زوايا

رأي: نوافذ رياح الخراب المفتوحة!

بقلم د. محمود شاهين

ينخرطُ السوريون، الذين ما زالوا صامدين رغم كل أشكال المعاناة الشديدة والمتنوعة الضاغطة على أبدانهم وأرواحهم، هذه الأيام في حواراتٍ متشعّبةٍ ومتباينةٍ وبصوتٍ عالٍ حول العديد من القضايا والأمور التي تمسُّ حياتهم اليوميّة من جهة، وحياتهم الثقافيّة التي لم تفتُر همّتها، ولم يضعف حضورها في هذه الحياة من جهةٍ ثانيةٍ – بغضّ النظر عن مستواها المتواضع واستخدامها من قبل بعض المسؤولين لتلميع صورتهم والاحتفاظ بكراسيهم- مؤكدين من خلال هذه الحوارات إصرارهم على اجتراح فعل الحياة والتشبُّث بأرضهم، وحرصهم على حماية وطنهم من المؤامرة العالميّة الخبيثة الهادفة إلى تمزيقهم شعباً وأرضاً، والعمل على بقائه حراً، قوياً، مُصاناً، عزيزاً، كريماً، مستقلاً.. وجميلاً، خالياً من فئة النرجسيين الفاسدين الذين كانوا وما زالوا في مقدمة الأسباب التي أوصلته إلى حافة الهاوية.
بعد الزلزال الذي ضربَ بلادهم، أدرك السوريون أن التفريط بالثقافة الوطنيّة التنويريّة التقدميّة العلميّة هو تفريطٌ بالأمن الوطني، وهذه حقيقةٌ باتت أعلى الجهات المسؤولة في الدولة تُقرُّ وتعترفُ بها، لكن لا تعملُ أيّ شيء لنشرها وتعميمها بين الناس. أما المواطن الذي يكابد ويعاني شتى أشكال وألوان الضغوط على بدنه وروحه، ويُصرّ -رغم ذلك- على التجذُّر في أرضه ووطنه، كي لا يعطي الفرصة للمتآمرين لتحقيق مآربهم، هذا المواطن يبدو أنه مضطر لأن يتحمّل أخطاء الجهات الخاصّة والعامّة، التي حجّمت وأهملت وأقصَت ثقافة الحياة والنُّور والعدل والتقدم لصالح ثقافة الخراب والظلام والجهل والتخلّف، التي كانت تنشطُ بشكلٍ علني وسرّي في أكثر من مرفقٍ اجتماعي من دون أي مبادرة من قبل الجهات الرسميّة «بما فيها المنظمات الشعبيّة والنقابات المهنيّة» لتحجيمها ووضع حدٍّ لها، الأمر الذي أوصل البلاد إلى أزمتها الراهنة. من هنا تتساوى الجهات الرسميّة والخاصّة، التي تدّعي تبنّيها ووقوفها إلى جانب ثقافة الحياة، ولم تعمل على تفعيلها وتعميمها بين الناس، في تحمّل مسؤولية عمّا حلّ بالبلاد من تدميرٍ وخرابٍ، إضافةً إلى العوامل والأسباب الأخرى الداخلية والخارجية. هذه الحقيقة بدأت تتكشّفُ بقوةٍ وجلاءٍ يوماً بعد يوم، ما يحتّمُ وضع مشاريع وخططٍ عاجلةٍ وناجعةٍ، تستأصلُ كل أشكال حواضن الفكر التكفيري العفن من جذوره، وتُقاضي في الوقت نفسه الجهات التي ساهمت -بقصد ومن دون قصد- في نموه ونشره وتعميمه «لاسيّما الجهات الثقافيّة والإعلاميّة والتربويّة التي أوكلت لها مهمّة توعيّة الجيل الشاب وتحصينه ضد ثقافة الجهل والخراب، وأهملت هذه المهمّة بشكلٍ يدعو للريبة والتعجب». على هذا الأساس، وإذا كنّا حقاً نريد الخروج من المصائب والويلات والخراب الذي نزلَ بسوريّة والسوريين منذ نحو ثماني سنوات، ومازال يفعلُ فعله العاطل والمُدمّر في حياتها وحياتهم، علينا الإقرار بهذه الحقائق، والمبادرة العلميّة المدروسة والفاعلة الرامية إلى خلخلتها تمهيداً لإزالتها والقضاء عليها كلياً، وبالتالي التوقّف مطوّلاً عند قصر نظر بعض الذين ارتهنوا للخارج، وقَبِلوا المُساهمة في تدمير بلدهم والإساءة إلى ناسه من أجل حفنةٍ من الدولارات، يدفعهم إلى ذلك فكرٌ ضلالي تكفيري إقصائي تسرّب إلى عقولهم بتأثير جملةٍ من العوامل، منها البيئة الفقيرة التي عاشوا فيها، وتهميش وإهمال الدولة ومؤسساتها التربويّة والثقافيّة والفكريّة والاقتصاديّة لهم، وذلك بتركهم فريسةً بين أيدي مُتبنّي الفكر الظلامي التكفيري المتخلّف، ليحوّلوهم إلى قنابل موقوتة! والغريب العجيب أننا -كما تشير الوقائع والمعطيات- لم نستفد حتى الآن من هذا الدرس القاسي، بدليل استمرار عملية إقصاء الثقافة التنويريّة، والفكر التقدّمي، والوعي الحضاري المُنفتح، وغضّ النظر عن حراك الفكر الآخر، الذي ما زال ينشطُ في العديد من المرافق تحت سمع الدولة وبعلم مؤسساتها وضمنها، من دون أن تبادر بوقفه أو الحدّ منه لأسباب كثيرةٍ، أهمّها وأبرزها الفساد المُستشري والنامي فيها علناً وتحت الضوء والحماية!.
الخطر القاتل والمُدمّر، لا يزال موجوداً حتى (اليوم) بين ظهرانينا.. فمؤسساتنا المعنيّة بتربية الأجيال ونشأتها النشأة الوطنيّة الصحيحة والسليمة مازالت تغضُّ النظر عن تمرير ثقافة الاستهلاك والسطحيّة والظلام والتخلّف إلى الأجيال الشابة، وكذلك مؤسساتنا الثقافيّة والإعلاميّة مازالت محكومةً بالسطحيّة والارتجال والبيروقراطيّة، وتغصُّ بالانتهازيين والوصوليين ومُقتنصي الفرص، الذين نهبوا البلد أيام استقراره وأمانه ورخائه، وغادروه بالخيرات التي نَهبَوها منه بمجرد شعورهم بقدوم العاصفة التي فعلت فعلها العاطل في بشره وشجره وحجره، ويقومُ من تبقّى منهم، أو وُلدَ من رحم الأزمة، بمتابعة عملية نهب واستنزاف ما بقي من خيرات البلد، ما يحتّمُ علينا الفرز الصحيح والسليم بين المخلص، الوفي، الغيور على أرضه وتاريخه ووطنه ومستقبله، وبين الانتهازي الوصولي الذي سخَّر وطنه وأهله لإرضاء نرجسيّته المريضة، وبالتالي العمل الجاد والمدروس على تعميم الفكر التنويري المُشبع بالعدل وحُبّ الوطن والأرض والحياة والآخر، وهذا الأمر للأسف لم يتم الاشتغال عليه كما يجب حتى الآن، بدليل عدم حدوث أيّ تغييرٍ يُذكر على خطاب وأداء المؤسسات التربويّة والتعليميّة والثقافيّة والإعلاميّة والتنمويّة الرسميّة، ويُشير إلى تدارك المؤتمنين عليها لهذا النقص، والمبادرة بوضع الخطط والمناهج والدراسات الكفيلة بتغيير الواقع القائم والمزروع بالفخاخ والقنابل الموقوتة!.

المطلوب من السوريين جميعاً (اليوم)، وبسرعةٍ وجدّيةٍ وحزمٍ وقوةٍ لا تُهادن ولا تُجامل، المبادرة باستئصال حواضن الفكر الظلامي التدميري من مرافق حياتنا كافةً، تمهيداً وتوطئةً لإزالة هذا الفكر نفسه من عقول أطفالنا وشبابنا داخل الوطن وفي الشتات، فهُم يشكّلون منصّات نهوضه، ووسائل صون مستقبله، ووسائط توفير أمنه، وروافع تحقيق استقراره. وبالتالي علينا العمل بجدّيةٍ وقوةٍ وعزمٍ على إطلاق فكرٍ إنساني وطني حقيقي جديدٍ وسليمٍ، ينتصرُ لثقافة الحياة، ويحاربُ ثقافة الموت والخراب، فكرٌ يُؤمن بوجود الآخر وحقه المُصان والمحفوظ بالمواطنيّة الكاملة غير المنقوصة، ما دام يعمل تحت سقف الوطن بالطرق المشروعة والتنافسيّة الشريفة، العادلة، النبيلة، القائمة على الكفاءة الحقيقيّة والإيمان الراسخ بأنّ الوطن يتسعُ للجميع، وفيه من الخير ما يكفي الجميع، وفي الوقت نفسه يضمُّ من النخب الفكريّة والعلميّة والفنيّة والأدبيّة والسياسيّة، وتكتنز أرضه موروثاً حضارياً رفيعاً يُؤهّله لأن يكون عقل الأمة ونبراسها وطليعتها. ولتحقيق هذه الحالة السوريّة النهضويّة التي تُشكّل الرافعة الأساسيّة لإعادة بناء الوطن بشراً وشجراً وحجراً، ولكي نضمن الوصول به إلى مستقبلٍ آمنٍ مفعمٍ بالخير والحق والعدل والجمَال، علينا التدقيق بأهليّة الذين تُوكل إليهم مهمّة قيادة المؤسسات التربويّة والتعليميّة والثقافيّة والإعلاميّة، والتأكد من خلفيتهم الفكريّة والعقائديّة والعلميّة التخصصيّة، ومدى صدق ارتباطهم بوطنهم وحُبّهم لناسه، كلّ ناسه، وغِيرتهم على وحدته أرضاً وشعباً، إذا كنّا نريد حقاً إغلاق النوافذ التي جاءت منها رياح الخراب التي عصفت بسوريتنا، حاملةً لها كل هذا الدمار غير المسبوق!.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock