آخر الأخبارإصدارات جهينةتحقيقات

تدنّي أجور ورواتب الأساتذة الجامعيين يفتح أبواب التسرّب والفساد ويؤخّر البحث العلمي

 

يستنزفون علمهم ووقتهم ليعيشوا فقط..
تدنّي أجور ورواتب الأساتذة الجامعيين يفتح أبواب التسرّب والفساد ويؤخّر البحث العلمي

جهينة- وائل حفيان:

الأستاذ الجامعي دعامة أساسية من دعائم نهضة المجتمع، وعليه تعتمد الأمم والشعوب في بناء الأجيال وتطوير العملية التعليمية بشكل مستمر من خلال البحث العلمي الذي يطوّر المناهج والجامعات على حدّ سواء، كل هذه الأمور وغيرها تحتاج في بلدنا إلى تأمين مستوى معيشي مقبول له كي يستطيع القيام بواجباته العلمية، وأن يعيش مثل أقرانه في البلدان الأخرى، لكن ما يحدث لدينا أن الأستاذ الجامعي يتقاضى أجراً لا يكفيه لعشرة أيام، ما يضطر بعض الأساتذة إلى البحث عن عمل بديل كالعمل في الجامعات الخاصة، أو العزوف عن التدريس في الجامعات الحكومية من خلال تقديم إجازات بلا أجر للسفر أو الالتحاق بالجامعات الخاصة، وخصوصاً في الكليات العلمية، الأمر الذي يترك فراغاً ويؤثر على العملية التدريسية في الجامعات الحكومية، ويدخل آخرون منهم حلقات الفساد المعروفة.. «جهينة» التقت العديد من الأساتذة الجامعيين في الجامعات والكليات السورية للوقوف على طبيعة هذه المشكلة عبر التحقيق التالي:

فجوة بين المتطلبات والواقع

الدكتور وسيم السمارة الأستاذ في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في جامعة دمشق يرى أن أجور الأساتذة الجامعيين قليلة جداً، وخصوصاً في الوقت الحالي، مقارنة بمهن أخرى، مضيفاً: الوزير يصل راتبه إلى 70 ألف ليرة سورية، والأستاذ الجامعي وصل راتبه إلى نحو 100 ألف ليرة فقط في الآونة الأخيرة وحسب القدم، لكن هذا لا يعني أنه يجب العزوف عن الجامعات الحكومية للتدريس في الجامعات الخاصة، وبيّن الدكتور السمارة أن هناك الكثير من الأساتذة يقدمون استقالتهم لوجود بديل آخر، وحتى لو ارتفعت الأجور في الجامعات الحكومية فإنها سترتفع حكماً في الجامعات الخاصة، أي إن هناك قناعة معينة لدى الجميع في هذا الموضوع.
بدوره يؤكد الدكتور محمد تركو النائب الإداري في كلية التربية أن رواتب الأساتذة الجامعيين تعاني من فجوة كبيرة ما بين متطلبات الواقع والجهد المبذول، وما بين الرقم الذي يُعطى خلال الأزمة، فالأجور تضاعفت في الجامعات الخاصة وفي جميع البلدان الأخرى، في حين تعويضات التعليم المفتوح مثلاً ما زالت ثابتة لدينا، وما زال أجر الجلسة الواحدة 1600 ليرة سورية فقط منذ ستة عشر عاماً، مع العلم أن رسوم تسجيل الطلاب ارتفعت إلى 5000 ليرة، ووصلت في حالة الرسوب إلى 7500 ليرة، ومن الناحية القانونية يأتي الأساتذة في يوم عطلة ويجب أن تقابل ذلك تعويضات إضافية، ومن هنا نرى عزوفاً للأساتذة عن لقاءات التعليم المفتوح، ومعروف أن أساتذة الجامعات يحتاجون إلى نفقات إضافية فيما يتعلق بالبحث العلمي والسفر، حيث إن الأجور الحالية لا تكفي إلا لتغطية متطلبات معيشتهم الأساسية فقط.

 

اختصاصات معينة

 

رئيس جامعة حلب الدكتور مصطفى الأفيوني يرى هو الآخر أن أجور الأساتذة منخفضة جداً عن الجامعات الخاصة، قائلاً: لا يمكننا اعتبار انخفاض الأجور سبباً لنزوح الأساتذة إلى الجامعات الخاصة، حيث لا يمكن لجميع الأساتذة الجامعيين التدريس في الجامعات الخاصة بل يقتصر ذلك على اختصاصات معينة، مضيفاً: إن أجور التعليم المفتوح غير مُنصفة ولا تتناسب مع المستوى المعيشي الحالي، وهي تحتاج بالتأكيد إلى دراسة جدّية لرفعها بما يتناسب والأوضاع والظروف الصعبة، ولكن مقارنة بباقي العاملين في الدولة تعتبر أجور الأساتذة مقبولة نوعاً ما. وتابع الأفيوني: أما ما يتعلق بتوفير متطلبات البحث العلمي للأستاذ فهذا يتضمن الأدوات البحثية الموجودة، ولكن نتيجة البحث ومردوده منخفضان، ولا يمكن أن ننسى أن الدولة تقوم بكل ما في وسعها لتحقيق هذا الأمر ضمن الإمكانيات المتاحة، وخاصةً أننا نعيش ظروفاً صعبة، ومع ذلك هناك أبحاث تتم الآن في الجامعات.
ويؤكد الدكتور الأفيوني أن مسألة أجور الأساتذة الجامعيين تُطرح على الدوام في المجالس، وهناك قرارات صدرت في الفترة السابقة، وحالياً سيتمّ إصدار قرار من رئاسة مجلس الوزراء فيما يتعلق بالتعويضات الإضافية للأساتذة، ويمكن أن تكون هذه الأجور مقبولة إلى حدّ ما.

الأضعف عالمياً

 

عدد من الأساتذة الجامعيين الذين التقتهم «جهينة» تساءلوا: هل هذه السياسة مقصودة لتهجير أساتذة الجامعات إلى خارج البلد أو الجامعات الخاصة لأن الراتب الحالي لا يكفي لعشره أيام في الشهر؟! فقد ترك عدد كبير منهم العمل في الجامعات الحكومية قاصدين الجامعات الخاصة، حيث الراتب يبلغ الضعف أو أكثر، ونعتقد أن كل أعضاء الهيئات التدريسية سيتركون الجامعات الحكومية قريباً لتأمين لقمه العيش لعائلاتهم، مضيفين: الأستاذ الجامعي يعمل من دون استراحة نهاية الأسبوع حتى يؤمّن معيشته بالحدّ الأدنى خلافاً لجميع المهن الأخرى، لتأتي بعدها وزارة المالية وتحاصصه بالضرائب ومن ثم تقطع وزارة التعليم العالي حصتها من أجوره على الرغم من أن عمله خارج أوقات الدوام الرسمي، مؤكدين أن أجور أساتذة الجامعات في بلدنا هي الأضعف عالمياً، ويأتي ترتيبنا فعلاً في المرتبة الأخيرة عالمياً.
الدكتور (م. ج) قال: جميعنا يعلم أن بعض أساتذة الجامعات الحكومية يدرّسون في جامعتهم الأم وفي الفروع وفي التعليم المفتوح والافتراضي والجامعات الخاصة، وأساتذة آخرون دون عمل! علماً أن الحدّ الأقصى للنصاب التدريسي لعضو الهيئة التدريسية 14 ساعة للمدرّس و12 ساعة للأستاذ المساعد و10 ساعات للأستاذ، ويجوز عند الضرورة زيادة ست ساعات للأستاذ وللأستاذ المساعد وثلاث ساعات للمدرّس.
وتساءل (م. ج): كيف يمكن لعضو هيئة تدريسية أن يدرّس أكثر من 50 ساعة أسبوعياً؟ وما هو المحتوى العلمي الذي يحصل عليه الطالب من أستاذ يتنقل من جامعة إلى أخرى؟ لنتساءل بعد كل ذلك: لماذا يتراجع مستوى التعليم العالي في سورية؟ ولمصلحة من هذه القرارات؟ وهل هذه القرارات تخدم العملية التعليمية؟ وأضاف: لو قامت الوزارة باقتراح زيادة رواتب الأساتذة الجامعيين لما استولى أحدهم على كافة الفرص المتاحة، وترك لغيره فرصة التدريس!.
انخفاض 80%
الوصول إلى مستوى معيشة الطبقة الوسطى حلمٌ طالما انتظره الأستاذ الجامعي بعد سنوات عجاف، لكن الحلم الذي تحقق لم يستمر طويلاً، والفترة الذهبية التي عاشها انقضت بفعل الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، علماً أنه قبل الحرب كانت أجور أساتذة الجامعات في سورية مع تعويضات التفرغ تتراوح ما بين (2500- 3500 دولار أمريكي) حسب درجته الوظيفية ومرتبته العلمية، ويتجاوز ذلك للبعض كالأطباء والمهندسين.
يقول الدكتور (ش. ع): على أرض الواقع تتراوح أجور الأستاذ في الجامعات الحكومية ما بين(50000 – 75000 ليرة شهرياً) حسب سنوات الخدمة، بعد إضافة المئة الأولى للتفرغ العلمي، وإذا ما أضيفت إليها المئة الثانية، التي يتقاضاها نهاية العام الدراسي، تصبح الأجور ما بين( 70000-95000 ليرة ) باعتبار أن الزيادات التي طرأت على الأجور منذ عام 2013 كانت على الأجر الشهري المقطوع ولم تشمل أجور التفرغ العلمي.

بين الأستاذ وطالبه!

الدكتور محمد فواز قربي كتب على صفحته الشخصية: بعد القرارات الأخيرة وتشجيعاً للإيفاد الداخلي للموفد وتمكيناً له من التفرغ للدراسة والحصول على الشهادة بالمدة المطلوبة، أصبح ما يتقاضاه الطالب الموفد داخلياً ضعفي راتبه المقطوع، يضاف إليه بدل السكن وبدل المعيشة أيضاً، وعلى هذا فقد أصبح مجموع ما يتقاضاه الطالب المُعيد الموفد داخلياً أكثر مما يتقاضاه الأستاذ الجامعي عند بدء تعيينه (متضمناً تعويضي التفرغ)، حتى لو كانت الدرجة الوظيفية للمدرّس الجامعي أعلى من الدرجة الوظيفية للطالب المُعيد.
وأشار الدكتور قربي إلى أن الطالب الموفد يأخذ ضعفي راتبه المقطوع محسوباً على أساس راتبه المقطوع الحالي، أما أستاذه فيتقاضى تعويض التفرغ محسوباً على أساس راتبه المقطوع القديم قبل صدور مرسوم زيادة الرواتب لعام 2013، كما أن الطالب الموفد داخلياً يتقاضى تعويض سكن، بينما أستاذه لا يتقاضى مثل هذا التعويض، والطالب الموفد يُعطى تعويض شراء حاسب أما أستاذه فلا يمكنه ربما شراء حاسب! ولذلك تشجيعاً للأساتذة الجامعيين للبقاء في الوطن، وتمكيناً لهم من التفرغ للتعليم العالي والبحث العلمي، نطالب بمساواتهم بطلابهم المعيدين الموفدين على الأقل من خلال حساب تعويضي التفرغ على أساس الراتب المقطوع الحالي النافذ بتاريخ أداء العمل.

بدائل مطروحة لرفع الأجور

 

نقيب المعلمين في جامعة دمشق الدكتور يوسف المرزوقي، قال: فيما يخصّ زيادة الأجور والرواتب كما هو معلوم فإن الإمكانيات محدودة ومقيدة بسبب الأزمة والحرب الكونية والتضييق الذي يمارس علينا، وهذا الأمر تقرره وزارة المالية، لكن الدولة تبحث عن طرق وسبل لزيادة الأجور والرواتب بشكل غير مباشر مثلاً عن طريق التعويضات وطبيعة العمل، وهنا يكون راتب الموظف زاد بشكل غير مباشر ولم يزد شيء على راتبه المسمّى عليه بالأصل، مضيفاً: هناك أمر آخر نعمل عليه هو تحسين وتطوير المرسوم 86 المتعلق بقانون تنظيم الجامعات بطرح طرق متعددة للزيادة، مثل زيادة ساعات المراقبة، زيادة ساعة الجلسة، زيادة راتب المشرف على الدكتوراه، زيادة راتب المشرف على الماجستير، وطبعاً هذه الإجراءات مؤقتة ريثما تتحسّن الأمور وتتوفر الإمكانيات لزيادة أكبر.
وعن أجور التعليم المفتوح وكيف ظُلم الأستاذ الجامعي وأجوره الثابتة التي لم يحدث عليها أي زيادة رغم زيادة الرسوم على الطالب، قال المرزوقي: هذا الموضوع تمّ طرحه ومناقشته في لقاءات ومناسبات عدة، سواء في مجلس التعليم العالي أو مجلس الجامعة أو المؤتمرات النقابية وهو قيد الدراسة، لأن زيادة رسوم المواد يجب أن تنعكس على الموظف والأستاذ الجامعي في التعليم المفتوح.
أما بالنسبة لحالات الفساد التي تنتج عن ضعف الراتب، فقال نقيب المعلمين: الإنسان الفاسد فاسد مهما بلغ راتبه وأياً كانت مكانته، وهذا عائد لتربيته المنزلية وأخلاقه، وكانت هناك قرارات فصل وتسريح لأشخاص ثبت أنهم تورطوا في قضايا فساد.

أمل مؤجّل لما بعد الأزمة

في دراسة أجرتها مؤسسة (الفنار للإعلام) عام 2014 بعنوان (بالأرقام.. أجور أساتذة الجامعات الحكومية في الدول العربية) جاء ما يلي:
1- مصر والمغرب واليمن ما بين (22- 30) ألف دولار/ سنوياً، وهو بالكاد يتخطى حدود معيشة الطبقة المتوسطة، مع العلم أن الأستاذ في مصر يأخذ أجراً على كل نشاط يقوم به فيرتفع دخله إلى ضعف ما سبق.
2- في دول الخليج كالإمارات ما بين (41- 176) ألف دولار/ سنوياً، مع العلم أن متوسط دخل الفرد من الطبقة المتوسطة (52) ألف دولار/ سنوياً، ومع إعفاء الأجور من الضرائب في دول الخليج والامتيازات الأخرى كبدل السكن والنقل وملابس الأطفال يستطيع الأستاذ الجامعي أن يعيش بمستوى الطبقة الميسورة.
3- في لبنان ما بين (30- 90) ألف دولار/ سنوياً، مع العلم أن متوسط دخل الفرد من الطبقة المتوسطة (10) آلاف دولار/ سنوياً.
4- في الأردن يتقاضى الأكاديمي الأردني نحو (60) ألف دولار/ سنوياً.
وبالتالي يتبين لنا أن الأجور جيدة مقارنة بالمعيشة، ولا داعي لحجة أن المعيشة غالية عندهم، فقد قيست الأجور مقارنة بمتوسط دخل الفرد من الطبقة المتوسطة، وكانت في معظمها تؤمّن للأستاذ الجامعي مع مداخيل أخرى حياة مرموقة.
في سورية قبل الأزمة كانت الأجور بحدود (13) ألف دولار/ سنوياً، بينما يرى آخرون أنها كانت تتراوح ما بين (24- 36) ألفاً لأستاذ الجامعة، وتزيد على ذلك لدى المهندسين والأطباء.. حالياً يمكن إزالة صفر من الدخل وإضافته للإنفاق، وخاصة أن بعض الأقسام أحادية الدخل كالجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع في كليات الآداب، حيث لا يوجد فيها تعليم مفتوح ولا افتراضي.

أخيراً..

بناءً على ما سبق يمكن القول والتمني بأنه ينبغي أن تطول عمليات إعادة الإعمار، بعد أن تستريح البلاد من همّ الإرهاب، أيضاً إعادة إعمار مداخيل المواطنين السوريين جميعاً لمواجهة قسوة الحياة المعيشية، وخاصة أساتذة الجامعات أسوة بنظرائهم من الدول المجاورة.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock