آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

بين «الجمَالي» و«الوظيفي»! بقلم د. محمود شاهين

 

 

لكي تًثمر وتنجح عملية تنظيم المدن والبلدات وظيفياً وجمالياً، يجب ربطُها بمظاهر الفن التشكيلي المختلفة «المُسطّح والمُجسّم»، والتأكّد من توافق وانسجام أيّ مداخلةٍ تنظيميّةٍ مع مكانها وموجوداته المعماريّة والطبيعيّة، لاسيّما مفروشات الشارع (مواقف الباصات، المقاعد، لوحات الدلالة والإعلان، وسائل الإنارة، أُصص الورد، سلال المهملات)، التي يجب أن تتأقلم مع حجم الإنسان، وتُناسبُ عوامل الجو المختلفة، ويسهلُ التعامل معها، لأنّ الإنسان يحصلُ على المتعة الجماليّة من خلال إشباع حاجاته الفطريّة مما يُشاهد ويرى، ما يجعل من الشارع المنظّم، الجميل، مُتناسق العناصر، المنصّة الأساس التي تنهضُ وتتكوّنُ فيها الرؤية الجماليّة القادرة على تأدية هذا الدور المطلوب، إضافةً إلى التصميم الناجح للعمائر والأبنية والمحال التجاريّة، والاختيار الصحيح والمناسب للخامات والمواد المُنفذة فيها، بحيث تردُّ – تصميماً وتنفيذاً- على الحاجات البدنيّة والروحيّة للناس القاطنين فيها أو العابرين إلى أعمالهم وأشغالهم وسكنهم من خلالها.. أي  على كلّ عملية تنظيم جديدةٍ للشارع، ملامسةُ تطلُعات الناس ومقاربةُ أفكارهم واحترامُ توجّهاتهم، وفي  الوقت نفسه تحويله إلى منظومةٍ جماليّةٍ قادرةٍ على إمتاعهم وإراحتهم، ومن ثم الارتقاء بذائقتهم البصريّة وتطويرها، لاسيّما أنهم على احتكاكٍ يومي بها.

ومن أجل نجاح هذه العملية وضمان مُخرجاتٍ سليمةٍ فاعلةٍ ومؤثّرةٍ لها، لا بدّ مَنْ يُساهم في تخطيط تنظيم المدن والبلدات والضواحي، هو فريق عمل متكامل ومنسجم، يضمُّ الاختصاصات كافة: الإنشائيّة، المعماريّة، الفنيّة، والحرفيّة، وقبل هذا وذاك الشرائح المجتمعيّة المعنيّة بها، فقد أثبتت الوقائع تعثُّر وفشل المشروعات التي تتفرّد بتنفيذها جهةٌ واحدةٌ، كأن يأخذ المهندس المدني الإنشائي دور مهندس العمارة، والفنان التشكيلي، والمستفيد من هذه المرافق في عملية تصميمها وتنفيذها واختيار أماكنها بهدف الفوز بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الأرباح، الأمر الذي يُفضي إلى عمائر وشوارع وحدائق وجسور وأنفاق وأركان وفضاءات: هجينة وملفّقة وخالية من اللمسة الحضاريّة والجماليّة والتراثيّة التي باتت أحد أهم مقوّمات تَفرُّد العمارة وتنظيم المدن وأبرز مؤشرات تَحضُّر الشعوب ورقي الأمم.

على هذا الأساس، يجب عدم التهاون في عملية تصميم الشوارع والضواحي والتجمّعات السكنيّة الجديدة «أو التي سُيعاد إعمارها» وإبعاد غير المُختصين والفاسدين والسماسرة والتجّار والمُرتشين المُفتقدين أيّ حسٍّ وطني أو غيرةٍ اجتماعيّةٍ أو تطلُعٍ حضاري جمالي، عن الفرق التي ستُوكل إليها مهمة تصميم وتنفيذ هذه المشروعات، إذا كنا نريدُ حقاً إعمار سوريّة بالشكل الصحيح والسليم، وبالتالي الارتقاء بعمارتنا وشارعنا من أمكنةٍ للسكن والعبور إلى فضاءاتٍ ثقافيّةٍ، اجتماعيّةٍ، تواصليّةٍ، مُتفرّدةٍ وأصيلةٍ، ترتبط بآنها ومكانها، وتلبّي في الوقت نفسه الحاجات البدنيّة والروحيّة لمُستخدميها.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock