آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

«دم النخل».. ليس الآن!.. بقلم عمر جمعة

 

بعيداً عن الحملات المحمومة التي دافعت أو تلك التي استنكرت ورفضت ما جاء في فيلم “دم النخل”، والمهاترات والشتائم والاتهامات والآراء التي انتشرت في بعض وسائل الإعلام وعلى المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى هذا الدرك المُخزي والمُخجل والذي لا يعبّر عن احترامٍ لقيمة الاختلاف البنّاء والنقاش الحرّ والموضوعي، لا بدّ أن نكون جميعاً واقعيين في هذه المرحلة الصعبة على بلادنا، ونضع الأمور في سياقها الصحيح بعيداً عن التشكيك والتعصّب والانحياز الأعمى غير المستند إلى قرائن ودلائل تنصفُ هذا الطرف أو ذاك، وهذا ليس إقراراً بأيّ انقسامٍ يمكن أن يُحدثه عملٌ فني أو أدبي في مجتمعٍ واعٍ كالمجتمع السوري، خاصةً أنّ المؤسسة العامة للسينما والمخرج نجدة أنزور أدركا فداحة ما يمكن أن تصل إليه الأمور بعد جرّ الاختلاف إلى منحى طائفي بحت، استطاع بعض الصائدين بالماء العكر تأجيجه حتى يؤول إلى هذه الحال وهذا المستوى المُفجع.
نزعمُ أنّ حق الاختلاف يبيحُ لشريحةٍ بعينها الاعتراض أو رفض منتجٍ فني أو أدبي ترى أنه يسيء إليها أو ينتقصُ من قَدْرها ومكانتها وربما تاريخها، وفي الوقت نفسه يبرّر ما قامت به المؤسسة والمخرج، ودرءاً لأيّ تصعيد، بتأجيل العرض الجماهيري وإصدار بيان توضيحي أشارا فيه إلى أنه وبعد العرض التجريبي الأول للفيلم على الصحفيين والإعلاميين وإجراء المؤتمر الصحفي لفتح باب النقاش للوقوف على آراء من نثقُ بدعمهم لكل مشروعٍ وطني وحرصهم على مُنتجنا الفني من حيث المحتوى والشكل، استمعنا بكلّ انتباه للآراء والنقد الإيجابي والسلبي. ولأننا حريصون كل الحرص على أن تصل الرسالة الوطنية بشكلها الصحيح إلى كلّ شرائح مجتمعنا السوري المنوّع والمتكاتف بكل أطيافه وخاصةً أهلنا في كل المحافظات التي قدّمت أغلى ما تملكُ في سبيل عزة الوطن ورفعته، فقد ارتأينا تأجيل العروض الجماهيرية للفيلم حتى يتسنى لنا دمج الآراء التي جمعناها ليخرج الفيلم بصيغته الجاهزة ويُعرض للجمهور، منسجماً مع قيمة وقداسة كل تلك التضحيات، فهدفنا من هذا الفيلم هو إبراز دور الجيش العربي السوري العقائدي الذي ينتمي أبناؤه إلى كافة شرائح المجتمع السوري في محافظاته كلها، والذي علّم العالم معنى الشجاعة والبسالة والتضحية، وقدّم قوافل من الشهداء والجرحى، ولمن لم تصل إليه رسالتنا كاملةً أو وصلت غير كافية نعدكم بأننا نقوم منذ انتهاء العرض بإجراء المراجعة الكاملة لنقدم لكم عملاً فنياً تفتخرون به.
أما توضيح الكاتبة ديانا كمال الدين فقد ورد فيه: «لقد استمعنا بعد العرض إلى آراء من نعتبرهم شركاء في الفن والوطنية لكي نستفيد من نقدهم السلبي قبل الإيجابي، وذلك قبل إطلاق الفيلم في العروض الجماهيرية، كثيرٌ منهم كانوا على قدر المسؤولية وواجهونا مباشرةً بآرائهم، وأقليّة استغلت هذا العرض التجريبي لتغتال الفيلم حتى قبل ولادته إلى الجمهور، أحد الإعلاميين من الشرفاء وهو من السويداء لفتَ نظرنا مباشرةً بعد العرض إلى أن لهجة أحد الجنود ظهرت بلهجة أهل السويداء، وهذا الجندي كان خائفاً أمام الموت، وأوضح أن هذا المشهد استوقفه لأنه من أهل السويداء، فشكرناه كما شكرنا غيره ممن أعطوا نقداً موضوعياً له كل الاحترام. وأضافت: المكتوب في السيناريو أنّ حوار هذا الجندي هو باللهجة البيضاء، أي إنه من الممكن أن ينتمي إلى أي محافظة وإلى أي منطقة، بقصد أننا بالنهاية كلنا بشرٌ نخاف ونحزن، نفرح ونتألم، ولا يمكن أن نصفَ شعور من يواجه الموت، والذي حدَثَ هو أنّ الممثل الذي قام بدور هذا الجندي هو من السويداء وقد تحدّث بلهجته بعفويةٍ، ولأنّ ليس بيننا أحدٌ في فريق العمل من فنيين وفنانين يفكر بعقليةٍ ضيقةٍ طائفيةٍ أو مناطقيةٍ فلم نتوقف عند لهجته أثناء التصوير، خصوصاً مع وجود تنوّع باللهجات في الفيلم نتيجة لانتماء جنود الجيش السوري إلى كافة المحافظات السورية».
إذاً، هذا اعترافٌ صريحٌ بالخطأ من كادر الفيلم، كان من المفروض أن يقابله أيضاً إحجامٌ من المتهمين والمُشككين عن مواصلة التجييش وتحريض الجمهور ضد الفيلم وصنّاعه، وبالتالي الدفع إلى إفهام الآخرين بأنّ مجتمعنا هشّ بشكل مُرعب يمكن لأي فيلمٍ أو مسلسلٍ أو عملٍ إبداعي مثيل التأثير في وحدته الفكرية والاجتماعية.
أما عن رأينا فإننا نقولها وبجرأة: إنّ الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الفيلم، وفتحَ المجال للمتربّصين المُنتظرين مثل هذا الخطأ لإثارة ردود الأفعال واللعب على التباينات الطائفية أو المناطقية، كان لابد من الانتباه الشديد له قبل العرض، أقلّه من الجهات الرقابية في المؤسسة العامة للسينما التي تعي أنّ الجيش العربي السوري هو أهم عنوان من عناوين وحدة شعبنا، وأنّ أيّ مساس بهذه الوحدة ستفضي إلى الحال التي وصلنا إليها، مؤكدين أن مثل هذه الاختلافات والتباينات ليس وقتها الآن.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock