آخر الأخبارإصدارات جهينةحوارات

عابد فهد: صرتُ قريباً من الاعتزال!

جهينة- وسام كنعان:

خلال التصوير، لا يمشي النجم السوري عابد فهد على قدميه، تشعر كأنّه يطير فوق السحب من فرط الحماسة والشغف بالمهنة التي اختارته بالتصميم نفسه الذي أقبل من خلاله تجاهها. لا يمكن لمخيّلةٍ مهما راحت نحو العبث أن ترى هذا الرجل في مكان غير مواقع التصوير سوى في ملاعب كرة القدم. كان بإمكانه أن يكون لاعباً محترفاً، لو خيّب القدر ظنّه وحرف مسعاه باتجاه آخر. أنجز في شخصيات عدّة وبمنتهى العفوية والتلقائية واحدة من القواعد الذهبية التي رسّخها المعلّم الروسي فيسيفولد مايرهولد حول تكنيك الممثل، و«البايوميكانيك» (ميكانيكية الجسم)، بمعنى أن يتمكّن الممثل من ترجمة الشعور الدرامي عن طريق الحركة النموذجية، وهو ما فعله العام الماضي في مسلسل ساذج مثل «طريق» (إخراج رشا شربتجي) كأنه في ذلك الأداء كان يقول كل حلقة نحّوا ما أنجزه ليصير العمل هباءً منثوراً. يتحوّل فهد متى يركّز إلى ماكينة أداء، وذلك من خلال فهم الشخصية وبناء تاريخ لها، ثم صوغها خارجياً على مستوى الشكل والإطلالة بالتنسيق مع بقية عناصر وأفراد العمل، حتى ينتج مادةً تحترم الجمهور بأفعال تمثيلية مطابقة لجوهر الشخصيات النفسي التي يؤديها من دون إغفال براعته الدائمة بالفكاهة والجوانب الأدائية الطريفة، فكلّ من يعرفه عن كثب يدرك حسّه الكوميدي العالي، وسرعة بديهيته وحرفته في صياغة النكتة! تلك مقومات تساعده إما على لعب الكوميديا أو تنكيه أي دور آخر بطعمٍ ساخرٍ بذريعة المفردات التي تكتنزها شخصيته، لتكون النتائج عبارة عن شخصيات من لحم ودم أو كاركترات نموذجية جديدة يتفرّد في أدائها.. «جهينة» اختارت حواراً مختلفاً معه ينحو باتجاه ملاعب كرة القدم ويفتح قلبه بشكوى من متاعب المهنة ليقول إنه صار قريباً من الاعتزال.

دعنا بداية نرحّب بك كما لم يفعل أحد سوانا ونقول لك أهلاً وسهلاً «عبودة».
أهلاً بكم وسعيد بهذا اللقاء.

هل سبق لأحد أن خاطبك بهذا الاسم عبر وسائل الإعلام؟
لم تحصل! لكنّها فرصة فتحت لي مساحة على ذاكرة متقّدة، ربما لو كنت لاعب كرة قدم لحملت هذا الاسم فوراً، لأنه على العموم يحيلني إلى نجم المنتخب السوري سابقاً الكابتن عبد القادر كردغلي الذي كان يناديه الجميع بهذا اللقب.

على سيرة كرة القدم، كأنك عندما ترتدي ملابس رياضية «بيجاما» كما تظهر (اليوم) تبدو خفيفاً على الأرض تعيد إلى أذهاننا «خفّة الكائن التي لا تحتمل» لميلان كونديرا ما السبب؟
الملابس الرسمية لا تشبهني ولا أحبّها، خاصّةً ربطة العنق، أشعر كأنّها حبل مشنقة، وكلما أرتديها أندم! يحاول مشرفو الملابس دائماً إقناعي بها في المسلسلات، لذا من ممكن أن أتقبّل البذلة للضرورة، تعجبني الملابس الفضفاضة غير الضيقة، المهم ألّا يربك أثناء التصوير.
إضافــــــــــة إلى أن المــــــــــلابس يمكن أن تمنحك شــــــــــعوراً بالارتيــــــــــاح والرضــــــــــا وبالتالي التعاطي بهذا السلوك أو ربّما تصبح مربكاً وكأنك معصوب العينين.

معادلة من طرفين

دعنا نكمل في هذا السياق بعيداً عن الدراما والموضوعات التي تتحدثون بها أنتم النجوم دائماً. في بطولة كأس العالم التي أقيمت في المكسيك سنة 1986 لمع نجم اللاعب الأرجنتيني دييغو مارادونا وكتب عنه الشاعر الراحل الكبير محمود درويش عقب انتهاء البطولة مقالاً لافتاً مازال تداوله قائماً حتى (اليوم) يقول فيه: «ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب وخوفه على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق» وكان من أجمل ما كتب درويش عن الرياضة، أما نجيب محفوظ فقد قال لو لم أكن كاتباً لكنت لاعباً وهو بدأ حياته كلاعب كرة قدم، وألبير كامو تحدّث عن أن كلّ ما تعلّمه عن الرجال والحياة كان بذريعة كرة القدم، الغالبية تعلم أنك رياضي، ومن البداية كانت لديك رغبة بممارسة رياضة كرة القدم، ولديك أصدقاء من نجوم كرة القدم وتشاركهم المستطيل الأخضر بلُعب وديّة، لنتحدّث كم تعلّمت من هذه اللعبة؟ وإلى أي درجة طوّعت ذلك لصالح عملك في الدراما؟
أن تلعب PASS لزميلك وتلعب ضربة ركنية لتسجل هدفاً حتى أن يسجل زميلك الهدف، المهم هو تحقيق الهدف والغاية من دون الدخول في أنانية تحيلنا إلى سؤال من سجّل في المرمى، وأن تلعب دورك بشكل صحيح، هذه المهنة مهنة فريق عمل، شراكة بين ممثلين وفنيين ومخرجين، كلّهم داخل ملعب واحد ومستطيل واحد، فيه مواقع الدفاع والهجوم بينما يُدار هذا المستطيل من مخرج وليس مدرّباً، ويختلف بأنه ليس أخضر دائماً. ما تعلّمته من الرياضة عموماً أن تكون مرناً تمتلك أخلاقاً رياضية بعيداً عن الغرور، لماذا النجوم مثل مارادونا وميسي ورونالدو ومالك شكوحي ووليد أبو السل والكردغلي ومحمود درويش وألبير كامو الذين ذكرتهم عمالقة وأقاليم في السماء، والقاسم المشترك بينهم هو الروح الرياضية، ويبدو أنّ لعبة الحياة هي معادلة من طرفين «فن ورياضة».

خفايا وأسرار

هناك دائماً مقولات من دعاة التحرر، إنّ الزواج يقتل جزءاً من استقلالية وحرية المرء نتيجة تحكّم شريكه بجزء منها وتملّكه لها، بالتالي هذا يؤثر على الإبداع، وهذا واضح بالنسبة لكمٍّ هائلٍ من حالات الزواج في العالم العربي.

طبعاً لكل قاعدة هناك استثناء، أنت وزوجتك الإعلامية زينة يازجي التي لا تقلّ عنك نجوميةً وإبداعاً في مجالها، كيف تردّ على هذه المقولة من خلال تجربتك الشخصية؟
السرّ يكمن في عدم وجود خفايا وأسرار بين الزوجين، أنا ورقة بيضاء مكشوفة أمامها وهي كذلك، ليست هناك نقاط غامضة بيننا وبالتالي ليس هناك كذب أو نفاق أو خديعة، كل شيء واضح، ونعرف إلى أين نحن ذاهبان، وبالتأكيد هناك منتهى الثقة بين الطرفين.

لعبت هذا العام شخصية «جبران» في مسلسل «عندما تشيخ الذئاب» (عن رواية بالاسم ذاته للراحل جمال ناجي سيناريو حازم سليمان وإخراج عامر فهد)، هذا الشيوعي الذي يرمي تاريخه النضالي ويتحوّل إلى شخص قريب من السلطة، ويمتلك زمام المبادرة ليكون وزيراً في الدولة، متى يمكن أن يتحوّل عابد فهد إلى شخص آخر؟
ممكن أن يكون هنالك تحوّل في الشخصية عندما تشعر بأن أطفالك جائعون، هنا يمكن أن تتحول إلى ذئبٍ شرس.

هل يمكن أن يحدث هذا عندما تتلقّى ملاحظة من مخرج أو زميل؟
صراحةً الآن لم يُعد هذا يعني لي شيئاً.. أي لا يقدّم ولا يؤخّر.

كذلك الأمر لعبت شخصية «أمير ناصر» في مسلسل «دقيقة صمت» (كتابة سامر رضوان وإخراج شوقي الماجري) الميّت الحي!، كم تفكّر بالموت وهل تخاف منه؟
أفكر بالموت كل ثانية، بالطبع أخاف منه! من منّا لا يخاف من الموت، لكن بمنطق يدعوني للتوقف مليّاً عند المسؤوليات التي يمكن أن أتركها خلفي وأن أستمرّ معهم على الأقل ليستطيعوا الوصول إلى المكان المناسب في الحياة.

عناصر النجاح

لماذا يرافقك الأرق باستمرار؟
العمل مرهق جداً، ولا أريد الفشل، ووصلت إلى مكان أعرف إلى أين يمكن لقافلة الدراما أن تتوجّه وأعرف عناصر النجاح، ولذلك أتعب كثيراً، أتمنى ألّا أعرف كل هذا، لأنّه إن كنت تعرف عناصر النجاح وهي غير متوفرة أو إن كانت حاضرة لكنّها لم توضع بشكلها الصحيح فإن ذلك سيتعبك كثيراً، تشعر كأنك تتعامل مع أحد لا يفهم ولا يقدّر الطاقة التي تمتلكها، هذه المهنة تحتاج إلى حُب وضمير وإيمان، لأن عملنا مرئي ومُشاهد من قبل الناس ويجب أن تقدم لهم ما يليق.

كان من المفترض أن تشارك في مسلسل «مسافة أمان» (تأليف إيمان السعيد، إخراج الليث حجو) وفي المؤتمر الصحفي الخاص في المسلسل أعلن القائمون على العمل انسحابك، حتى خرجت أقوال اتهمت «شركة الصبّاح» بمنعك من المشاركة فيه؟
شركة «الصبّاح» ليست لها علاقة بالأمر، لم يكن أمامي حلّ آخر. لا وقت لديّ، ولا يمكن التنسيق، وخصوصاً أنّني اتفقت على مسلسل «عندما تشيخ الذئاب»، بحيث أنهي جزءاً كبيراً من شغلي في «دقيقة صمت»، وألتحق بالمسلسل الثاني، ولا يمكن تحصيل عمل ثالث وتحمّل كل هذا العبء.

يواجه السوريون المقيمون في لبنان ممارسات عنصرية من قبل البعض، ما تعليقك عليها؟
أشعر بالأسف على حالة العنصرية التي يمارسها بعض اللبنانيين تجاه السوريين في لبنان، إنّه أمر مخجل وينطوي على شعور بالإهانة، ولكن من الصواب عدم تعميم ما يجري على جميع اللبنانيين ولا يصحّ السكوت عمّا يحدث.

 تعاملت مع شقيقك المخرج عامر فهد في كواليس مسلسل «عندما تشيخ الذئاب»، خاصّةً أنّه يصغرك سنّاً؟
عملي مع شقيقي له خصوصية بمكانٍ معين، وبالتأكيد أنفّذ كل ما يطلبه منّي بانصياع تام من دون حتى إبداء الرأي لأنه يعرف ماذا يفعل تماماً أو على الأقل هذا ما حدَثَ في التجربة الأخيرة! أردت أن أتنحّى تماماً عن أيّ مسؤولية وأنفّذ ما يمليه عليّ بالضبط.

أشيعت في الأيام الماضية أخبار عن منعك من الظهور على الإعلام الرسمي السوري، هل تملك توضيحاً لما يتم تداوله؟
لا أعرف ما السبب الذي يدفع الإعلام الرسمي لاستبعادي عن محطّاته، ولكي أتمكّن من التصريح عن الموضوع يجب أن أعرف كل المعطيات. كلّ ما يمكنني قوله الآن هو في مصاف الأمنيات بأن يتمّ توضيح السبب بشفافية وشرح الحالة التي أفضت إلى إعطاء تعليمات بمنع ظهوري على شاشات ومنابر بلادي.. نحن الآن في مرحلة جديدة تفرض أن تكون الرؤية بعين النجاح فقط!.

عودة قوية للدراما

ما رأيك بأصداء مسلسل «دقيقة صمت»؟
حصد «دقيقة صمت» نجاحاً متميزاً هذا العام، وبشكل عام كان الحضور السوري لافتاً لهذا الموسم، وأريد أن أهنّئ باسل خياط وقصي خولي وتيم حسن على وجه الخصوص، حقيقةً أريد أن أتوجه بالشكر لكل من ساهم في نجاح «دقيقة صمت» وهو جزء من العودة القوية للدراما السورية هذا العام، فالإخراج كان متميزاً، والنص متقن بغضّ النظر عن الاختلاف مع مواقف كاتبه، وأريد أن أشكر كل المؤسسات والدوائر الرسمية وبيوت الأهالي التي فتحت أمام سير هذا العمل.

أخيراً سنعود إلى الحديث عن «الفتبول»، العمر الزمني لنجم كرة القدم قصير نسبياً لكن نجوميته أكبر بكثير من الممثل ومع ذلك قد تتشابه الخواتيم بالنسبة للاثنين اللاعب والممثل وتكون الاعتزال، هل صار عابد فهد على مقربة من الاعتزال؟
الأمر مرهون بالطاقة التي يملكها المرء بالنسبة لشغله ورغبته المطلقة بأن يترك وراءه أثراً طيّباً، وأن يكون قد طبع على شكل بصمة إيجابية في أذهان الجمهور! إذا وصلت الأمور إلى درجة أنه ربما المعطيات لا تخوّله بأن يكون وصل إلى هذا المكان العالي الذي وطأته قدماه فقد يفكر بالاعتزال، أو ربما وجود العناصر التي تؤدي إلى نجاح المادة الفنية وعبور الفريق إلى ضفة الأمان يجعل أي رأس حربة في هذا الفريق متعباً وربما يغادر أو يعتزل.. فعلياً ربما أكون قد وصلت إلى مطرح صارت فكرة الاعتزال فيه تراودني بين الفينة والأخرى.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock