إصدارات جهينةثقافة وفنون

عملها الإداري سار جنباً إلى جنب مع مثيله الإعلاميالإعلامية عزة الشرع.. تنوّع العطاء واستحقاقات النجاح

 

جهينة– أحمد علي هلال:

يوم سقطت بغداد كانت دموعها تنهمرُ بصمتٍ وهي تتلو النشرة الإخبارية، هي من أوائل المذيعات في التلفزيون العربي السوري، وتاريخها الإعلامي ارتبط بمقاربتها لقضايا المرأة المختلفة وعلاقتها بالأدب والعمل، وكانت كلمة السرّ في ما تبوأته من مواقع وما لعبته من أدوار هو اعتبارها الإعلامية النموذج.. هي الإعلامية المُخضرمة عزة الشرع صاحبة البرامج الحوارية المتنوعة في التلفزيون العربي السوري، والتي عكست غير أنموذجٍ للمرأة الإعلامية في مشوارها الإعلامي والاجتماعي والثقافي، الذي ارتبط بذاكرة التلفزيون العربي السوري وبرامجه الثقافية اللافتة.

عبر أثير إذاعة دمشق

لعلّ الانطلاقة الأولى للإعلامية عزة الشرع، كانت عبر أثير إذاعة دمشق بفضل ما امتلكت من قدرة صوتية ومهارة وأسلوبية خاصّة تذكّر بمجايلاتها نجاة الجم ورجاء الزين ونهاد تلاوي وسواهن، لكن صورة عزة الشرع أخذت مع الانطلاقة الملونة للتلفزيون غير بعدٍ يجلو حضورها البارع بأدائها المهني، والذي ينحو إلى الانفتاح على جملة القضايا التي تعني المرأة/ الإنسان، وصولاً إلى الصورة الكليّة للمجتمع، حيث إن الحوار بأفقه الثقافي كان سمةً لافتةً وضرورةً معرفيةً فرضتها تحدّيات واستحقاقات كثيرة، هي المعبّرة عن طبيعة استقبال هذا النوع من البرامج، ولاسيما نطاق التفاعل والمتابعة الذي اتسع ليستقطب المتلقي الذي أصبح بدوره شريكاً في الحوار، ومع تكليفها بإدارة القناة الثانية في التلفزيون العربي السوري أصبحت تلبية الاحتياجات الأساسية للمتلقي هاجساً لديها، إذ تقول: «لابد من العمل على تلبية الاحتياجات الأساسية للمتلقي المحلي، وخاصةً تلك التي لا يجد ما يلبيها في الفضائيات، ومنها الحاجة إلى معرفة بيئته وما فيها من أنشطة اجتماعية وتراثية وثقافية واقتصادية»، وما تذهب إليه عزة الشرع سيجد ترجمته في ما يُعرف ببرامج الاتصال الأفقي، أي الندوات الحوارية التي تُبث على الهواء مباشرةً، وتتلقى أكبر عددٍ ممكنٍ من اتصالات الجمهور، في الوقت الذي تمتلك فيه القنوات الأخرى قدرةً على التأثير والإبهار توظّفها لإيصال رسائل إعلامية مُزيفة من أجل تضليل الجمهور وتغيير اتجاهات الرأي العام حسب غاياتها وأهدافها.

مسؤولية الإعلام

كثيراً ما تتحدث الإعلامية عزة الشرع عمّا يُسمّى رجع الصدى المباشر بالنسبة للبرامج عن طريق الهاتف والبريد الإلكتروني، فضلاً عن الآراء التي يمكن سماعها من المحيطين من المعارف والأصدقاء، فعلى سبيل المثال تقول: «أثبتت تجربتنا الطويلة في برنامج «مصارحات» أن رجع الصدى وخاصةً كثافة الاتصالات الهاتفية تزاد كلما طرحنا موضوعات تُلامس هموم الناس، أو تلبي احتياجاتهم وتطلعاتهم»، فكان وجود القنوات الأرضية –في زمن مضى- حافزاً على مضمون تلك القنوات، أي وصول خطابها إلى أوسع شريحة من الناس، الأمر الذي استدعى تحديد هوية هذه القنوات، ومنها القناة الثانية، لتحديد فئات الجمهور الذي تتمّ مخاطبته من خلال معرفة خصائصه واحتياجاته، كل ذلك سيعاضد ما عُرف بـ«الوظيفية الترفيهية» انطلاقاً من أن معظم الناس في أيامنا ينظرون إلى التلفزيون باعتباره وسيلةً ترفيهيةً في المقام الأول، تضيف عزة الشرع في هذا السياق: «من الخطأ الاعتقاد بأن البرامج الترفيهية هي فقط للتسلية، فثمة وظائف أخرى منها: الوظيفة الإخبارية والتنمية الثقافية المتواصلة، والرقابة على مؤسسات المجتمع، ومراقبة البيئة، والوظيفة التسويقية»، لكن في مسيرتها الإعلامية كان عملها الإداري جنباً إلى جنب مع عملها الإعلامي، وهذه جدلية تفرض على الإعلام إيجاد التوازن بينهما، على الرغم من أن كلاً منهما قد يشكل عبئاً على الآخر.

حياتها المنذورة للإعلام

في تأمّل مسيرتها بعلاماتٍ فارقةٍ، أي تحديث نظرة المتلقي إلى الإعلام بوصفه شريكاً متفاعلاً، تذهب عزة الشرع إلى كسر تلك الصورة النمطية للإعلام، وبالعمل من داخله على تمتين العلاقة بين التلفزيون والجمهور، وذلك عبر تراكمات مديدة جعلتها تنتزع غير علامةٍ لبرامجها الحوارية وأكثر قدرةً على الرسوخ في ذاكرة المتلقي، إذ إنّ الهمّ الثقافي والمجتمعي المسكونة به كان ما يميز تلك البرامج ويحدد موقعاً وموقفاً لها، يرسم صورتها كإعلامية شاملة ابتدأت مع تطور البرامج في قنوات التلفزيون العربي السوري، لتأخذها إلى آفاقٍ مختلفةٍ تحرّر المعنى في أدوار المذيع المحاور إلى المذيع المثقف، صاحب الأسئلة المختلفة التي تسبر آفاق المتلقي بتحسُّس قضاياه ومنها القضية الثقافية التي كانت حاضرة على الدوام في جلّ برامجها، فالثقافة ليست خطاباً بقدر ما هي طريقة في التفكير وأسلوب في الحياة، كان ذلك ما وسَمَ نشاطها المديد خلال إدارتها وخلال عملها، لتحفر اسمها في سفر الناجحين، لكن الذين تفوّقوا على ذواتهم، مع تطور الإعلام واتساع خصائصه التثقيفية والحوارية، فضلاً عن الإخبارية، ما شكّل لدى المتلقي ذاكرةً ثقافيةً بها يستعيد ألق البرامج الحوارية، والتي كان لها رموزها الكبار، إذ هي من استأنفت ذلك كله بوعي قيم المعاصرة والتحديث أكثر من مجرد تلبية لحاجاتٍ سريعةٍ اقتضتها ثقافة الصورة، فمن الإذاعة إلى التلفزيون عبرت الإعلامية عزة الشرع قوس أحلامها المتحققة لتنجز هويتها الإعلامية بتفرّدها عبر محطات تاريخها الإعلامي، فمن وصفها لذاتها بأنها «وردة جورية ذات أشواك حنونة وصارمة معاً»، نتعرف على مدى جدّيتها ومرونتها بآن، أي باختيارها لمنهج ينظّم عملها وبرؤية تجهر بخصائص نجاحها وامتلاء تجربتها بقيمةٍ مضافةٍ هي الجرأة منذ أن كان القلم وكانت الكتابة لديها طريقة في اكتشاف ذاتها أولاً قبل اكتشاف العالم، وهي المسكونة بقلق ألا تُنجز لتجعل منه قلقاً فاعلاً يضيئه حدسها ولحظات استبصارها، لتنجز ما حلمت به، ولعلّ من أكبر الأحلام حلمها بأن تظل على الشاشة مكتملة الأمل.

لحظة سقوط بغداد

وهي تقرأ نشرة الأخبار لحظة سقوط بغداد (2003)، آنذاك لم تتمالك عزة الشرع نفسها، فكانت دموعها ملهمةً للشاعر العراقي الراحل أحمد عمر بكر، الذي كتب تأثراً: ( يا عزة الشرع سيف الحق بتّار/ فلتسلم الشام كي تبقى لنا الدار/ فلتطمأني بل كوني على ثقة/ بأن أرواحنا للشام أسوار). هي لحظة إنسانية ألهمت الشِّعر، لكنها انفتحت ليس على هول وفاجعة سقوط بغداد، بقدر ما لهذه القضايا حساسية لدى الإعلامي الذي لا يكون محايداً مع الخبر، فكيف إذا اتصل بما يهدّد الأوطان وجهر بنزوع الإعلامي لمحبّة الديار والخوف مما يتهددها من أخطار مُحدقة، وشأن الإعلامية عزة الشرع شأن كثيرين من الإعلاميين الذين يتصل وجْدهم بالحدث فينعكس ألماً مُمضّاً، ينسكبُ في دواخلهم ليشي بحساسيتهم، كما بكى المذيع مروان شيخو رحيل القائد المؤسس الخالد حافظ الأسد، واختلطت دموعه بالكلمات، تلك مواقف لإعلاميين تجلو لحظاتهم الإنسانية.

التلفزيون حياتها

ربع قرنٍ وهي تواصل رسالتها الإعلامية متقحّمة عوالمه الجميلة بعد بداياتٍ لافتةٍ في الإذاعة، ومعه تطورت الأفكار الجديدة الأكثر تخصصاً، فعلى سبيل المثال الشعار الذي أطلقته في القناة الثانية «قناة الأسرة والمجتمع» كان نجاحه ترجمةً للعلاقة مع الناس من خلال البرامج المدروسة التي بدأت إذاعتها من الساعة الثانية ظهراً حتى الساعة الثانية عشرة صباحاً.

المرأة الأنموذج

اختيرت عزة الشرع امرأة أنموذجاً، كواحدة من خمس نساء حققنّ حضورهن في قضايا المرأة الاجتماعية وتحدّياتها ومعاناتها، فحينما قضت بضعة أشهر في الكويت قدّمت خبرتها الإعلامية في المجال الثقافي عبر برنامج «أوراق ملونة» وآخر كان بعنوان «قضايا درامية»، يتحدث عن شؤون الدراما في الإنتاج والتأليف والتمثيل، لتخرج بما يُعاضد ثقافتها والتواصل مع ثقافة الآخر في الطعام واللباس والعادات والتقاليد والحياة الاجتماعية والأدب والفنون.

مصارحات

من البرامج اللافتة لها كان برنامجها «مصارحات» الذي قدّمته على القناة الأرضية، المسكون بقضايا المرأة وخصوصيتها، لكنه المؤسّس لثقافةٍ مختلفةٍ جديدةٍ، والذي استمر ثماني سنوات، ومن خلال ملامسته لقضايا الناس، بأسلوب صادق وعفوي، ارتبط بذاكرتهم فكان أحد البرامج الناجحة والذي سعى إلى رسم صورة مجتمعية تهدف لإنصاف المرأة السورية من خلال أدوارها وحضورها على غير صعيد، ذلك أن هذا البرنامج لم يكن الاستثناء الوحيد في سياق رحلتها الإعلامية، بل أعقبته برامج كثيرة قدّمت مفهوماً عصرياً للإعلامي المحاور والذي يرسم آفاق ثقافةٍ شاملةٍ لا تقف عند التحدّيات والمخاطر بقدر ما يستشرف في الواقع ذاته، ليرسم دور الإعلام ووظيفته في الزمن المختلف. ولذلك ظلّ حضورها كإعلامية تُراكم خبراتها لتكمل أدوارها المنشودة، ما يحمل القدرة على اجتراح خطاب إعلامي جديد وسط المتغيرات واستجابة للتحدّيات التي تطاوله على غير مستوى، وبقي اسمها مثقلاً بالتجربة والامتلاء شاهدةً على تحولات كثيرة وآمال أكثر.

سطور وعناوين

– تخرجت في جامعة دمشق- قسم اللغة الإنكليزية.
– شاركت بعدد من الدورات في مجال التقديم والإعداد في مركز اتحاد الإذاعات العربية عام 1982، ودورات تالية في مجال التحرير الإخباري والتلفزيوني والتقديم وتغطية المؤتمرات الصحفية والأحداث السياسية المباشرة وخاصة الميدانية منها.
– عملت في إذاعة دمشق بين عامي 1980-1981، قدمت خلالها العديد من البرامج منها برنامج (أرقام، ومن إذاعات العالم).
– عملت في التلفزيون العربي السوري مذيعة منوعات في برامج عديدة أهمها برنامج (مجلة التلفزيون، واحد من أربعة، طريق النجوم بجزأيه).
– انتقلت للعمل في تلفزيون أبو ظبي من خلال برنامجها «أخطاء ونجوم»، وبرنامج «بين يومين».
– عملت مذيعة أخبار رئيسية لصالح تلفزيون البحرين.
– عملت مذيعة أخبار رئيسية ومُقدمة برامج سياسية في التلفزيون العربي السوري ومنها برامج «الساعة الخامسة والعشرون، أحداث اليوم، العالم هذا الصباح».
– عُينت منذ عام 2007 مديرة للقناة الثانية ومذيعة أخبار رئيسية حيث قدّمت برنامج «بين حدّين ومصارحات والمرصد ونصف المجتمع».
– كرّمتها المؤسسات الإعلامية وحصلت على لقب المرأة الأنموذج في دبي عام 2010 ضمن حملة «الأيادي البيضاء».

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock