية متخصصة في الإدارة، وللأسف لم تكن هذه الخطة ضمن الأولويات حيث تم إغفال هذا الموضوع، فالمسؤول عن هذا هو وزارة التعليم العالي التي لم تدعم مشروع التحويل. وأضاف حيدر: إن نسبة الدراسة لطلاب المعهد الإداري قليلة، علماً أن الراغبين بالتقدم والدراسة أعدادهم كبيرة لكن نحن نتقيد بعدد القبول بسبب طبيعة البناء، ويتم قبول ماجستير التأهيل والتخصص بمعدل عشرين شخصاً لبرنامج واحد وثمانين لكل برنامج، إضافة إلى مقاعد «الموازي والمفتوح» ويصل العدد إلى مئة، بينما الماجستير الأكاديمي فيؤخذ سبعة طلاب للبرنامج الواحد فقط، ويحكم على هذا الأمر القاعات والقدرة الإشرافية.

تهميش للأبحاث

وأكد حيدر أنه لا يوجد أي دعوات أو اتفاق حتى الآن مع وزارة التنمية الإدارية التي لا تقوم بحضور مناقشات رسائل الماجستير، لأن المعهد يضع إعلانات المناقشة على موقعه الإلكتروني ويعتبر وثيقة رسمية لنقل الخبر للمجتمع، مضيفاً: بدأت التنمية الإدارية في سورية بفكرة طرحت من دون عمل ميداني على أرض الواقع، وللأسف ليس هناك تعاون بإشراك الجامعة مع المتخصصين في مجال الإدارة وإدارة الموارد البشرية، ولا أستطيع أن أجزم السبب بشكل كامل، ولكن قد يكون عدم الرغبة بالتعاون مع الأكاديميين.

نقص عدد الكوادر

وبيّن حيدر أن هناك نقصاً في عدد كوادر المؤسسات الحكومية، وأغلب المديرين غير مؤهلين لشغل مناصبهم، وكمثال نرى أن مدير المناهج في وزارة التربية هو خريج طب بيطري وليس مناسباً للمنصب بما يكفي، صحيح أن هناك فريق عمل ينسق معه، لكن بغض النظر عن تخصصه ومهاراته ليس من الضروري أن يكون هو الشخص المناسب، ومن الخطأ أن يتمّ تسليمه منصب مدير للمناهج.
وتابع حيدر: نحن كجهة علمية أكاديمية يمكننا وضع خطة لإلغاء الفوضى العشوائية في تعيين الإدارات من خلال تأهيل الكادر الإداري، ولكننا لسنا جهة تنفيذية لاستلام هذا الموضوع إلا إذا دُعينا إلى هذا، مبيناً أن الإعلام له دور أساسي في تطبيق برنامج التنمية لنشر الثقافة وتقبل فكرة التنمية والإصلاح الإداري ونشر المعلومات عن الفساد وأسبابه وتطوره.

غياب التخصص

أما الدكتور سامر مصطفى، الأستاذ في قسم الإدارة بكلية الاقتصاد، فيرى أن الواقع مؤسف في معظم الإدارات بالوزارات والمؤسسات التابعة لها، فهي بعيدة عن تطبيق أبسط المبادئ الإدارية، ونعني بذلك التخصص، مبيناً أن التخصص للكادر الإداري مهم جداً، فهو يساعد على تنمية المؤسسات، وفي ظل غيابه كيف نطلب من الإدارة أن تكون ناجحة بالوقت نفسه في نشاطها، وطبعاً هذا لا يعني أن هناك أفراداً غير متخصصين في الإدارة ناجحون في مؤسساتهم، وكذلك لا يعني أن هناك أفراداً متخصصين في الإدارة فشلوا في إدارة بعض المؤسسات، ولكن هذا يعدّ استثناء، فالقاعدة هي أن نعتمد على المتخصصين مهما كانت النتائج، وكما يقول المثل العامي «أعطي الخبز للخباز ولو أكل نصفه»، خاصة أن الخبرة التراكمية المكتسبة في الإدارة للمتخصصين فيها هي المطلوبة في مؤسساتنا وشركاتنا.

قياس الأداء

بدوره خبير الإدارة العامة عبد الرحمن تيشوري قال: إن أهم جزء من وظيفة الحكومة هو خدمة المواطنين، والحكومة التي تقصّر في حل مشكلات الناس تفقد مشروعيتها، مضيفاً: يأتي قياس الأداء في المرتبة الأولى قبل التخطيط لأنه يقاوم ميل المديرين للروتين، مهمة المدير الحكومي الناجح تحويل السياسات إلى ممارسات وأفعال وحلول لمشكلات المواطنين.
وتابع تيشوري: بما أن مفاهيم الإصلاح الإداري تشكل تعبيراً تنظيمياً غايته الأساسية توفير الأدوات والأساليب الكفيلة بمعالجة مشكلات الإدارة الطارئة منها والمزمنة بتناغم وانسجام مع متطلبات تحقيق أهداف سياسة الدولة العامة بأعلى كفاءة ممكنة، فإن ذلك يعني أن استراتيجية الإدارة المعاصرة تقوم على مبدأ الاستمرار في إدخال التعديلات وتحديث الطرق والتقانات والأساليب المتطورة في عمل أجهزة الإدارة العامة وهياكلها المختلفة، مما يعكس ثقافة إدارية حديثة تعتمد على التجريبية والبراغماتية، حيث لا توجد حقائق مطلقة في العملية الإدارية، بل هناك مجموعة لا متناهية من الافتراضات التي يجب إخضاعها باستمرار للاختبار لبيان مدى مواءمتها وفاعليتها وصحتها في التطبيق الميداني. وهذا يعني أن الفكر الإداري المعاصر يقوم على مبدأ التجربة والخطأ، لذا فإن أي برنامج للإصلاح الإداري في سورية يجب أن يكون خاضعاً للتجربة والتقويم من خلال مختلف الفعاليات السياسية والتشريعية والتنفيذية والمنظمات غير الحكومية.
وأشار تيشوري إلى أهم قاعدة للانطلاق ببرنامج الإصلاح الإداري في سورية يجب أن تنبثق من توفير الدعم والرعاية السياسية المطلوبة من السيد رئيس الجمهورية لبرنامج الإصلاح الإداري الشامل لجميع عناصر المنظومة الإدارية، وتكوين جهاز إداري هيكلي متخصص بدراسة ومتابعة مسائل التطوير والإصلاح الإداري، واعتماد برنامج الإصلاح المقترح على الرؤية الحالية والمستقبلية لدور الدولة في ظل المتغيرات الحاصلة عربياً ودولياً، والانطلاق في عملية الإصلاح من قمة الهرم الإداري الحكومي باتجاه المستويات الوسطى والدنيا للإدارة.

مسؤولية الجميع

وأوضح تيشوري أن عملية الإصلاح الإداري وإعداد وتنفيذ برنامجها هي مسؤولية الجميع دون استثناء، وبالتالي فإن جميع الوزارات والهيئات يجب أن تكون معنيةً بصياغة وتصميم هذا البرنامج ومتابعة تنفيذه ومراقبته. كما لابد أن يتناول برنامج الإصلاح الإداري آليات التعامل مع أسباب الأمراض الإدارية المنتشرة، كالفساد وتراجع مستوى الخدمات وارتفاع تكاليفها وسيطرة الروتين والإجراءات المعقّدة والواسطات والمحسوبيات وغير ذلك، مبيّناً أن المشروع الوطني للإصلاح الإداري (2017- 2019) يقدم إطاراً لعملية تطوير إداري واقتصادي واجتماعي طموحة، ويشدد على ضرورة وجود التفاعل الوثيق بين عمليات الإصلاح المزدوج في المجالين الاقتصادي والإداري في سورية الجديدة المتجددة.

المشروع الجديد

أضاف تيشوري: يطرح المشروع الجديد طموحاً استثنائياً كبيراً في شموله بعد تأطيره بالقانون رقم 28، فقد تم تحديد أكثر من 10 من المبادرات أو السياسات أو البرامج في المحاور الخمسة الأولى وحدها من المشروع الذي يتضمن رؤى معلنة وزخماً مبرمجاً يبلغ حدّ إعادة تعريف أساسية لدور الدولة فيما يتعلق بالاقتصاد وطريقة إدارة كل شيء في سورية، وهو يدعو أحياناً إلى إعادة تحديد الصلاحيات الحكومية والوزارية والتجديد والابتكار في استخدام أدوات السياسات. ومن المحتمل أن تلامس المبادرات والاستراتيجيات كل مُواطن في الجمهورية العربية السورية تقريباً، وأن تدخل كل منزل وكل جهة عامة ومؤسسة وشركة ومدرسة وجامعة في سورية.

ظلم وإبعاد

أما بالنسبة لشعار ربط الجامعة بالمجتمع فقال تيشوري: إن هناك أسباباً عدة ظُلم خلالها خريجو المعهد، فقد عُيّن بعض الخريجين في وظائف أقلّ من الوظائف التي كانوا يشغلونها قبل التخرج في المعهد، وتم التوزيع بصورة اعتباطية من دون أي اعتبار لمعدل التخرج أو مؤهلات الخريج، وعُيّن بعضهم تحت رئاسة زملاء لهم رسبوا في مسابقة القبول في المعهد نفسه، ورفض بعض المديرين قبول نقل بعض الخريجين للعمل لديهم خوفاً وحذراً، وطلب بعض المسؤولين أعداداً من الخريجين الذين مُورست بحقهم شتى أنواع التهميش، ولم يتم منح معظم الخريجين التعويضات التي نصّ عليها مرسوم إحداث المعهد وهي 75% طبيعة عمل و7% علاوة ترفيع استثنائي (المادة 21).

غياب التدريب والتأهيل

وبين تيشوري أن إدارة المعهد الحالية تعمل بكل ما تستطيع من الشفافية والنزاهة، وأن عدم قدرة بعض المتنفذين على اختراق آلية القبول في المعهد هي سبب مهم في تكوين كل هذا العداء ضده وضد خريجيه، أضف إلى ذلك أن بعض من يشغلون مناصب عليا من دون أي تأهيل يميزهم لا يرغبون بإعطاء أي أهمية للتأهيل والتدريب لأن هذا يهدّد مواقعهم، مضيفاً: لكن ما يؤسف له أن عدد المتقدمين للقبول في المعهد لهذا العام كان قليلاً للغاية، ما دفع إدارة المعهد لتمديد مهلة التقديم أكثر من مرة، وهو ما يسعى إليه مقاومو التطوير الذين يطمحون لتحويل هذا المعهد إلى مجرد حلقة إضافية في سلسلة الفشل التأهيلي والتعليمي كالحال التي آل إليها معهد التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أخيراً..

لا تشير البوادر حتى الآن إلى تغيير في معايير اختيار إدارات المؤسسات العامة خلال فترة الأزمة، مع أن التطلعات كانت تتجه صوب هذا المكون السلبي الذي أهدر الموارد بتعيينات سوريالية عشوائية. وعلى الرغم من إطلاق حملة لمكافحة الفساد وإحداث تغييرات إيجابية على المستوى الإداري، فإن التجاوزات والتفرد بالقرار أفرزت حالة غريبة جداً غدت مع السنوات الماضية ظاهرة شائعة في معظم المؤسسات، وهي تمسك الحكومة بمديرين عامّين فشلوا لسنوات طويلة في تحقيق أي تطوير لمؤسساتهم باستثناء بقائهم في إطار الفشل وبيع الكلام للمواطن وزيادة نسبة خسائر المؤسسات وتحميلها ما لا قدرة لها عليه، علماً أنه تم في المقلب الآخر إعفاء مُديري مؤسسات اقتصادية أثبتوا نجاحهم بجدارة ونقلوا مؤسساتهم من الخسارة إلى الربح، وأدخلوا إيرادات كبيرة إلى الخزينة العامة التي لم تشفع لهم قط بخلاف المديرين الفاشلين!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock