ثقافة وفنون

حظيت بمتابعةٍ جماهيريةٍ واسعةٍ.. «أبو شنّار».. فصلٌ مُوجِعٌ من فصول التراجيديا الفلسطينية!

العدد 113

| دمشق- جهينة:

في شخصية «أبو شنّار» العرض الذي قُدّم مؤخراً على خشبة مسرح القباني بدمشق، يعود الفنان المبدع زيناتي قدسية عبر مسرحيته «أبو شنّار» إلى محاكمة تاريخية تقف عند أبرز المنعطفات التي مرّت بها القضية الفلسطينية منذ النكبة الأليمة عام 1948، مروراً بالاتفاقات المذلّة التي ارتضتها بعض الأنظمة العربية للتخفّف من عبء هذه القضية، وصولاً إلى الآن ودعوات التطبيع والتفريط في الأرض بذريعة «تحقيق السلام وقبول الآخر الإسرائيلي»، مُتعامَين عن الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد أبناء شعبنا العربي في غير مكان وزمان.

مونودراما بشكل مختلف

لئن اختار زيناتي قدسية المونودراما شكلاً فنياً لإيصال مقولاته بديكورٍ بسيطٍ وإضاءةٍ اختزلها في ثلاث زوايا، فإن حالة الشلل التي تُقعد «أبو شنّار» وجلوسه القسري طوال العرض على فراشه، كانت الخيار الأكثر تعبيراً عمّا وصل إليه الإنسان الفلسطيني خاصةً والعربي عامةً من يأسٍ وإحباطٍ وإذلالٍ، وقد تكالبت عليه الحدود المصطنعة والرجعيات العربية بفكرها الانهزامي وكياناتها المفككة ووعودها التي استطالت حتى صارت أحلاماً لا تنتهي! إذ بين حلم «أبو شنّار» ويقظته ثمّة مسافةٌ كبيرةٌ للبوح، وبين مخيم جباليا الواقع المُفجع وقرية «إجزم» الماضي المُوجع خيطٌ من الذكريات يبدأ بأمنيةٍ مشتهاةٍ بلقاء الابن «شنّار» الذي سافر إلى عُمان ليعمل ويدفع عن نفسه مذلة الحاجة وبؤسها، كأن العرض يريد أن يقول إن التراجيديا الفلسطينية المُوجعة فتكت بأحلام أبنائها وقد تشتتوا في أصقاع الأرض وتقطّعت بهم سبل العودة، وباتوا (اليوم) أكثر بؤساً وقد شلّتهم اتفاقات العار في «كامب ديفيد» و«وادي عربة» و«أوسلو» وسواها، لكنّ «أبو شنّار» البالغ من العمر 85 عاماً، سيغدو في هذا العرض ذاكرةً خصبةً تتنقل في فضاء الحلم بين البلدان العربية وحدودها التي يتوهم أنها أُزيلت، فيروي للصحفيين في مقابلة تلفزيونية تفاصيل هذا الحلم وأسراره، قبل أن يستيقظ ليجد نفسه في العراء والقصف ينهالُ على قطاع غزة، ولكن المُوجع أكثر هو لقاؤه الافتراضي بابنه في عُمان فلا هو تمكّن من النزول إليه ولا الابن استطاع أن يعانق الأب ويضمّه، في إشارةٍ إلى مرارة ما يمرّ به الفلسطيني من حنينٍ مكبوتٍ للأحبّة الذين تاهوا في غياهب اللجوء، وصار حتى لقاؤهم حلماً مشتهى.

مُعادل بصري

لقد استطاع الفنان المبدع زيناتي قدسية إيجاد مُعادل بصري لكل تلك الأمكنة التي نقلته رياح الحلم إليها، فرأيناه كيف يطير ويحطّ كالطير الجريح هنا أو هناك من حدود البلدان العربية، ويستدعي من إرث تلك البلدان ما يُشعرك بواقعية الحكاية ومنطقية الأحداث وحقيقتها، لكنه بالتأكيد لن ينسى قريته الفلسطينية «إجزم» التي اُحتلت ودُمّرت عام 1948، متمسكاً بحق شعبه الحالِم أبداً بالعودة إلى أرضه، فاضحاً ومعرّياً المتآمرين والخونة وممارسات من تاجرَ بالقضية وتسبّب بمأساة الشعب الفلسطيني.

إدهاش وإبداع

إن السخرية المرّة والمماهاة بين ما هو تراجيدي وما هو كوميدي في شخصية «أبو شنّار» أضفتا قيمةً إضافيةً على حالة الإدهاش في الجملة والقفلة وتعدّد الأصوات في الحوار، سواء بين «أبو شنّار» والصحفيين أو بينه وبين الشخصيات التي صادَفَها في حلمه المذكور. أما خيار المونودراما فكان خياراً موفقاً أبدع فيه قدسية واستكمل فيه ما بدأه في ثمانينيات القرن الماضي، حيث قدّم: (القيامة، الزبّال، غوايات البهاء، الكأس الأخيرة لسقراط)، إضافة إلى أعمال أخرى نذكر منها «فاوست» و«حفلة على الخازوق» وغيرها. كما لا يمكن أن ننسى أن زيناتي قدسية من مؤسّسي المسرح الوطني الفلسطيني ومن الفنانين الملتزمين المسكُونين بالهمّ العربي والفلسطيني، حيث التزم في مجمل أعماله بقضية شعبه العادلة جنباً إلى جنب مع فنانين آخرين، منهم عبد الرحمن أبو القاسم الذي قدّم قبل ثلاثة أعوام عملاً مشابهاً لـــ»أبو شنّار» من نوع المونودراما من تأليف وإخراج داود أبو شقرة بعنوان «تغريدة أبو السلام» بهدف تسليط الضوء على المعاناة الفلسطينية وفضح ما يجري من تهجير وتفريغ للساحة العربية والسورية من الفلسطينيين والسوريين الذين هاجروا لسببٍ أو آخر من بلدان لجوئهم.
جدير بالتنويه أيضاً أن زيناتي قدسية ممثل فلسطيني سوري من مواليد قرية إجزم في حيفا عام 1948، شكّل في ثمانينيات القرن الماضي مع الكاتب الراحل ممدوح عدوان ثنائياً مسرحياً وتالياً أسّسا مسرح «أحوال»، كما قدّم عدداً من الأعمال التي تناولت المأساة الفلسطينية وأخرج مجموعة من الأعمال الجماعية للمسرح القومي كان أبرزها مسرحيته «رأس الغول» التي زاوج فيها بين أعمال الأديبين محمد الماغوط وزكريا تامر. وفي عام 1971 انضّم إلى فرقة المسرح الجامعي المركزية في سورية لمدة أربع سنوات، وعمل في مسرح الهواة «الشباب» بالإخراج والإعداد والتمثيل. وفي عام 1977 عمل على تأسيس المسرح التجريبي، وعام 2002 عيّن مديراً لهذا المسرح، كما عيّن عضواً في نقابة الفنانين عام 1978، وفي عام 1980 عمل ممثلاً في المسرح القومي السوري ومديراً فنياً لفرقة مسرح العمال ككاتب ومخرج، وترأس عدة لجان تحكيم في المهرجانات المحلية والعربية، وشارك في العديد من المهرجانات المسرحية العربية والدولية.
يذكر أن مونودراما «أبو شنّار»، التي حظيت بمتابعةٍ جماهيريةٍ وحضورٍ رسمي واسعٍ لدى عرضها في أكثر من محافظة سورية، من تأليف وإخراج وتمثيل الفنان زيناتي قدسية، وإنتاج وزارة الثقافة- مديرية المسارح والموسيقا.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock