الافتتاحية

شريانُ العطاء

العدد 113

| بقلم فاديا جبريل

قد لا تكفي مئاتُ السطور وآلاف الكلمات والعناوين للحديث عن مكانة المرأة في المجتمع، التي تعدُّ محور الأسرة وحضنَها الدافئ وملاذَها الآمن، ونجزمُ أن كلّ المشاعر والأحاسيس النبيلة نحوها قد لا تفيَها جزءاً من حقها، وهي المُضحيّةُ أبداً لتكون أختاً مثاليةً وابنةً بارّةً وأمّاً رؤوماً وزوجةً مخلصةً وفيّةً، تُربّي أبناءها على قيم الخير والفضيلة والمحبّة، وتلقّنهم أبلغ الدروس في كيفية تقدير الآخر واحترامه، فكيف إذا كانت هذه المرأة تنتمي إلى أرض الحضارات ومنبَع الرسالات ومنبَت البطولة والشجاعة سورية؟!

يطلُّ يوم المرأة العالمي وعيد الأم على سورية وهي تدخلُ مرحلةً جديدةً من الحرب، كان للمرأة السوريّة فيها دورٌ حاسمُ جداً في تجاوز أصعب وأقسى مراحلها، لعبتْ فيه الدّور والعصب الأساسي في الصبر والعطاء والتمسّك بالنضال، على الرغم من الثمن الباهظ التي دفعَتْه، فكانت الأمّ التي شجّعتْ وقوّتْ الإيمان والثقة بحُبّ الوطن، وكانت الأختَ أو الزوجة التي سدّت فراغ غياب الرجل في تولّي المسؤولية العائلية وحدها، بل كانت الجندي المُقاتل الصامد على مختلف الجبهات.
المرأةُ السوريّة في حرب السنوات الثماني كان لها الفضلُ في تعزيز قيم الوطن والمُواطنة، فهل كان الوعي من حرّكَ كل هذه القيم وهذا الصمود، أمْ هو قلْبُ المرأة الذي إن أحبَّ يحبُّ بصدقٍ، ويُضحي بغير حدودٍ أو كلاهما معاً؟.
كمْ تضيقُ المساحات في إحصاء عدد النساء اللواتي شكّلنَ أيقونةً للنضال والمقاومة، وكُنّ في المُقدّمة دائماً، فلكلِّ رجلٍ صامدٍ في ساحات المعارك العسكرية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والحياتية برمتها أمٌّ أو أختٌ أو ابنةٌ تفخرُ بثباته وعطائه اللذين يترجمان حبّاً حقيقياً للوطن، ولا غرابة في ذلك، وقد حَفِلَ التاريخ بأسماء نساءٍ سورياتٍ كُنّ قائداتٍ ومُناضلاتٍ ومُخرّجات أجيالٍ وأمثولاتٍ لا تُنسى، فالبلاد التي أنجبتْ زنوبيا وماري عجمي ونازك العابد وكوليت الخوري ونجاح العطار، حتى آخر امرأةٍ سوريّةٍ ما زالت مُصمّمةً على البذل والعطاء في البيت والمدرسة والجامعة والمشفى والمصنع والمنشأة التجارية، جديرةٌ بأن تكون في هذه المكانة السامية من بين بلاد الدنيا كلّها، وطبيعيٌّ أن تتسم المرأة السوريّة بما يضعها في سدّة الشرف الوطني “الفطري” .

لقد شكّلت المرأة السوريّة عبر مراحل التاريخ كلّها مدرسةً في حُبّ الوطن والشجاعة والإقدام، ولاسيما في السنوات الأخيرة، فلم تخلُ قريةٌ ولا منطقةٌ ولا مدينةٌ من هذا الشريان المُتدفّق بالعطاء والصبر، وقد كشفت الحربُ الظالمةُ على وطننا الجوهر الصُلب لهذه المرأة التي قهرت المحنة وتحدّتْ تداعياتها المُوجعة، وكشفت أيضاً أنّ صلابته ازدادت في ظل قيادة السيدة الأولى أسماء الأسد لهذه المدرسة، التي كانت فيها القدوة والمُساند والنموذج القويّ لنساء سورية، فرأيناها الحاضرة أبداً بين أُسر الشهداء وعائلات الجرحى، وتزورُهم في منازلهم حتى في أقصى القرى والبلدات في الريف السوري، لم يمنعها عن ذلك ظرفٌ خاصٌ أو حالةٌ عامّةٌ، وفي الوقت نفسه تلتقي الطلبة الناجحين والمتفوّقين وهم يتحدّون الحرب بإصرارهم على التعلّم، وترعى النشاطات الاجتماعية والأهلية التي تشجّع على الصمود والصبر والتمسّك بالدفاع عن الوطن، حتى باتت سيدة الياسمين أيقونةً من أيقونات النضال التي يعتزُ بها السوريون جميعاً.
لكلِّ امرأةٍ سوريّةٍ خاضت الحرب بوعيها الخلاّق وقلبها الشجاع، وربّت أبناءها على قيم الوطن والمواطنة، ولكلِّ أمٍّ انتظرت ابنها وعاد شهيداً أو جريحاً أو مفقوداً.. حقاً لا تكفي مئات السطور وآلاف الكلمات والعناوين للحديث عن مكانتكنَ في روح كل سوريٍّ وسوريّةٍ، ولسيدة الياسمين السيدة أسماء الأسد التي كانت إلى جانبهن جميعاً قاسمَتهُنَ الصبر والصمود والألم ولحظات الفرح.. نقول: كلّ عامٍ وأنتنَ أقدس نساء الدنيا وأرفع مقاماً بين أمهات الكون كلّه.
كلّ عامٍ وأنتنَ شريان العطاء.. كلّ عامٍ وأنتنَ جميعاً بخير.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock