آخر الأخبارإصدارات جهينةثقافة وفنون

رانيا معصراني:بساطةُ الموضوع وصدقه

 

جهينة- د. محمود شاهين

شهدت صالة المعارض في دار الأسد للثقافة والفنون، ما بين 3- 14 تشرين الثاني 2019، معرضاً جديداً للفنانة الموسيقيّة والتشكيليّة والتطبيقيّة رانيا معصراني حمل عنوان «منحوتات من وحي تدمر» ضمّنته مجموعةً من أعمال «النحت» و«العجمي»: الأول من ضروب الفن التشكيلي الرئيسة، والثاني من الفنون التطبيقيّة أو الحِرف الشعبيّة اليدويّة التقليديّة الأصيلة والتي سادت وانتشرت في عملية تزيين البيوت والقصور الدمشقيّة.
تتلاقى في هذا الفن تأثيرات فنيّة إيرانيّة وتركيّة وعربيّة، إضافة إلى أطياف قادمة من فنون قديمة كالإغريقيّة، وأهم ما يُميّز العجمي اعتماده على التشكيلات الزخرفيّة النباتيّة والهندسيّة النافرة، ويتأرجح كقيمة فنيّة وتقانيّة وفقاً لموهبة وخبرة مزاوله. أما الخامات والمواد التي تُستعمل في تنفيذه فهي: ألواح الخشب المُعالجة ضد الرطوبة والحرارة، والزنك، والسبيداج، والغراء العربي، والألوان، واقتصرت أعمال التصوير في معرض الفنانة معصراني على ثلاث لوحات عالجت فيها نخيل تدمر بحساسية المصور وخبرة الحرفي المتمرس. أما بقية أعمال المعرض فقد توزعت على ست وثلاثين منحوتة مُنفذة من الطين المشوي «الفخار» بصيغة النحت النافر «ريليف» والشديد البروز «باراليف» تناولت فيها موضوعات عدة، جلّها مستوحى من الحضارة التدمريّة بصياغةٍ واقعيّةٍ مُبسطةٍ، فيها الكثير من التلقائيّة والصدق، شكّلت فيها رافعة التعبير تضاريس الوجه «خاصة العيون» تارةً، وتارةً أخرى أوكلت هذه المهمة لحركة الرأس واليدين، إضافة إلى إغماضها العيون التي شكّلت سمةً عامةً من سمات منحوتاتها.

بين التشكيل والموسيقا

تشتغل رانيا معصراني على ضربين من ضروب الفنون الجميلة هما: الموسيقا والفن التشكيلي المتماهي بالفن التطبيقي، فقد تخرجت في المعهد العالي للموسيقا كعازفة كمان، وهي عضو مؤسس في الفرقة الوطنيّة السيمفونيّة بقيادة المايسترو صلحي الوادي عام 1993. أما الفن التشكيلي فقد تعلّمته بنفسها، وتمارسه كهاويةٍ بكثير من الشغف، وأقامت ستة معارض فرديّة داخل سوريّة وخارجها، ولها مشاركات في العديد من المعارض الجماعيّة. وتنم أعمال الفنانة معصراني عن تمتعها بموهبة فنيّة حقيقيّة مفعمة بالحساسيّة والصدق، وهي بشكل عام مأخوذة بالهمّ الإنساني النبيل، والمضمون الوطني الملتزم، وفي معرضها الأخير أضافت إليها بعض ملامح ومفردات ورموز الحضارة السوريّة العريقة الشغوفة بها والغيورة عليها.

هذا التوجه نحو القضايا الآنيّة النبيلة ظهر بوضوح في أعمال معرضها الذي أقامته في صالة الشعب للفنون الجميلة بدمشق ما بين 4-15 تشرين الأول 2009 حيث اعتمدت في أعماله «جلها كان منفذاً من الطين المشوي» على مفردة الجسد الإنساني أو بعض أطرافه في التعبير عن همومها وهواجسها الذاتيّة والوطنيّة، وذلك بلغةٍ واقعيّةٍ مبسّطةٍ، حرصت من خلالها على تأكيد وإبراز الخواص التشكيليّة والتعبيريّة لخامة الطين، وبحساسيّة عالية ظلّت سطوح منحوتاتها محتفظةً بها، رغم استخدامها أداة حادة في تحديد وتأكيد هيكليّة العناصر والمفردات المُشكّلة لمعمارها. هذا الجمع الموفّق بين تأثيرات الأداة الحادة وملامس أصابعها، فوق سطوح المنحوتة، ساهم في إيجاد حالة من التنوّع المعبّر في ملامس هذه السطوح، وأغنت تأثيرات الضوء وانعكاساته عليها، الأمر الذي أسهم بإبراز وتأكيد وتجسيم تكوينات منحوتاتها التي عالجتها بلمسةٍ تلقائيّةٍ مشبعةٍ بالأحاسيس، رغم الجنوح الواضح لديها لتحقيق نوعٍ من التسجيليّة في بعضها، وتعمّدها إبراز النسب التشريحيّة الصحيحة وتأكيدها في بعضها الآخر، ولكن ما ميز أعمال معرضها السابق، احتفاظ سطوحها بدفقٍ كبيرٍ من التأثيرات الحسيّة الرهيفة التي تركتها أصابع الفنانة فوقها، لأنها لم تُخضعها لعملية القولبة والرتوش التي غالباً ما تقضم جانباً كبيراً منها خلال مراحل تحويلها إلى مادة مُقاومة وذات ديمومة تحفظها للأجيال القادمة.

حالة مستمرة

جملة هذه الخصائص والمقومات، استمرت في المنحوتات التي ضمّها معرضها الجديد، والتي غلب عليها النحت البارز والشديد البروز، المقتصر على الوجوه المأخوذة من الواقع أو المستلهمة والمستعارة من الحضارة السوريّة القديمة -لاسيّما التدمريّة منها- إضافة إلى ثمانية أعمال تناولت فيها موضوع راقص المولويّة، وخمس لوحات نحتٍ نافرٍ عالجت فيها وحدات زخرفيّة نباتيّة «إضافة إلى لوحة كبيرة عالجت فيها وجهاً أيقونياً أنثوياً فيه الكثير من ملامحها الشخصيّة»، أما بقية الأعمال فتناولت فيها حشداً من الوجوه والأيدي، عبرت من خلاله عن حالات ومشاهد سوريّة مأزومة «الزحمة داخل الباصات أو داخل قوارب اللجوء»، إضافة إلى حيوانات مُستلهمة من النحت التدمري، وبضعة وجوه مفردة «تربط معظمها بحركة مدروسة للكفين» حملت الكثير من ملامح وجه الفنانة معصراني، وهذا شيء طبيعي، لأن الفنان غالباً ما يُماهي بين ملامح الشخص المرسوم أو المنحوت وبين ملامحه. بمعنى أن العمل الوجهي (البورتريه) هو مزيج من ملامح الراسم والمرسوم أو الناحت والمنحوت.

مقومات وخصائص

المتابع لأعمال الفنانة رانيا معصراني، لابد أن يلاحظ وجود وحدةٍ عامةٍ تربطها، إن على صعيد مضمونها أو أسلوبها أو معالجتها أو التقنية المنفذة بها، فباستثناء أعمال التصوير الملون التي تنفذها بتقنية العجمي أو الألوان المائيّة، تعتمد معصراني الطين المشوي خامةً رئيسةً في إنجاز منحوتاتها، ولأن مادة التعبير هذه لا تخضع لعمليات القولبة والصبّ المعقدة، تحتفظ سطوحها بتأثيرات كل ما مرّ فوقها من أدوات أو ملامس وتأثيرات أصابع مُكوّنتها المتوقدة بالأحاسيس، والتي تأخذ طريقها مباشرةً إلى ملامس هذه السطوح، وهي بكامل خواصها التعبيريّة والتشكيليّة التي بقيت محتفظة بها، لأن الفنانة لم تعاود الاشتغال عليها مرة أخرى، لكونها انتقلت مباشرةً إلى الفرن الذي جمّدها وثبّتها فوقها، وهي بكامل ألقها وعافيتها.

البساطة الصادقة

تُحقق رانيا معصراني -حسب الفنان نذير نبعة- أعمالاً بسيطة خالية من التكلف والادعاء، تهبها عاطفتها المملوءة بالصدق، سمة وجودها وحضورها المؤثر، حيث إن عجينة الطين الطرية تنمو بين أصابعها، وتختلط بحرارة عواطفها وأحاسيسها، يُكوّنها ذلك الشجن الذي ينساب من الصمت والسكون، ويتجسد في الوجوه وحركات الأجساد وإشارات الأيدي، قبل أن تدخل قطعة الطين نار الفرن لتهب الصلصال كيانه الفخاري، الذي يُكوّن جسد موضوعاتها ومخلوقاتها الإنسانيّة التي تتوالد وتملأ الفراغ لتجسد ذلك الحزن الشفاف، العميق، الذي يدخل قلوبنا لصدقه من دون استئذان أو جدل، ويقول لنا رسالته من دون كلام، لأنه الحزن نفسه وليس صورة عنه.

مادة الحضارات القديمة

تقول الدكتورة ناديا خوست: سحرت رانيا ليونة الطين وشعور فطري بأنه مادة الحضارات القديمة، وشغلتها موضوعات جماليّة استخدمت فيها دقة الريشة والزخرفة، بعيداً عن الموضوعات المؤرقة. أعتقد أنها بحساسيتها تُعبر عن وجدان الأجيال الشابة التي عاصرت سقوط بغداد، والحرب على لبنان في تموز، والحرب على غزة، فصاغت بطريقتها الخاصة تعبيراً عن المعاناة الإنسانيّة والمقاومة بعيداً عن المباشريّة الإعلاميّة.

رفعت الأطفال الشهداء على الأذرع، وغللت الأيدي بالأسلاك، ثم انتقلت إلى عمق التعبير عن الوجع والمقاومة بالملامح والحركة. وهكذا -حسب خوست- انطلقت الملامح في أعمال رانيا بلغةٍ إيمائيّةٍ. قلبت الأجساد المُكوّمة المُهانة في سجن أبي غريب إلى مجموعة أجساد متماسكة، فكدنا نسمع فيها صراخ الغضب وأنين الألم، وتعلّق المعتقلين بالحرية، وهدير التمرد في الروح المُعذّبة، وكانت رانيا خلال ذلك تكتشف وتكشف جمَال تشكيل مجموعات الأجساد الإنسانيّة ورشاقة حركتها، فتذكرنا بمجسمات النصب التذكاريّة الحديثة، وبالنحت القديم على صخور الجبال.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock