تحقيقات

حكايات صمود وتمسُّك حتى الرمق الأخير بالحياة طموح السوريين تتقاذفه ظروف الحرب والأمنيات البعيدة المُشتهاة!

العدد 113

| جهينة- خاص:

سؤالٌ مشروعٌ لا بدّ أن يطرحه كلٌّ منّا على الآخر، وربما على حشدٍ من الأصدقاء والأهل، وهو يرى كيف تزداد شراسة الحرب وتتعدّد جبهاتها بين ما هو ميداني وما هو اجتماعي واقتصادي، ليتعاظم السؤال أمام آلاف الشبان الذين تركوا جامعاتهم وأحياءهم وبلداتهم وهبّوا للدفاع عن الوطن: ما هي طموحاتنا (اليوم)، وإلى أين وصلت، وما هي أوجهها بعد انقضاء ثماني سنوات من عمر الحرب؟ وربما تعبّر بعض الوجوه المُندفعة بفرحٍ نحو المدارس والجامعات والمعاهد والمنشآت الصناعية والتجارية بمختلف مستوياتها عن أملٍ مفعمٍ وحكاية صمودٍ ورغبةٍ بالتمسّك بالحياة حتى الرمق الأخير، بينما وجوه أخرى يعتريها الحزن والإحباط، وتتقاذفها ظروف الحرب والأمنيات البعيدة المُشتهاة، وبالتأكيد لن تكون هذه الطموحات على نسق واحد، أو يمكن قياسها بمقياس واحد، وذلك عائد إلى جملة من الفروق الجماعية والفردية لأبناء المجتمع الذين يتفقون على أمنيةٍ واحدةٍ بأن تنتهي الحرب، ويعمّ الأمن والأمان، ويعود كلٌّ منهم إلى حياته الطبيعية بعيداً عن حمّى القلق والانتظار.. هو سؤال طرحته «جهينة» على شرائح مختلفة وعينات عشوائية، لتقف على حقيقة هذه الطموحات، وما الذي تغيّر من العوامل المؤثرة فيها.

اختلاف في الأهداف

تعرّف الدراسات الاجتماعية الطموح بأنه عبارة عن ذلك الهدف الذي يريد شخصٌ معيّنٌ القيام بتحقيقه خلال حياته وعلى جميع الأصعدة، كما يمكن تعريف الطموح بأنه ذلك المستوى الذي يريد المرء أن يقوم بالوصول إليه في حياته، حيث يقوم من خلاله بإنجاز أعماله اليومية وتحقيق أهدافه الاستراتيجية، كما لا بد من الإشارة إلى أنّ الطموح يختلف بين الأفراد وذلك من حيث الأهداف التي يسعى كل فرد لتحقيقها، وكذلك من حيث الضغوط والصعوبات التي قد يجابهها المرء للوصول إلى أهدافه، ويمكن تقسيم الطموح إلى أنواع متعددة بناءً على الفرد أو المجتمع الذي يسعى إلى تحقيقه، ومن أنواعه «الطموح الاجتماعي» وهو ذلك النوع الذي يتعلق بطموحات الجماعات والشعوب، فالشعوب المتقدمة تختلف في طموحاتها عن الشعوب الفقيرة، كما أنّ الطموح الاجتماعي قد يشير إلى طموح فئةٍ معينةٍ أو جيلٍ معينٍ من النّاس داخل المجتمع الواحد. أما «الطموح الفردي» فهو الطموح الذي يتعلق بشخص معيّن فقط، ويختلف هذا الطموح لدى الناس تبعاً لاختلاف أعمارهم أو حتى مجالات حياتهم المختلفة، فبعض الناس لديه طموح اقتصادي وبعضهم الآخر لديه طموح سياسي أو حتى مهني أو رياضي أو نفسي أو غيرها من الأمور الكثيرة التي يطمح الناس إليها ويسعون إلى تحقيقها.

أمنية وحيدة

المصير المجهول الذي ينتظر آلاف الخريجين الجامعيين كفيلٌ بإجهاض كل طموح!

يختزل الشاب مهند شحادة (سنة رابعة هندسة ميكانيكية) طموحه بأمنيةٍ وحيدةٍ هي أن يتخرج في الجامعة بمعدل ممتاز والانطلاق إلى سوق العمل ومن ثم تكوين حياة ومستقبل حَلمَ بهما منذ أيامه الأولى في الجامعة، وترافقت أمنيته هذه مع ما كانت تعانيه مدينة دمشق من قذائف وتفجيرات إرهابية، مؤكداً أن طموح الشباب السوري ما زال متوقداً رغم قتامة السنوات الثماني الماضية، فالعدد الكبير للطلبة في مختلف الكليات يشير إلى إيمانهم بإمكانية تحقيق طموحاتهم، ولو بالحدّ الأدنى.
ويستنكر «شحادة» طموح عددٍ لا يُستهان به من الشبان السوريين ورغبتهم بالهجرة وترك البلاد لمصيرها، ملمحاً إلى سلّة الإغراءات التي قدّمتها بعض الدول الأوروبية لتشجيع الشباب على الهجرة، وتالياً استنزاف العقول والكفاءات التي يجب أن تستثمر إمكاناتها في سورية لا خارجها.
أما المجند أيمن عبيدو، الذي أمضى خمس سنوات في الخدمة الإلزامية ويقف (اليوم) على أحد الحواجز في مدينة دمشق بعد ثلاث إصابات في المعارك، فيطمح إلى العودة إلى قريته في ريف حماة، وأقصى طموحاته –كما يقول- أن يضمّ أمه التي يشتاق إليها حدّ الوجع، وهو الذي لا يراها إلا كل ثلاثة أشهر، وتدمعُ عيناه حين يتذكر إخوته وأخواته وذكرياته معهم، مؤكداً أن طموحه الآخر أن يعود لإتمام دراسته في كلية الحقوق التي انقطع عنها مع التحاقه بالخدمة الإلزامية، وفي الوقت نفسه ينوّه بالروح المعنوية العالية والإرادة القوية التي ميّزت عدداً كبيراً من الرفاق والأصدقاء الذين خدموا معه في أكثر من منطقة، وكانوا يتوقون لّلحظة التي تنتهي فيها الحرب ليعودوا إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم.

مجتمع سليم معافى

السيدة أم ناصر (عاملة في مشغل خياطة)، والتي تعيل أسرةً مكوّنةً من أربعة أبناء، تؤكد أن لا طموح لديها إلا أن يعيش أبناؤها بكرامةٍ ومن دون حاجةٍ إلى أحد، فقد توفي والدهم قبل الحرب بمرضٍ عضال، واختارت هي أن تعمل في مشغل الخياطة لأن راتب الأب لا يسدّ الاحتياجات المتزايدة للأبناء بفعل الحرب، مشيرةً إلى أن ابنها (طالب بكالوريا) يساعدها أحياناً في مصروفات البيت من خلال عمله في محل لبيع الألبسة المستعملة.
حالة «أم ناصر» تشبه حال آلاف النساء السوريات اللواتي بعثرت الأحداث آمالهن وطموحاتهن بعد أن فقدن المعيل، وباتت هذه الآمال والطموحات رهناً بعودة البلاد إلى ما كانت عليه، فالغلاء الفاحش –كما تقول أم ناصر- وقلة فرص العمل، فضلاً عن ارتفاع إيجار البيوت للعائلات المهجّرة، والحصار الجائر المفروض على سورية، كلها أمور ساهمت في اغتيال طموح السوريين، وقضت على أبسط أمنياتهم وأحلامهم. ولكن على النقيض منها ترى الشابة خلود بدر الدين (مدرّسة اجتماعيات) أن الحرب زادت من قوة السوريين وقدرتهم على التحدّي، والدليل هذا التماسك الاجتماعي الذي اهتز قليلاً لكنه لم يتأثر أو يتهدّم، فما نراه حالياً في الكثير من المدن والمناطق، ولاسيما التي حررتها قواتنا المسلحة، يشي بفشل الأعداء وعصاباتهم الإرهابية في تفتيت البلاد، ومن الطبيعي –كما تقول- أن تطفو على السطح وجوه بعض الفاسدين وأذرعهم التي تحاول أن تتاجر بهموم السوريين وتقتات على عذاباتهم، لينفلت الغلاء والفساد من عقاله، ويُوقعنا هؤلاء في أزماتنا المعيشية الخانقة.
وعن طموحها تؤكد « بدر الدين» أن السنوات الماضية أجبرتنا على أن نكون جسداً واحداً يطمح فقط إلى حالة الاستقرار والطمأنينة والأمان، متمنيةً أن تولي الجهات الرسمية والدوائر الحكومية اهتماماً أكبر للتلاميذ في مدارسهم، فأطفال الحلقة الأولى من التعليم الأساسي (اليوم) هم بحاجةٍ ماسّةٍ لدعم نفسي يؤهلهم للاندماج في مجتمع يجب إعداده ليكون سليماً معافى وقد عانى كثيراً من ويلات الحرب، واستشرت فيه ظواهر ومشكلات ينبغي دراستها بتأنٍ ومسؤوليةٍ، مشيرةً إلى أن طموحات الكثير من زميلاتها وزملائها المدرّسين تنحصر في المساهمة بإعادة الاعتبار للمدرسة وتأهيل نفوس التلاميذ الذين تأثروا بشكل أو آخر بتداعيات الحرب البغيضة.
ويعود العمّ محمود (سائق تكسي- 67 عاماً) لاستذكار الفترة التي سبقت الحرب، وكانت سورية فيها قُبلة للزائرين وأفواج السياح، مؤكداً أن الحرب حدّت وعصفت بطموحات السوريين وآمالهم، حيث تفرّقوا بين مهجّر ولاجئ ونازح، ولم يبقَ أمام كثير منهم إلا البقاء في الوطن حفاظاً على ما تبقى لهم فيه من ذكريات الماضي، ولذلك يرفض «العمّ محمود» لجوء الشباب إلى الهجرة حتى لو كان هذا طموحهم، مشيراً إلى أن لديه ثلاثة أبناء، اثنان منهم يؤديان الخدمة الإلزامية، فيما يستعد الثالث للتقدم لامتحانات الشهادة الثانوية، قائلاً: لقد منعتهم من التفكير بالسفر والهجرة، لأن ذلك يعدّ هروباً من الدفاع عن الوطن، وقررت معهم أن نتمسّك بالبقاء هنا رغم الظروف القاهرة التي سبّبتها الحرب والحالة المعيشية المُتردية، مكتفياً بما ادخرته لمثل هذه الأيام الصعبة، مضيفاً: أما طموحي فهو أن يعود ابناي سالمين، وكذلك كل جندي سوري إلى أهله وعائلته، وأن ينجح ابني في امتحانات الثانوية، وأبقى بتمام صحتي وعافيتي، ويستمر عملي على السيارة التي توفر لنا الحدّ المعقول من معيشتنا اليومية.

قلق وإرهاق نفسي

الحرب عصفت بطموح الشبان السوريين وآمالهم فتفرّقوا بين مهجّرٍ ولاجئ ونازحٍ!

 

الشاب حسان علي (موظف في محافظة دمشق) يلخص طموحه بالرغبة بالهجرة والالتحاق بأصدقائه وجيرانه الذين يحدّثونه باستمرار عن «الرفاهية» التي يعيشونها في ألمانيا بعيداً عن المشكلات الاقتصادية المتفاقمة والتي تعاني منها البلاد، وأولها البطالة وندرة المساكن وغلاء أسعارها الجنوني، حتى بيوت الإيجار باتت حلماً لمئات الآلاف من الشبان الباحثين عن الاستقرار، فأقلّ إيجار لبيت متواضع حول أطراف المدينة لا يقلّ عن 50 ألف ليرة، أي أكثر من راتب موظف، مشيراً إلى مشكلته التي تشبه إلى حدّ كبير مشكلة الكثير من الشبان الذين أمضوا أكثر من خمس سنوات في وظائفهم بعقودٍ سنويةٍ وموسميةٍ، وحتى الآن لم يتم تثبيتهم، متسائلاً بحسرةٍ وقلقٍ: ما الذي يشجع على البقاء برأيكم؟ مؤكداً أنه لولا أنه الابن الوحيد لأبويه العاجزين وأختيه المتزوجتين كلّ واحدة في محافظة لهاجر منذ بداية الحرب.
أما خالد الأسود (طالب في كلية العلوم السياسية) فيؤكد أن أقصى طموح له هو التخرج في الجامعة والالتحاق بالخدمة الإلزامية بعد أن هدأت نيران الحرب، مشيراً إلى أن المصير المجهول الذي ينتظر آلاف الخريجين الجامعيين كفيلٌ بإجهاض كل طموح، الذي تحوّل من حلمٍ كبيرٍ إلى أمنية صغيرة جداً هي تأمين احتياجاتنا اليومية الأساسية من مأكل وملبس وأجور انتقال ومواصلات، مضيفاً: لقد أثّر القلق الذي نعيشه في تحصيلنا العلمي، فما عاد أحدٌ منّا يفكر بإتمام تحصيل الدراسات العليا، بل بات همّه الأوحد هو التخرج بأي معدّل كان. ويتابع بالقول: قبل بداية الحرب كان لديّ طموح بأن أحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية وهو الاختصاص الذي أحبّه، لكن الآن كل شيء تغيّر بسبب القلق والإرهاق النفسي الذي يعاني منه الأغلب الأعمّ من الشبان السوريين.
ويوافقه الرأي يوسف الحاج علي (زميله في الكلية) الذي عاد إلى الدراسة بعد تسريحه بنسبة عجز 45%، بالقول: حالة القلق التي نعيشها مردّها المصير المجهول عمّا ينتظرنا بعد التخرج في الجامعة، وهي بالطبع ليست مشكلةً جديدةً، فكثير من خريجي الجامعات ونتيجة قلّة فرص العمل والوظائف الحكومية أو الخاصة يعملون بمهنٍ لا تمتّ بصلة إلى اختصاصاتهم، فأحد أصدقائي يحمل شهادة «ليسانس» بالفلسفة يعمل حالياً «كومجي»، وآخر دبلوم تربية يعمل في محل «موبايلات»! ويتساءل يوسف: هل هناك من مساحة للطموح في هذا الواقع المُزري؟ أعتقد لا، وحتى لو افترضنا أن من حقنا أن نطمح إلى مكانةٍ تليقُ بما قدّمناه، سواء في التمسك بالدراسة أو الالتحاق بالخدمة الإلزامية، هل سيسمح لك بعض أصحاب النفوذ الذين استأثروا بالوظائف الحكومية لأبنائهم وذويهم والمحسوبين عليهم بأن تنافسهم على هذه الوظائف، أيضاً أقول لا.. لن يسمحوا لك بذلك! مضيفاً: لذلك فإن طموحي الآن فقط هو البحث عن رغيف الخبز وتأمين العلاج الطبي ومساعدة والدي في نفقات البيت، وربما تخرّجي في الكلية يوماً ما.
وتكتفي الشابة مروة إسماعيل (طالبة تاريخ) والتي تعمل في محل لبيع الإكسسوارات بأمنيةٍ واحدةٍ لا غير، فهي –كما تقول- طوت طموحها منذ سنوات وأقفلت عليه باب خزانتها، تلك الأمنية التي تشتهي بأن تتحقق قريباً هي وصول «الفيزا» من خطيبها الذي هاجرَ قبل أربع سنوات إلى كندا، لتلتحق به في مغتربه، مضيفةً: في حال لم أكمل دراستي في الجامعة فإن أمنيتي أو حلمي الآن الذي يعدّ أكبر من طموح بأن انضم إلى خطيبي في كندا، لأننا لو بقينا هنا لن نتزوج أو نبني مستقبلنا.
وتختم مروة قائلةً: صحيح أن الغربة مرّة وصعبة وفيها بعدٌ عن الأهل والأصدقاء والأحبّة، لكنها الحل الوحيد لكي نحقق طموحنا الذي كنا نسعى لتحقيقه قبل سنوات الحرب وإنقاذه من بين ركام حياتنا التي تزداد قسوةً مع الغلاء الفاحش وفقدان الحاجات اليومية الكفيلة بحياةٍ مقبولةٍ بحدّها الأدنى.

طموح مفقود

في حديث له يؤكد د. محمد تركو الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق أن هناك ظروفاً صعبةً وقاهرةً تحول دون تحقق طموح السوريين، وخاصة الشباب منهم، في ظل استمرار الحرب الظالمة على البلاد والحصار المُضني المفروض على وطننا، مضيفاً: لعلّ أكثر المشكلات التي تواجه الشباب (اليوم) هي: السكن، التخرّج في الجامعة، الحياة المعيشية الصعبة، البحث عن الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن همّ الحصول على وظيفة، حيث نرى حشود الشبان أمام الإدارات الحكومية والوزارات بحثاً عن عمل، سواء كتشغيل مؤقت أو عبر المسابقات المُعلنة، وهرباً من العمل لدى القطاع الخاص، إذ يتعرض بعض أولئك الشبان للابتزاز وممارسة أعمال بعيدة عن اختصاصاتهم الجامعية، إضافة إلى معوقات عدة نذكر منها: عدم توفر شروط العمل اللائقة، وغياب التأمين وعدم المتابعة القانونية لعمل المنشآت الخاصة، وساعات العمل الطويلة، لذلك بدأنا نرى موجات هجرة الشباب التي باتت حلماً يسعون إليه جاهدين لتحقيقه. وتابع د. تركو: إن تقهقر طموح الشباب خاصةً والسوريين عامةً مردّه إلى عدم الثقة بالمستقبل، ولاسيما إذا علمنا أن طموح الشاب في الحياة العادية هو الزواج وبناء أو الحصول على بيت وتكوين أسرة، وهذا الأمر صار شبه مستحيل في ظل غياب المشروعات التنموية وندرة فرص العمل وغلاء البيوت والعقارات والإيجارات التي تفوق قدرة حتى أصحاب الدخل المتوسط، لذا يرى د. تركو أن هذه الموضوعات ينبغي إيلاؤها الاهتمام الأكبر حتى نُبقي ولو بصيص أمل لآلاف الشباب الباحثين عن طموحهم المفقود، وذلك عبر إيجاد مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، بل الإكثار من هذه المشروعات في الريف والمناطق النائية لمساعدة هؤلاء الشباب على تأمين متطلبات الحياة الأساسية والارتقاء أكثر بمعيشتهم.

طموح الشباب السوري ما زال متوقّداً رغم قتامة السنوات الثماني الماضية

أما عن مخاطر غياب طموح الشباب، فيشير د. تركو إلى أن هناك مخاطر كثيرة يجب الوقوف عندها والبحث في مواجهتها، فعزوف الشباب عن الزواج مثلاً سيزيد نسبة العنوسة ويُحدث خللاً ديموغرافياً في نسبة الذكور إلى الإناث، كما ستبرز مشكلة التباعد بين أفراد الأسرة الواحدة، فالابن المهاجر سيخلّف وراءه أبويه ما يمكن أن يؤدي إلى مشكلات نفسية، مع مشقات السفر والهجرة وقلق الأهل للاطمئنان على مصير أولادهم، بل إن هناك أبناء وُلدوا في فترة الحرب لأمهات ينتظرن من أزواجهن المسافرين «فيزا» لمّ الشمل، أضف إلى ذلك أن الشريحة الشابة هي الأكبر في سورية ومعروف عن مجتمعنا أنه مجتمعٌ فتيٌّ، إذ إن هجرة نسبة كبيرة من هذه الشريحة، وخاصة الكفاءات العلمية، ستؤخر عمليات التنمية والإنتاج وتحرمُ البلاد من عقول وخبرات في مسيرة إعادة الإعمار، ولذلك يؤكد د. تركو أن تحصين الشباب والمجتمع السوري عموماً، اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، سيعزّز طموح السوريين كلهم، ويحدّ من الهجرة واستنزاف الكفاءات، وهذا يستدعي وضع خطط إسعافية وأخرى استراتيجية جنباً إلى جنب مع خطةٍ وطنيةٍ تشاركيةٍ بين مختلف القطاعات تستثمر ما نملكه من رأسمال بشري وقوة اقتصادية نحن الأحقُ بها لا غيرنا في بلدان اللجوء والمغتربات.

أخيراً..

هي بعض حكايات الطموح الذي توارى خلف أوار الحرب، ليظهر ويتجلّى بين فينةٍ وأخرى في روح ذلك الشاب أو قلب تلك الفتاة أو في نَفَس هذا الرجل العجوز أو عين تلك المرأة التي تنتظر عودة أبنائها الغائبين، وفي ظل هذا كله لابدّ من بصيص أملٍ مستمرٍ تتواصلُ معه حكايات الصمود والتمسك بالحياة رغم أنف الحرب.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock