آخر الأخبارإصدارات جهينةزوايا

رائحةُ الباذنجان والياسمين!بقلم د. غالب خلايلي

 

في زيارتي إلى دمشق، صيف 2015 الدامي، رأيتُ مُعاناة الناس الجمّة في تدبير شؤون حياتهم وفي الحفاظ عليها من المخاطر الطارئة، ورأيت أيضاً أنّ كثيرين على قدر المسؤولية، لكنّ آخرين ليسوا كذلك، وأولى الملاحظات كانت تتعلّق بالماء.
الماء نعمةٌ لا يمكن لمخلوقٍ أن ينكرَ فضلها، وهو يتعرّف إليها مجدداً حينما يبدأ الماء بالشحّ أو الانقطاع. حصل هذا كثيراً، وعرفنا أن نقطة الماء الواحدة مهمّة جداً، وينبغي ألا «تراقَ» كيفما كان، وقد أدركتِ المعارضة «المسلّحة المعتدلة!» أهمية الماء، فراحتْ تقطعه وتخرّب أنابيبه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولم تترك وسيلةً يمكن أن تُؤذي الناس في كل شؤون حياتهم إلا وقامت بها (وكم هو مُزرٍ أن يفكر أيّ شخصٍ بأنّ الدولة يمكن أن تسمّم الماء كما شاع في وسائل التضليل). لكن حينما عادت الحياة إلى أنابيب المياه لاحظنا أن بعض الناس يبالغ في النظافة، فلا يروقُ له تنظيف دُوره وشرفاته إلا شطفاً، كما لا يروقُ لبعضٍ آخر سوى أن يملأ مسبحه الكبير، وكأننا نصبُّ من بحرٍ، علماً أننا نرى بلداناً حولنا تكاد تموت من العطش، وأننا اختبرنا الأمر بأنفسنا، وعرفنا أنه يمكن الحصول على نتيجةٍ مقاربةٍ باستخدام كميةٍ قليلةٍ من الماء من أجل التنظيف، ويمكن ابتداع وسائل توفير بحيث يُستفاد من كل نقطة ماء، فبدلاً من أن يصرف المرء بضعة ليترات وهو يغسل أسنانه، يمكنه أن يستخدم كوب ماء صغيراً، وبدلاً من أن يغسل سيارته ببحيرة ماء يمكنه تنظيفها بكميةٍ قليلةٍ جداً «فوطة وسطل ماء صغير» وهكذا دواليك. إذ إنّ فرطَ استهلاك الماء قد يعني عطش جارك وأطفاله وهم يفتقدون كوب ماء، وما أدراك ما العطش في الصيف! وما الذي تعنيه رائحة العرق وغيره على البدن الذي لا يجد قطرة ماء، ومن ثم فإنها مسؤولية كبيرة تقعُ على عاتق كلّ شخصٍ، لاسيما في أوقات الشدّة، بحيث يشعرُ الإنسان بغيره مثلما يشعرُ بنفسه.
ويمكن الحديثُ بطريقةٍ مُشابهةٍ عن الكهرباء، تلك التي شحّت للأسباب ذاتها، ناهيك عن المُخرّبين المجرمين الذين استهدفوا المئات من عمال الكهرباء، فلا يكون من الحكمة أن تُشغّل الأجهزة الكهربائية كافةً حينما تتوفر الكهرباء، لأنّ هذا يعني حملاً زائداً على الشبكة قد يحرمُ هذه المنشأة الحيوية أو تلك «كالمستشفيات» من الكهرباء، ناهيك عن أنّ فرطَ الاستهلاك يعني مالاً أكثر ندفعه.
لقد طالت الأزمة كلّ مناحي الحياة، وأثّرت في الاقتصاد والأخلاق تأثيراً كبيراً جعل الناس يصرخون ألماً، كما جعل كثيرين يسلكون مسلكاً غير إنساني في تدبير شؤونهم، ولن أفصّل كثيراً في هذا الباب، لكني سأتحدّث عن الكذب الذي بدأ يستشري بين صغار النفوس من أجل الكسب المادي، الصغير منه: مثل أن يأخذ شخصٌ ما معاشاً من هنا، ومساعدةً من هناك، فيما لا يكون بحاجةٍ حقيقيةٍ إلى ذلك، أو يدّعي أنه يقوم بعملٍ ما ويأخذ أجراً عليه، ثم يتبين أنه لا يقوم بأيّ عملٍ. وهناك الكسب الكبير: المُتبّدي بالأعمال الشائنة التي تجلبُ المال لمُرتكبيها، بدءاً من الغشّ التجاري والاحتكار والنصب والاحتيال، ومروراً بالخطف والقتل ومساعدة المروّعين «الإرهابيين».
وفي تلك الزيارة تعرّفت إلى سيدةٍ راقيةٍ في عقدها السادس امتلأت همّاً، إذ تريد أن تلحق بأولادها الذين رحلوا إلى بلدٍ إسكندنافي، كانت تلك السيدة تشوي باذنجانةً صغيرةً على الغاز، ففاحتْ رائحتها في البيت كلّه.. تحاورنا قليلاً، ولما عرفتْ أنني طبيب حدّثتني عن أمراضها المُستجدة بسبب الأزمة، من ارتفاع الضغط والسكر وأيضاً ارتفاع ضغط العين.. أخبرتها بأنني طبيب أطفال، والأفضل لها أن تُراجع طبيب كبارٍ، فذكرتْ لي أسماء أطباءٍ تُراجعهم، وراحت تعطي رأيها بصراحةٍ في كلٍّ منهم: فهذا طبيبٌ ماهرٌ لكنّه مادي جداً لا يرحم، وذاك طبيبٌ ماهرٌ رفيقٌ بمرضاه لا يثقل عليهم مادياً في الأزمة التي أثّرت في أغلب الناس، وثالثٌ هو بين بين.. قلت لنفسي: سبحان الله! ما أشبه البشر بالباذنجان المشويّ! باذنجانة صغيرة تُشوى على نارٍ هادئةٍ تملأ البيت كلّه برائحتها، حتى يصير بإمكان أيّ شخصٍ يمرُّ قرب المنزل أن يعرف سرّها! وكذا الناس، لكلّ فردٍ رائحةٌ خاصةٌ به، وهذه الرائحة سوف يعرفها الناس مهما حاول صاحبُها إخفاءها أو التغطية عليها.
لقد اشتهرت دمشق بأنها مدينة الياسَمين والورد والعطر الفوّاح، ولهذا دُعيت بالفيحاء، وهذه الفيحاء لا يمكن أن تكون دون مستوى اسمها وعطرها وياسَمينها.. هذا هو أملنا الكبير والدائم بها وبأهلها، ولهذا نرفعُ أيدينا إلى الرحمن، نصلّي لها كل يومٍ كي تكون سيدة المدن مثلما كانت سيدة التاريخ من قبل.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock