حوارات

الكاتبة والمترجمة لمى إسماعيل: الحرية الحقيقية حرية الروح لا الجسد

| دمشق- جهينة:

تؤمنُ بأنّ الكاتب لا يمكن أن يفصل نفسه عن شخصياته لأنه من خلالهم يعبّر عن مخزونه وأمنياته، مسكونةٌ بهاجس قيمٍ مفقودةٍ تسعى عبر الكتابة إلى تحقيقها، فتقول عن نفسها: «الكتابة بالنسبة لي هي الدواء، أنا مسكونةٌ بهاجس العدالة، وأفكر فيها كثيراً، ولطالما أزعجتني وأقلقتني، وهي تخيفني، ولهذا تجدني أحاول أن أجد طريقةً جديدةً للعدالة بطريقةٍ غريبةٍ، حتى الموت يشارك فيها».. في روايتها «على حافة الصمت» تلجأ إلى النسق الروحاني والفلسفي لشخصيات تُجدّ للبحث والوصول إلى الحقيقة، وتبتعدُ عن الوهم بطريقة روحانية غريبة جداً، وتسعى ما استطاعت إلى معالجة مشكلة الفقر والغنى بطريقة مختلفة، لنجد أن الفقير يتماهى في لحظةٍ عميقةٍ مع الغني ليصبحا شخصاً واحداً. أما في روايتها «قبل رحيل الذاكرة» فتمضي الزوجة «هناء» أيامها وهي تستعيد تاريخها كله كأنثى تعيش في هذا المكان، حيث العيب والناس كالسيف المسلّط على روحها وتصرفاتها، لتغدو حبيسة مجموعةٍ متنوعةٍ من القيم والأخلاق التي يحقُّ للرجل أن يخترقها، بل يمزّقها عندما يكون قوياً وغنياً، «هناء» التي تعجز عن حماية أبنائها والدفاع عن نفسها وحقوقها، تصبح أسيرة الخوف والعجز والتسلّط من الزوج والمجتمع، ولعلّ لغة السرد التي اعتمدتها في هذه الرواية كانت من عوامل نجاحها كإحدى أهم الروايات الاجتماعية.. إنها الكاتبة والمترجمة لمى إسماعيل التي التقتها «جهينة» في الحوار التالي للحديث عن تجربتها الأدبية في حقلي الرواية والترجمة وروايتها الأخيرة «حارس العتبة».

عشق الكلمة

بدأت مسيرة إصداراتك بترجمة روايتي «الخيميائي» و»امرأة حتى يوم آخر» قبل الروايات التي كتبتها.. إلى أي مدى أغرتك الترجمة في التأليف.. وأي المشروعين يتقدم على الآخر لديك (اليوم)؟
بدايةً.. أنا لديّ عشق للكلمة، الكلمة بكل أبعادها: شكل الحرف، الموجة التي ترسلها، المعنى والأثر الذي تتركه.. عشق الكلمة ولّد لديّ حب اللغات والتعمّق في المعاني والفروقات التي تنتجها الكلمة نفسها بلغات أخرى مختلفة، حيث إنني أثناء دراستي دبلوم الترجمة في المركز الثقافي الفرنسي تعرفت إلى أساتذة عمّقوا لديّ عشق الكلمة، وحين تتعرف إلى إنسان قدم من فرنسا إلى سورية واختار البقاء فيها فقط لأنه يعشق اللغة العربية سترى مقدار الجهد الهائل الذي يبذله والوقت الطويل الذي يستغرقه ليصل إلى مستوى من اللغة العربية نعجز نحن عنه، كانت تلك فترة رائعة من حياتي فيها تحدٍّ جميلٌ وتنافسٌ في فن الكلمات واللغات، لم تكن الترجمة مجرد دراسة بالنسبة لي بل أصبحت شغفاً ومتعةً حقيقيةً، وما يشجعك عليها أن هناك أعمالاً عالمية لا مسافة بينك وبين كاتبها، فتأسرك لتتغلغل في شخصياتها وحكايتها وأحداثها من دون أن تدري، وهذا عائد برأيي إلى كمّ التشويق الموجود فيها. وعندما قرأت رواية «الخيميائي» باللغة الفرنسية شعرت بأنها تخترقني ومن دون أي تفكير أمسكت القلم وبدأت بنقلها إلى العربية، لم أكن أشعر بأنني أترجمها، بل أعيد كتابتها، هكذا بدأت الترجمة.. رواية فرنسية هي التي اختارتني، أما (اليوم) فمرحلة التأليف تتقدم على الترجمة لأنها تحوي مساحة أكبر من الحرية، ولكنني مازلت أقوم بترجمة الكثير من الموضوعات الروحانية بغية تدريسها ونشرها لمن يرغب.

يشكو القراء والمتابعون (اليوم) من قلة الأعمال الأدبية المترجمة بل تواضع بعضها.. ما المعوقات التي تحول دون ذهاب الكثير من المترجمين نحو أعمال مهمّة وتقديمها للمكتبة العربية، وما هي المعايير التي تعتمدها لمى في ترجماتها؟
المترجم يحتاج إلى مستوى عالٍ من إتقان اللغة بالطبع، ولكنه يحتاج أيضاً إلى التماهي مع روح الكاتب الأصلي، والترجمة اختصاصات، أنا مثلاً أنجح كثيراً في ترجمة الموضوعات الروحانية والفلسفية لأنني بالأساس أتخذُ هذا المنحى في حياتي، وأعتقد أنني قد أفشل إن حاولت ترجمة موضوعات اقتصادية أو سياسية مع أنني أثناء دراسة الدبلوم كان عليّ أن أنجح في كل أنواع الترجمة، بما فيها الترجمة العلمية والطبية والسياسية، ولكل منها مفرداته الخاصة به، وقد نجحتُ بأدائها ولكن الشغف الحقيقي والتميز كان بالأمور الروحانية والفلسفية. إذ نلاحظ مثلاً أن شعر عمر الخيام بروعته وعذوبته وصل إلينا عن طريق شاعر مبدع هو أحمد رامي، لذلك نشعر عندما نقرأ «رباعيات الخيام» مثلاً بأنها كُتبت بالعربية، وأعود لأقول إن المترجم يحتاج إلى ثقافة واسعة ومعرفة بالطبيعة الإنسانية للشعوب التي يتقن لغتها حتى لا يقع في فخ الترجمة الحرفية، هناك الكثير من التعابير التي يجب البحث عن معادلٍ لها في الثقافة الاجتماعية الموازية بخفةٍ وحرفيةٍ. وببساطة على المترجم أن يُشعر القارئ بأنه يقرأ كتاباً مكتوباً باللغة الأصلية، ولا يتوقف أثناء القراءة ليسأل نفسه: تُرى ما المعنى الأصلي لهذه الجملة؟ ليس فقط الترجمة، أي عملٍ يقوم به الإنسان بطريقة الأداء الآلي من دون شغف سيفشل، وكما يقوم الممثل البارع باختراق شخصية البطل الذي يؤدي دوره والتماهي معها على المترجم اختراق شخصية الكاتب.

ميول روحانية

في روايتك الأخيرة «حارس العتبة» طغت الروحانية على خطابك السردي وملامح شخصياتك.. لماذا حارس العتبة، ثم أليس مثل هذا النوع من الكتابة مغامرةً حين يمتزج فيها ما هو فلسفي بما هو ديني صوفي؟
الميول الروحانية وُلدت معي، وهي معرفة كاملة تتمركز في الروح وفي الجسم العقلي وليس في الدماغ، فالمعرفة شيء والعلم شيء آخر وهذا هو محور العلوم الباطنية التي درستها فيما بعد، وهي بالمناسبة علم كامل معقّد وقديم جداً ولا يتناقض مع الأديان، وعلى العكس ينصهر معها ويقويها «للذين يُؤمنون بالغيب» هكذا جاء في القرآن الكريم، لأننا عندما نفهم المبادئ الأساسية الثابتة للكون نستطيع فهم الكتب السماوية بطريقة أعمق، الأمر الذي يحتاج إلى الكثير من الثقة والبعد عن مشاعر الخوف التي تتناقص مع حُب الله.. وهذه الفكرة تطرقت إليها في روايتي «حارس العتبة» الذي هو تعبيرٌ روحاني قديمٌ، هو الكائن المركّب من مخاوفنا وتجاربنا الداخلية، يظهر لنا أثناء الرحلة نحو الاستنارة متخذاً هيئةً مرعبةً ليقطع علينا الطريق حتى يمنعنا من الوصول إلى المناطق التي لسنا مؤهلين بعد للوصول إليها، ولكنه عندما يرى أننا تجاوزنا المصاعب والتجارب والاختبارات التي علينا المرور بها سينحني لنا باحترام ويفتح لنا «الباب الضيق» المفصّل تماماً على مقاسنا، وما إن نتجاوز العتبة حتى تُفتح لنا كل أبواب الحرية الحقيقية، حرية الروح لا الجسد. وبالنسبة لي لا أعتبرها مغامرةً لأنني أعرف توق الناس إلى الروحانيات، وخصوصاً في هذا التوقيت الذي طغت فيه الحروب والظلم والماديات، وأنا سعيدة جداً بتقبل الأشخاص الذين قرؤوا «حارس العتبة» وفوجئت بطريقة التحليل والفهم لها، لأنني أساساً أردتها روايةً متحركةً متغيرةً متفاعلةً مع القراء، تعطي وتأخذ منهم كأنها تمتلك روحاً.

منظومة العقل المُظلم

*رحلة «ميرفت» بطلة الرواية كانت انفصاماً روحانياً، أي مرة داخل الجسد وأخرى خارجه، إلامَ ترمزين في شخصية ميرفت، وحبذا لو حدثتنا أكثر عن طبيعة هذه الشخصية وتطورها، وكيف اكتشفت أنها شخصية حقيقية بالمصادفة؟
قصة «ميرفت» هي القصة ذاتها الطريق نحو الاستنارة، كتبتها بأسلوب حاولت فيه إدخال بعض المبادئ الأساسية للعلوم الباطنية فيها والكثير من تجاربي في هذا المضمار، وبالطبع هنالك الكثير من تفاصيل الزمان والمكان الذي نعيشه.. سورية موجودة وحاضرة في كل كلمة لأنها الخلفية التي تقبع في داخلي دائماً وأبداً، حيث إن ميرفت فتاة وُلدت من أب مسلم وأم مسيحية، ولدت في عالم الثنائيات لأن اسمها جاء مركباً من فاطمة ومريم (جدتيها)، أبوها «الأستاذ مالك» درس العلوم الباطنية في التبت وحاول كل جهده ليطبّق كل ما درسه هناك على ميرفت (الطفلة النورانية) ليجعل منها كائناً حراً لا يعرف الخوف، ولكن ميرفت عند أول مواجهة لها مع معلمة الديانة في المدرسة تحولت إلى كائن خائف، عندها طلب الأب من الوزارة تعيينه مفتشاً على المدارس لينقذ الأجيال القادمة من «منظومة العقل المظلم» وقف المدرسون في وجهه ثم فُصل من عمله، ودهسَ شاباً وهو عائد إلى المنزل فالتقى «وضاح» شرطي السير (سيأتيه الخوف على هيئة رجل)، كما تنبأت ميرفت عندما خرجت عن الجسد لأول مرة، فهي لم تتقبل التغيير الذي طرأ على والدها وعلى المنزل، لم تتقبل حالة الشتات التي وصلوا إليها (رمزية لوضعنا الذي حصل في سورية)، وقررت الخروج عن الجسد، وفي القسم الثاني من الرواية تلتقي «فجر» الذي يتزوجها زواجاً أثيرياً ويأخذها في رحلة اكتشاف الذات والوصول إلى الاستنارة التي سبق له أن قام بها، وفي هذه الرحلة تلتقي نساءً تتداخل معهن مثل لعبة «الماتروشكا» الروسية، ترفضهن في البداية ثم تتوحّد معهن، ثم تُولد من جديد وتعود. والمقولة الأهم تأتي على لسان ميرفت: في الرواية ستجدون تفاصيل ناقصة الزمان والمكان، لأن جزءاً كبيراً منها كُتِبَ أثناء الرحيل من بُعد إلى آخر، ستجدون فراغات تشابك بين خيالٍ أو وهمٍ أقوى من الواقع وحقائق ترتدي هيئة الخيال، هكذا كانت رحلتي خارج الجسد، وكتبتها بأدقّ تفاصيلها. أما لقائي مع ميرفت فكان قصة غريبة قد لا يصدّقها أحد، إذ في فترة من الزمن توقفت عن كتابة الرواية التي استمرت سبع سنوات، وكنت أمشي كعادتي في دمشق القديمة حيث أسترد أجزاء من روحي فالتقيتها في أحد الأماكن المحببة إلى روحي، تعرفتُ إليها وسألتها عن اسمها فقالت: ميرفت، فقلت لها: نفس اسم بطلة روايتي الجديدة ولكن البطلة من أمٍّ مسيحية وأبٍ مسلم. فقالت: أبي مسلم وأمي مسيحية.. تجاوزت الصدمة وأكملت قائلةً: لها جدة اسمها «مريم» وجدة اسمها «فاطمة»، فقالت بهدوء: أنا جدتي اسمها فاطمة والأخرى مريم، ثم قدمت لي هويتها الشخصية وهي تضحك.. والغريب أنني بعد هذا اللقاء استطعت إكمال الرواية.

تصادم ضروري

*في الرواية جنوحٌ نحو إدانة بعض السلطات الاجتماعية والدينية وتشريح بعض المشكلات والظواهر السلبية، هل برأيك من الضروري أن يصطدم الأدب بالمجتمع ليؤدي الدور المطلوب منه؟
هي ليست إدانةً بقدر ما هي مواجهة بين النفس البشرية والنماذج الأصلية الرمزية للبشر، هنالك مصطلح يوناني (archetypes) تحدّث عنه أفلاطون وكارل يانغ، يقصد به الرموز الموجودة في كل المجتمعات أو التجمعات البشرية بحيث تتكرر عبر التاريخ مثل: الناسك، المستبد، الشرير، البطل، المنقذ، النذل، الجبان، الشهيد، اللص.. الخ. وأخطر ما يمكن لـ«البروباغندا» فعله هو النجاح بوضع إحدى الشخصيات في خانة القديسين في منظومة الرموز لدى الإنسان، ومجرد أن احتلت هذه الشخصية هذا الموقع في التركيبة النفسية للشخص يصبح من المستحيل إظهار هذه الشخصية على حقيقتها أمامه لأنه يحتاج أيضاً إلى التمثل بها. هذا التصادم حصل بين ميرفت و«هيام» مدرّسة التربية الدينية، وبين ميرفت ووالدها، وبين «فجر» ووالده.. وهو تصادمٌ ضروريٌ للتحرر، ولذلك أضيف: لا بد للأدب من أن يقوم بمهمة دفع الناس إلى الوعي والتحرر، ليس عن طريق الغضب والثورات الفاشلة، بل الولوج إلى أعماق النفس البشرية وفكّ رموزها ومن ثم تحريرها.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock