آخر الأخبارإصدارات جهينةالافتتاحية

المرحلةُ الأقْسَى

بقلم فاديا جبريل

مع اشتداد الحصار الاقتصادي خلال الشهور الأخيرة، ندركُ أنّ الحرب على سورية دخلت مرحلتها الأقسى، بل ربما نقولُ الأخطر، ولاسيما أنها تستهدفُ هذه المرة خنقَ الحاضنة الشعبية والجماهيرية التي واجهت مراحل الحرب كلّها وأسقطتها مرحلةً تلو أخرى، ورفضت منذ الأيام الأولى الأكاذيب والافتراءات التي كان تُسوّقها قوى العدوان وأدواتها المأجورة في المنطقة وصولاً إلى العصابات المسلّحة داخل سورية وعلى حدودها، أولاً لضرب المُعادلة والمنظومة الأقوى  المتمثلة بوحدة الشعب والجيش والقيادة، وثانياً «إسقاط» النظام تمهيداً لنشر الفوضى، وثالثاً تمرير المشروعات التي خطّط لها الحلف الصهيو-أمريكي، وكانت سورية عقبةً أساسيةً في وجه تمريرها، وفي مُقدمتها تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، والتخلّي عن حركات المقاومة التي واجهت هذه المشروعات التدميرية، وأخيراً الخنوع والاستجابة للإملاءات الأمريكية باستباحة سيادة بلدان الشرق الأوسط ونهب ثرواتها ومقدّراتها الاقتصادية.
كما ندركُ أنّ ما يجري هو مُعاقبةٌ للشعب السوري الذي صمدَ أكثر من ثماني سنوات في وجه أعتى حربٍ شهدَها التاريخُ الحديثُ، وتضييقُ الحصار عليه أكثر فأكثر، وحرمانه من قُوْتِه اليومي، وإغراقه بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كالذي يحدثُ «اليوم» مع أزمة المشتقات النفطية كالغاز والمازوت والبنزين، وبثّ الشائعات التي تسعى إلى فصم العُرى التي تربطه مع قيادته، وكانت سبباً رئيسياً من أسباب صمودنا طوال السنوات الماضية.
لكنْ سيبرزُ هنا سؤالٌ ملحٌّ يُراودنا جميعاً: ما الذي أعددناه لمُواجهة هذه المرحلة القاسية، وكيف يمكن أن نُسقِطها كما أسقطنا المراحل السابقة من عدواناتٍ عسكريةٍ متلاحقةٍ وتفجيراتٍ إرهابيةٍ متنقلةٍ وتضليلٍ إعلامي خطيرٍ جُنّدت له آلاف الوسائل الإعلامية العربية والغربية والمحطات الفضائية المختلفة لتصوير سورية دولةً مقسّمةً فاشلةً تتناهبُها التدخلات الخارجية؟.
بالتأكيد، ستكونُ ثقتنا بالشعب السوري رهاننا الأقوى، ذلك أنّ هذا الشعب لم يتزحزح إيمانه بوطنه وجيشه وقيادته قيدَ أُنملةٍ، حتى في أخطر مراحل الحرب، وهو «اليوم» يعي أنّ قوى العدوان تلجأ إلى مُعاقبته لأنه آمنَ بالمطلق بأنه سينتصرُ في أيّ حربٍ مهما اشتدتْ أو قستْ، وكلّ ذلك نابعٌ من يقينه بقدرته على إفشال تلك المراحل وإسقاطها والحيلولة دون تمرير أهدافها. 
لكنْ في المقابل ينبغي على الحكومة ودوائرها –وهي رهاننا الثاني- إدارة هذه الأزمة بما يلبّي احتياجات الشعب الذي صبرَ وصمدَ، من خلال الابتعاد عن الارتجال في الأداء واتباع الشفافية والمُكاشفة في أسباب الأزمة والحلول المُقترحة للخروج منها بأقلّ الخسائر، والتي جزءٌ منها تنظيفُ الأجواء من الفاسدين المُتاجرِين بالوطنية من الجهاز الحكومي، والابتعاد عن توظيف مسمّى “محاربة الفساد” للإطاحة بموظفين شرفاء وأكفاء، أي إنّ الحاجة الملحّة «اليوم» هي أن يتصدّر الوطنيون الحقيقيون إدارة هذه المرحلة الخطيرة، وبالتالي خلق حالةٍ من الارتياح للشارع الذي تفتكُ به الشائعات والتصريحات المُتخبّطة، والسعي للتخلص من الإرباك والالتباس في العلاقة بين الدوائر الحكومية والمواطن، ولاسيما في بعض المفاصل التي تسلّل إليها الفساد والركود، وباتت تنوءُ بتراكماتٍ تُفاقمُ الأزمة وتفتحُ أبواب الأسئلة المُشكّكة التي قد تُضعِف الروح المعنوية لهذا المواطن!.
إنّ جَسرَ العلاقة بين الحكومة والشعب ومُصارحة الناس بحقيقة ما يجري، التي يحاول بعض “المُتلطّين” ورموز الفساد في الداخل تعميقها، سيكونان أول خطوةٍ في مُواجهة هذه المرحلة الأقسى من عمر الحرب، ونعتقدُ أنّ الحكومة منوطٌ بها المُبادرة بهذه الخطوة أولاً، خاصةً إذا تذكّرنا أنّ هذا الشعب وأبناءه في الجيش والقوات المسلّحة هُم من سطّروا ملاحم البطولة وواجَهوا أكثر من حصارٍ امتد لسنوات في سجن حلب ومطاري كويرس وأبو الضهور، ومعسكر وادي الضيف، وكفريا والفوعة ومشفى جسر الشغور.. وسواها من المناطق السورية.
لقد رسَمَ السيد الرئيس بشار الأسد ملامح هذه العلاقة في تأكيده الدائم بأنّ “الشعب بجميع فئاته صبر وضحّى وفي المُقدمة القوات المسلّحة وكل من وقف معها، ومن حقّ كلّ من صبر وقدّم أن يرى نتائج هذا الصبر، فهؤلاء ضحّوا من أجل ثمنٍ كبيرٍ هو الوطن الأفضل ومن حقّ هؤلاء أن يروا الأفضل ومن واجبنا أن نجعلهم يرون هذه النتائج”. كما ركّز السيد الرئيس في أكثر من لقاءٍ على التوجيه للوزارات والمؤسسات الحكومية بأهمية “التواصل مع المواطنين من خلال مكاتبَ خاصّة في الوزارات أو عبر العمل الميداني الذي يجعلنا على تواصلٍ مع الواقع ومع نبض المواطن، ويمكّننا من ملامسة مُعاناة الناس ومعرفة احتياجاتهم، ويتيحُ رصد ردود فعل المواطن إزاء أداء الوزير أو القرارات التي اتخذها, والعمل الميداني على أهميته يجب ألا يكون من باب الاستعراض أمام الإعلام أو على حساب العمل اليومي الفعلي”.
وعلى هذا، فإننا نؤكّد أنّ الوحدة العضوية، التي جمعت السوريين بمختلف فئاتهم ومراتبهم الوظيفية طوال سنوات الحرب الماضية، كانت الهدف الأول في هذه المرحلة الأقسى، وأنّ العقوبات الاقتصادية والحصار الخانق المفروض «اليوم» على بلادنا هدفهما مُعاقبة الحاضنة الشعبية والجماهيرية وكسر إرادتها وشوكتها التي لم تنكسر رغم شراسة الحرب وفصولها ومراحلها التي تتساقطُ تباعاً.
العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock