آخر الأخبارإصدارات جهينةحوارات

المخرجة رشا شربتجي:زوّدونا بالمال لنعيد الألق للدراما السورية!

 

جهينة – وسام كنعان:

عندما ولدت في دمشق، قطع والدها المخرج القدير هشام شربتجي البثّ في الإذاعة السورية حيث كان يعمل، وأخبر المستمعين بقدوم ابنته، وبارك لنفسه على الهواء فتعرّض لملامة الإدارة! لكن طفولتها ارتبطت بأمّ الدنيا منذ انفصال والديها وهي في الرابعة، فسافرت مع والدتها إلى مصر: «ولدتُ نتيجة منطقية لقصة حُب بدأت عندما سافر والدي إلى مصر ليدرس، لكن القدر لم يكتب لهما الاستمرار» قالت لنا مرّة. هناك، عاشت أجمل أيام حياتها في منزل ريفي مُحاط بأشجار مثمرة وطبيعة خلابة أغنت مخيلتها البصرية منذ سن باكرة. مع والدتها، مهندسة الديكور الشهيرة نيّرة ثابت زاده، وجِدّيها، نسجت الطفلة تفاصيل حياتية وزّعتها بين الطبيعة الساحرة والأهرامات التي كانت تراها من شرفة بيتهم، وبين القراءة لأعمدة الأدب العربي، ذاك الوقت، من نجيب محفوظ إلى إحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم. وعلى الشاشة عشقت الفنان محمود مرسي وتعرفت إليه عن قرب لأنه كان صديق والدتها، هذه الأخيرة كانت عرّابة لحظات مميزة في ذاكرة رشا التي كانت ترافقها على دراجتها الهوائية إلى «أستوديو مصر» الذي كانت تعمل فيه، إلى أن تسلّمت إدارته.. هناك كانت تتعرّف إلى أزياء أهم النجوم مثل فاتن حمامة وصباح ويوسف وهبي وديكورات أهم الأعمال الفنية. ذلك ملخص مكثّف للدمشقية التي بنَتْ مخيلةً وشكّلت وعي مخرجة الأعمال الجماهيرية. (اليوم) بات اسم المخرجة رشا شربتجي لا يتوقف عن العبث بمخيلة الممثلين الشباب ولا ينزاح من ذهن جمهورها! يكاد لا يدخل ممثلٌ جديدٌ إلى عالم مهنة الأضواء إلا ويعبث اسم صانعة «غزلان في غابة الذئاب» (كتابة فؤاد حميرة) في رأسه لمخرجةٍ تربّت على يد شيخ كار الكوميديا السورية هشام شربتجي، صنعت أعمالاً تلفزيونية حصدت جماهيريةً هائلةً. ويمكن القول بثقةٍ تامةٍ إن المخرجة السورية هي الأكثر من بين المخرجين السوريين الذين أخلوا الشوارع في دمشق، وأطلقوا نجوم تلفزيون. كان موعد عرض أعمالها يشبه حظر تجوّل، تحديداً في «غزلان» و«الولادة من الخاصرة 1/2» (سامر رضوان) و«زمن العار» (حسن سامي يوسف ونجيب نصير) و«تخت شرقي» (يم مشهدي)، إضافةً إلى جماهيرية أعمالها السطحية التي أنجزتها في لبنان. أخيراً افتتحت صديقتها أستاذة المعهد العالي للفنون المسرحية رانيا الجبّان في الشام أكاديميةً صغيرةً لتعليم التمثيل وتصدير النصوص الدرامية المكتملة وسمّتها «دراما رود». لم يكن هناك أفضل من شربتجي لتقديم دورةٍ تدريبيةٍ نظريةٍ مع الراغبين بالتعليم.. «جهينة» زارتها في مقر الورشة ورافقتها في يوم عمل طويل ثم كان لنا معها هذا الحوار:

لماذا ابتعدت تجاربك الفنية عن سورية في الفترة الأخيرة؟

الحقيقة لم يصل إليّ أي عرض فنّي للعمل في سورية ورفضته، وفي 2017 دعتني شركة «إيمار الشام» فلبَّيتُ على جناح السرعة، وأنجزنا حينها تجربةً مهمّةً رغم أن دمشق وقتها كانت في مرمى الرصاص والقصف. الشركة المُنتجة يومها لم تستغلّ رغبتي بالعودة للشغل في سورية، لأنها لم تقصّر معي على الإطلاق، بل أعطتني ما أستحق، حالياً لا أستطيع الجلوس من دون عملٍ خصوصاً عندما تصلني عروضٌ مغريّةٌ من شركات عربية وتسوّق في أهم المحطّات، وحتى أكون واضحةً معك، على مستوى مهني لم أسلك طريق الدراما المشتركة بشكل تجاري أو مفتعل، إنما بدأت هذا النوع في مسلسل «بنات العيلة» (نص رانيا بيطار)، وأظنّ أنّ مسلسل «مافييّ» حقق ما حققه مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» يومها في سورية، وأتمنّى أن يعلم الجمهور جيداً أنني لم أبتعد عن سورية»!.

الجمهور غالباً يحنُّ لأعمال مسلسلات كـ«غزلان في غابّة الذئاب» و«تخت شرقي»، ماذا تقولين له؟

أقول له أحضر لي مُنتِجاً لأكرر هذه التجارب، أنا لستُ صاحبة قرار في هذا الخصوص، في مسلسل «بروفا» (نص يمّ مشهدي) مثلاً اتصل بي صاحب شركة «إيغل فيلم» جمال سنّان لإنتاج مسلسل من إخراجي، وضعنا فكرةً، وتحدثت مع الكاتبة يمّ مشهدي، حتى خرجنا بمسلسل «بروفا»، عمل أنجزناه بمزاجٍ عالٍ وخلق لنا مُتعنا حتى قبل أن يظهر إلى العلن، وأريد القول في هذا السياق إن المسلسلات التي اشتغلتُ عليها خارج سورية لم تشعرني بالغربة على الإطلاق، بل على العكس منحت إحساساً وكأنني أعمل داخل بلدي، ولأوضح أكثر حريٌّ بي التنويه بأنّ من ليس له ماضٍ ليس له حاضر، وتاريخي الجميل هو من يحتّم عليّ الاستمرار سواءً في دراما سوريّة أو مشتركة، ولن أفشي سراً أمامكم لو ذكرت أنه في الفترة الماضية المخرج هو من يمتلك المشروع، ويذهب إلى شركة الإنتاج، بينما الآن شركات الإنتاج المدعومة من المحطّات الثقيلة هي من تقرر، ويجب أن أتقبّل وأتعايش مع الواقع الحالي بمرونةٍ حتّى تستعيد الدراما السوريّة ألقها المعتاد، وهي حتماً ستستعيده، ولكن تحتاج وقتاً لاشك.

لكن هناك سمعة سيئة باتت تلاحق مسلسلات الـ«سوب أوبرا – Opera Soap» الطويلة على اعتبار أنّها تُوغل في التطويل والثرثرة السطحية، وكل ما تقدّمه عبارة عن قصص هزيلة تتعمّد عدم الخوض في تفاصيل واقعية تُلامس الحياة اليومية للمواطن العربي في ظلّ ما تشهده المنطقة من ظروف مترديّة؟

لم يسبق لي أن بحثت عن الحُب إلا في بعض الأعمال. الحُب في هذه المرحلة ربّما يكون مطلباً مجتمعياً، ولو بدا سطحياً إلا أنّه ليس كذلك في حقيقة الأمر، لأنّ علاقة الرجل بالمرأة هي جوهر أي مجتمع. وإذا كان واجب الدراما معالجة هذا الواقع المأزوم فإنّها فشلت في ذلك، ولو توجّب عليها توثيقه فمن الباكر جداً البحث في هذا الموضوع. سبق أن دخلتُ بالكاميرا إلى القاع السوري ولامستُ هموم الناس وآلامهم وكنتُ على تماسٍ مباشرٍ معها، لكنّنا لم نتوقّع أن يصل البركان الخامد إلى هذا النشاط. لذا دعونا نتصالح مع أنفسنا لنقول إن الدراما وسيلة تخفيف عن شرائح كثيرةٍ من المجتمع يصعب عليها السفر والهروب من الحرب. وفي النهاية الدراما ليست عصا سحرية لتخلق المدينة الفاضلة، ولا بد أن تكون منطقيةً لتأخذ على عاتقها هاجس متعة وترفيه وتسلية المُشاهد بالدرجة الأولى.

تديرين حالياً ورشة إعداد الممثل مع مؤسسة «دراما رود – Drama road» (الدكتورة رانية الجبّان)، أخبرينا عن التحضيرات التي قُمتِ بها قبل دخولك هذه الورشة؟

في الواقع أداء الممثل مختلفٌ عن الحالة الإخراجية، ولكن كوني من مدرسة أداء الممثل، أي أهتم به، وأعتبره أهم عنصر في العمل الفنّي، لذا أحببتُ مساعدة هؤلاء الطلاب والأخذ بيدهم إلى الاحتراف في هذه المهنة، لكي أختصر الوقت والمسافات ليجيدوا الوقوف أمام الكاميرا. صحيح أنّني لستُ أكاديمية، ولكنني مطّلعة على جميع المدارس في الإخراج، كما أنّ والدي يمتلك مكتبةً زاخمةً في هذا المجال. وأيضاً لديّ تجربة شخصية ليست بالقصيرة تتجاوز العشرين عاماً.

حملت صفحات بعض المخرجين على منابر التواصل الاجتماعي حالةً تشبه الغيرة أو الانتقاد كونك غير أكاديمية وتصدّيت لمهمة تعليم طلّاب، كيف تعاملت مع هذا الأمر؟

لم أسمع بهذا الكلام، لكن أتوقع ذلك، وأعتبر ذلك من حقّهم المهني كونهم أكاديميين، لكن في الوقت نفسه لديّ ما أضيفه للطلاب. إلى الآن أنجزت حوالي ثمانية وعشرين مسلسلاً أغلبها حقّق نسب مشاهدة عالية، والأصداء التي تصلني – أنّك تتعاملين مع الممثل بطريقة مختلفة ومميزة وتستخرجين أفضل ما لديه- إضافةً إلى أنني خضعت لعدّة دورات تدريبية لها علاقة بإعداد الممثل والإخراج، ولا يخفى على أحد أنني ابنة مخرج مرموق وأُم مهندسة ديكور صاحبة باع طويل في المهنة، وهما من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم يحقُّ لي بعد 25 مسلسلاً ناجحاً أن أقدم وجهة نظري للطلاب بتكنيك التمثيل أمام الكاميرا التلفزيونية، وليس على خشبة المسرح.

ربما يعتبر البعض أن انضمام ممثلين شباب وممثلات شابات مثل رهف الرحبي وليا مباردي وماجد عيسى وآخرين إلى الدورة هو بمثابة تمتين علاقات مع مخرجة مكرّسة عسى يعلقون بذاكرتك وتوزّعين لهم أدواراً؟

الكثير منهم تربطني بهم علاقات طيبة، مثلاً والد ووالدة رهف الرحبي صديقاي وهي أمام عيني دائماً، لذا ليست بحاجة أن تأتي إلى الورشة لتكسب معرفتي مثلاً كما تقول، وأعتقد أنّ من أتى إلى الدورة أتى بمحبة ويريد بصدقٍ أن ينهل ممّا لديّ من خبرة ومخزون مُتراكم على مدى عشرين عاماً.

شقيقك يزن شربتجي يعتبر من أهم مديري الإضاءة والتصوير في سورية، لم نرَ تعاوناً بينكما؟

السبب هو مشكلة في التنسيق، أي عندما أحتاجه يكون مرتبطاً بعمل آخر، والعكس كذلك، وأنا أراه شاباً مميزاً مجتهداً وأتمنّى أن يتواجد معي باستمرار.

علمنا أن الضيفة القادمة في دورة «إعداد الممثل» هي شريكة نجاحك يم مشهدي، نريد منك «سكوب» لنا عن مشروع فنّي يطبخ بينكما؟

يمّ، بالتأكيد هي شريكة نجاح، وحتى عندما لا أعمل معها هي جزء منّي، وبيننا «كيميا» عالية، لديها مشروع رائع لم أصرّح عنه من قبل تحت اسم «ثلاثين سهرة وسهرة» وهو نصٌ دسمٌ وعميقٌ وبسيطٌ في الوقت نفسه وإن صح التعبير هو سهل ممتنع، أتمنّى أن نجد له مُنتِجاً يتبنّاه.

هل تستذكرين لحظة بكاءٍ عالقةً في ذهنك إلى الآن خلال مسيرتك الفنية؟

نعم، هناك لحظة لم أستطع أن أتمالك نفسي بها، وهي عندما أطلّت النجمة سلافة معمار لتتسلّم جائزة الـ«موريكس» عن دورها في مسلسل «زمن العار» وشكَرَتني، لم أستطع يومها منع دموعي من الانهمار.

دعينا نطرح عليكِ سؤالاً تقليدياً حول العناصر التي تجذبك في أي نص يُعرض عليكِ، علماً أنّك من المخرجين الذين تُعرض عليهم مجموعةٌ كبيرةٌ من الأعمال ويُفاضلون فيما بينها؟

في اللحظات الأولى أتعاملُ مع القصة كأنّني مُشاهد عادي وقعَ الورق بين يديه فقرّر أن يقرأ. أقرأ النص بشكل بسيط وأميلُ نحو الشخصيات التي تدخلُ قلبي بسرعة، وتلك التي ترافقني في تفكيري لأطول وقت بعد الاطلاع على الأحداث بغضّ النظر عن تكنيك كتابة السيناريو أو أهدافه أو مستواه.

في هذه المرحلة، ومنذ تسرّي الفوضى على جميع المستويات، نجدك حريصةً كثيراً على الابتعاد عن الصدامية والقيل والقال.. البعض يتهمك بالخوف وآخرون يعتبرونك مسالمةً رغم إشكالية أعمالك السابقة، هل لك أن تكشفي لنا عن سبب ابتعادك عن الصدامية؟

تاريخي يشهدُ على جرأتي وعدم خشيتي من أحد، لكن الموضوع بالنسبة لي مختلفٌ عن الخوف. ما يحصل معي عندما أواجه إشكالاً مع شخص ما أو شركة معينة هو أنّني أحفظُ مكانةً واسعةً في قلبي للخبز والملح، وأجدُ أنّه من غير المناسب الانحدار إلى مستوى القيل والقال طالما أنّ هذه السجالات لم تُضف شيئاً إلى تاريخ أحد. نحن في زمن الموت المجاني اليومي فمن المُعيب الخوض في هذه المشكلات. وأنا شخصٌ يعملُ من أجل المتعة، رغم أنّها مهنة صعبة لكن لا يمكن أن تفقد فيها المتعة لكي لا تفقد الحماس ويتراجع مستوى الحرفية. أعيش لأستمتع وليس لـ«أتشاكل» مع أحد.

ما هي مشاريعك الفنيّة القادمة؟

في الوقت الحالي أحضّر لمسلسل «مافييّ» بجزئه الثاني مع شركة الصبّاح، وستدخل إلى العمل شخصيات جديدة، لا أستطيع الكشف عن الممثلين الجُدد الذين سيشاركون، لأنهم لم يوقّعوا بشكل رسمي بعد، إضافةً إلى أنني أقرأ بعض النصوص، وأتمنّى من شركات الإنتاج الدعم، ليس لي فقط، بل هناك الكثير من أصحاب المشاريع يحتاجون إلى دعم كي يخرجوا بنتائج طيبة.

شارك في إجراء الحوار: عمر الشريف
تصوير: ربيع السيروان
شكر خاص لإدارة فندق الفورسيزنز بدمشق

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock