ثقافة وفنون

فواز أرناؤوط.. المُزاوجة الموفّقة بين الفن التشكيلي والإعلام

تنافس فني

لقد عاش فواز أرناؤوط في مركز فتحي محمد حالةً صحيّةً وصحيحةً من التنافس الفني الجاد بين زملاء الدراسة، واحتكّ بمجموعة من الفنانين التشكيليين الكبار (لؤي كيالي، إسماعيل حسني، وحيد اسطنبولي، طالب يازجي)، الأمر الذي ساهم في تطور تجربته الفنيّة وبلورتها ونضجها، ما أهّله ليأخذ طريقه بسهولةٍ ويسرٍ إلى محترفات كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق (عام 1974)، حيث تعرّف فيها على فنون جديدة.. ولأنه في الأساس متمكّن من الرسم والتصوير والفنون الغرافيكيّة والنحت اتجه إلى دراسة العمارة الداخليّة «الديكور» وتخرّج في هذا الاختصاص عام 1979، وعملَ خلال دراسته الأكاديميّة في المؤسسة العربيّة للإعلان، ورسمَ الكاريكاتير لعدد من الصحف والمجلات، وقام بتصميم الطوابع والملصقات متعددة الأهداف والمضامين، كما رسمَ لمجلة «أسامة» المخصصة للأطفال ما يربو على خمس سنوات. وفي عام 1980 غادر دمشق إلى دولة الإمارات العربيّة المتحدة، حيث عمل مديراً فنياً ورساماً في عدة مجلات وصحف، ليستقر بشكل نهائي في صحيفة «البيان» بدبي التي مازال يعمل فيها حتى الآن. إضافةً إلى ذلك أقام الفنان أرناؤوط معرضين في مدينة أبو ظبي، وشارك في غالبية المعارض الجماعيّة التشكيليّة الداخليّة والخارجيّة، وقد استهواه موضوع الوجه «البورتريه» فعالجه في أغلب أعماله الفنيّة، سواء بوسائل التعبير التقليديّة «الألوان والفرشاة» أو بوساطة الشاشة الإلكترونيّة.

الدراسة الأكاديميّة

في كلية الفنون الجميلة بدمشق، تمكّن فواز من التمييز بين مفهوم «اللوحة» و«الملصق» و«المحفورة» و«المنحوتة» و«الصورة»، لكن ما لفتَ انتباهه أكثر من غيره هو اختصاص «العمارة الداخليّة»، فقد كان تهافُت طلبة الكلية على هذا الاختصاص (لا تزال هذه الحالة قائمة حتى اليوم) كبيراً ومثيراً، ما دفعه إلى اختيار هذا الاختصاص مجالاً أساسياً لدراسته الأكاديميّة، ولأنه في الأساس كان متفوقاً في اختصاصات الكليّة كافة (يدرسها الطالب قبل التخصص) فاز بسهولةٍ ويسرٍ بهذا الاختصاص المطلوب والمرغوب، وكذلك أثارته «العمارة الداخليّة» كاختصاصٍ جديدٍ، وتخيّل أنه قد يجد فيه شيئاً مجهولاً ومثيراً، فدخَلَه من دون أن يتوقف عن ممارسة الاختصاصات الأخرى، لاسيّما الفنون الغرافيكيّة التي كان يمارسها خارج نطاق الدراسة الأكاديميّة في عدد من الصحف والمجلات الدمشقيّة قبل أن يستقر بشكل نهائي في الصحافة الإماراتيّة.
اهتمامات متنوعة
بدأ فواز أرناؤوط تجربته الفنيّة العمليّة خارج محترفات كلية الفنون مع رسوم الأطفال التي نشرها في مجلة «أسامة» لمدة تزيد على خمس سنوات، كما أثارت انتباهه مُلهمة الفنانين، عاشقة الصخر والتاريخ، بلدة معلولا، إذ وضع لها العديد من اللوحات وعرضها في أكثر في مناسبة، كما خاض غمار المسابقات الخاصة بالتصميم والفنون الغرافيكيّة، وحصل من خلالها على العديد من الجوائز، وبعدها جاءته الفرصة السانحة التي لطالما حلم بها وانتظرها، وهي «تصميم الطوابع» التي سرعان ما خاض غمارها مدفوعاً بشوقٍ ورغبةٍ، آملاً بأن يترك عبرها نتاجاً فنياً متميزاً يشير إليه بشكل دائم.
وبخطٍ موازٍ وبالزخم نفسه، كان فواز يتطلع إلى اللوحات الجداريّة التزينييّة، غير أن تصميم الطوابع أخذ منه جلّ وقته، ولبّى طموحاته آنذاك، فحصل على الجائزة الأولى في إحدى مسابقات تصميم الطوابع السوريّة، (كان يومها لا يزال طالباً في السنة الثالثة في كلية الفنون)، وقد استغرب القائمون على المسابقة أن يكون الفائز الأول من الطلبة.. وهكذا استمر فواز في تصميم الطوابع، والرسم للأطفال، وإنجاز رسوم توضيحيّة وكاريكاتيريّة لعدد من الصحف والمجلات السوريّة، وتصميم الإعلانات المختلفة للعديد من الجهات العامة والخاصة.

نضج التجربة

عقب تخرّجه في كلية الفنون، وانشغالاته المتشعبة في فنون الرسم والتصميم والإعلان، سنحت له فرصة العمل في الخارج، فوقّع عقداً وانتقل للعمل في دبي وما زال يتابع فيها الاهتمامات نفسها مع تركيز أكبر على الإخراج الصحفي وتصميم «ماكيتات» المجلات، والرسوم التوضيحيّة، وأغلفة الكتب، والملصقات الجداريّة، وإنجاز اللوحة الزيتيّة والمائيّة بين الحين والآخر.. وشيئاً فشيئاً بدأت تجربته الفنيّة تتبلور مميطة اللثام عن رسام ومصور ومصمم غرافيكي متمكن من أدوات تعبيره، ويمتلك الموهبة والخبرة في آنٍ معاً، الأمر الذي وفّر له فرص النجاح وإثبات الوجود والتمايز في كل موقع ارتاده ومجال خاض غماره.

تجربة لافتة

يقوم الفنان أرناؤوط منذ مدة بإنجاز مجموعة من الرسوم لوجوهٍ معروفةٍ في الحياة السياسيّة والفنيّة العالميّة بوساطة تقنية حاسوبيّة متطورة، تعطي نتائج فنيّة متكاملة، شكلاً وتعبيراً، ومتفردة عن غيرها من المزايا والإمكانيات التي وفّرها الحاسوب للمشتغلين في مجال الرسم والتصميم، والتي -أي المزايا والإمكانيات- غطّت على ضعف موهبة وخبرة العديد من الفنانين التشكيليين والمصممين الغرافيكيين، ووضعت بين أيدي طلبة كليات الفنون الجميلة فرصاً كبيرة لإنجاز وظائفهم ومشاريع تخرّجهم بأبهى شكل وأجمل هيئة وأكبر إدهاش وتمايز، لكن الأمر مختلف مع التقنية الحاسوبيّة الجديدة التي يستعين بها فواز أرناؤوط لتنفيذ رسومه الجديدة، إذ تلزمها يد رسام موهوب وخبير ومتمكّن للخروج بمنجزٍ فني لافتٍ، بمعنى أنه لا يمكن للمواهب الفنيّة المتواضعة الاختباء والتلطّي وراءها. وما يلفت الانتباه أيضاً هو محافظة هذه التقنيّة على أسلوبيّة الفنان وخصائص ومقومات فنه، ما يؤكد قيام حالة من التعاون والتآلف بين إمكانيات الجهاز وقدرات الفنان المحرّك له، وهو ما يبدو جلياً وواضحاً إلى حدٍّ كبير في الرسوم الوجهيّة التي ينفذها الفنان أرناؤوط حالياً بصيغٍ وأساليب وتقاناتٍ مختلفةٍ تفرضها عليه تضاريس الوجه المُعالج وموقفه الشخصي من صاحبه، والإيحاء بالدور الذي يلعبه أو المهنة التي يمارسها.

إمكانات الرسام والمصوّر

يعكف الفنان أرناؤوط منذ سنوات على إنجاز أعمال فنيّة متفرقة ينشر معظمها في صفحات جريدة «البيان» التي يعمل فيها منذ نحو أربعة عقود وحتى الآن، حيث يعالج في بعضها الوجوه، وفي الأخرى أفكاراً أوليّة للوحات جداريّة زخرفيّة السمة، وفي الثالثة يتصيّد مواقف سياسية طريفة يعكسها بصيغةٍ كاريكاتيريّةٍ تختزل أسلوبيته في الرسم والتلوين، وتنمُّ في الوقت نفسه عن نزعةٍ تتملكه منذ بدأ مشواره الأول مع الفن، هي نزعة «رسام الكاريكاتير» التي ما زالت تسكنه، وتأخذ طريقها إلى أعماله بين الحين والآخر.. إذ يقدّم الفنان أرناؤوط في الأعمال الوجهيّة تجارب مختلفةً يعالج فيها شخصيات ومشاهد حياتيّةً يوميّةً بأسلوب زخرفي الطابع، يتقاطع مع خصائص الزجاج المُعشّق تارةً بوضوح وقوة الخطوط والألوان وتباينها الصريح، ومع الزخرفة والتزيين تارةً أخرى، وثمّة أعمال يستخدم فيها وحدةً هندسيّةً محددةً هي المثلث المتدرّج من لون واحد في كل عنصر أو شكل، ما يوحي بالتجسيم والحركة ويقارب خصيصة التصوير الجداري المنفّذ بالفسيفساء أو الخزف، وكل ذلك من دون التضحية بملامح العناصر وبُنيتها وخصائصها المتميزة. أما تجربته الأهم والأبرز فهي مع الوجوه السياسيّة والدينيّة والفنيّة التي تتناقلها الأخبار، وفيها نقف على عدة معالجات وتقانات، يبرز في بعضها الخط (الرسم) كعنصر تعبيري وتشكيلي أساسي، وفي بعضها الآخر يأخذ هذا الدور اللون وتدرّجاته، وفي أعمالٍ أخرى يوفّق إلى حدٍّ بعيدٍ بين هاتين القيمتين الأساسيتين في العمل التصويري، فبينما يتكئ الفنان أرناؤوط للإيحاء بالظل والنُّور والحجم على اللون الواحد ومشتقاته (بني، أسود) وبلمسةٍ ناعمةٍ يحدّد فيها هيكليّة العناصر وماهيتها، نراه في أعمال أخرى يُوظّف اللون والخط (الرسم) لهذه الغاية من دون أن يُضعف حضورهما في العمل أو ينحاز لأحدهما. كما أنه في الوقت الذي يبدو فيه واقعياً في اختيار درجات الألوان، يبدو في أعمال أخرى متحللاً من هذه الواقعيّة، لكن من دون أن يضحي بالشبه أو النسب التشريحيّة الصحيحة، وإنما يقدّم هذه الخصائص والمقوّمات ضمن إطار فني رفيع وجو تعبيري عميق، يحدّدُ من خلاله موقفه السلبي أو الإيجابي تجاه الشخص المرسوم.
في أعماله عموماً، وعلى اختلاف التقنية المستخدمة فيها (زيتي، مائي، إكريليك)، يؤكد الفنان أرناؤوط على تعاضد الرسم واللون والشبه، ويولي القطع (التكوين) اهتماماً كبيراً، كما يؤكد كثيراً على الحالة التعبيريّة التي يذهب بها أحياناً من جو اللوحة الكلاسيكيّة الرصينة المُعالجة بعمقٍ وخبرةٍ كبيرةٍ إلى نزعةٍ كاريكاتيريّةٍ متأصلةٍ فيه، يُهرّب من خلالها موقفه الشخصي تجاه الموضوع المعالج من دون التفريط في فنيّة العمل، أو الاستخفاف بقيمه التشكيليّة والتعبيريّة، مهما كان موقفه من الشخص المرسوم.

نشاط متعاظم

ازدادت في السنوات الأخيرة مشاركة الفنان فواز أرناؤوط في الملتقيات الفنيّة الدوليّة التي تشهدها دول عديدة كتونس والمغرب ومصر وجورجيا وسويسرا وروسيا وتركيا وكوسوفو وغيرها، والمكرّسة لفنون الرسم والتصوير والتصميم الغرافيكي، وله تجربةٌ لافتةٌ في الرسم السريع ضمن برامج تلفزيونيّة، إضافةً إلى عمله اليومي في وضع رسوم وجوه و«موتيفات» تحتاجها الموضوعات التي تنشرها الصحيفة التي يعمل فيها، معتمداً في ذلك على الأدوات والوسائل التقليديّة كالقلم والريشة والأحبار وعلى الأجهزة المتطورة، وفي هذا المجال يقول: «كنتُ أشتغل بالقلم والفرشاة والألوان التقليديّة قبل أن أتعرّف على الشاشة الإلكترونيّة التي تُسعفني (اليوم) في إنجاز عملي الفني وبسرعة كبيرة، وهذا العمل أكثر ملاءمةً للإعلام المقروء والمُشاهد، لأنه يأخذ طريقه إليه وهو بكامل خواصّه التعبيريّة والفنيّة، خلافاً للعمل الفني المنفّذ بالقلم والريشة والألوان على الورق، حيث يفقد نسبةً لا بأس بها من خواصّه أثناء تصويره بـ«السكنر» ونقله إلى وسيلة الإعلام». ورغم ذلك ما زال الفنان أرناؤوط يُفضّل الاشتغال بالوسائل اليدويّة التقليديّة لكونها تحمل نكهةً خاصةً، وتنقل فيضاً كبيراً من أحاسيس الفنان وانفعالاته بشكل مباشر وسريع إلى سطح عمله الفني وحمولاته من الأشكال والخطوط والألوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock