آخر الأخبارثقافة وفنون

في رصيده عشرات العروض المسرحية المخرج عجاج سليم:نحن جيل تربّى على الحُب.. حُب الناس والأرض والوطن

 

جهينة- نجوى صليبه:

«المفتاح»، «الزّير سالم»، «المفتش العام»، «علاء الدّين والمصباح السّحري»، «سفر برلك»، «الغول»، «يوم من زماننا»، «سيدة الفجر»، «نور العيون»، «حكاية بلا نهاية»، وغيرها الكثير من العروض المسرحية التي أخرجها، وأشرف على ما لا يقلّ عنها من مشروعات تخرّج طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية الذي يدرّس فيه منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وشغل فيه منصب وكيل المعهد للشؤون العلمية لفترة طويلة قبل أن يتسلّم عمادة المعهد ومن بعدها إدارة كل المسارح والمسرح القومي.. إنه المخرج والممثل المسرحي الدكتور عجاج سليم الذي كان لـ«جهينة» معه الحوار التالي:

ضرورة التغيير

سنوات طويلة قضيتها في العمل الإداري وأعطيته من الحُب والجهد والوقت الكثير، لكن هل كانت هذه السنوات عائقاً أم سبباً لابتعادك عن الإخراج؟
أحببتُ العمل الإداري لسبب أساسي، وهو شعوري بضرورة تغيير الكثير من الأمور وبإمكانية ذلك، واشتغلت على هذا الأساس، ولاسيما أنني اكتسبت خبرةً مع الأستاذ صلحي الوادي والأستاذ أسعد فضة خلال عملي معهما، أحببت أن أفعل شيئاً وأزعم أنني فعلت الكثير من الأشياء، أهمها ترميم الكثير من المسارح وبناء مسارح جديدة وإقامة المهرجانات ودعم مهرجانات الهواة، فضلاً عن زيادة عدد العروض للموسم الواحد من ستة عروض إلى أكثر من أربعين عرضاً وبالميزانية ذاتها، كما أننا عملنا على تنقل العروض بين المحافظات، وكان لديّ الكثير من الأشياء لإنجازها، لكن الوقت لم يكن معنا، إذ إن الدوام والعمل الإداري كانا يستغرقان وقتاً طويلاً منّي، وكان يجب أن نحضّر بروفات وننسق ونقرأ فضلاً عن الكثير من المهام، لكنّي كنتُ سعيداً بذلك وأعتزّ بتلك المرحلة وأتذكرها بفرح، وهذا الشعور كنت أتشاركه مع زملائي حينها.

هل كنت تعاني من الروتين في التعامل مع هذه المؤسسات؟
إن زملائي لا يقصّرون أبداً، لكن هناك أشياء أكبر من هذا ولها علاقة بالقوانين، (اليوم) ما زلنا نتعامل مع المسرح بقوانين المصرف الزراعي أو غيره رغم يقيننا بأنه بحاجة لقوانين خاصة!.

مكانة المسرح وهيبته

ليست القوانين ما يحتاجه المسرح فقط، إنما يحتاج أيضاً للحُب والعمل والشغف الذي غاب عن بعض العروض التي قُدّمت خلال سنوات الحرب، ما يقودنا للتساؤل عن دافع هذه العروض، هل كان حُب الظهور أم حُب المسرح ذاته؟
بصراحة الأمر يختلف من عرض إلى آخر، فهناك من يحب المسرح ولديه رسالة يقدّمها واشتغل فيه بكل شغفٍ على الرغم من كلّ الظروف التي كانت خلال الحرب، لكن طبعاً كانت هناك «تخبّطات» كثيرة وأحياناً كان ثمة استغلال لبعض الرموز الوطنية، مثلاً هناك من تحدّث عن الجندي السوري فقط من أجل أن يصفّق له الجمهور ومن دون أن يعرف شيئاً عن تضحيات هذا الجندي، ولهذا أنا مع إعطاء الشباب الفرصة لكن بشرط أن تكون مدروسةً وبإشراف مسرحيين مُخضرمين، ولاسيّما في المسرح الرسمي الذي يقدم ظروفاً أفضل للإنتاج، لذلك ينبغي المحافظة على مكانته وهيبته وإعطاء الفرص لمن يستحقها فقط، وهنا أؤكد أنّ المسرح يتأثر بكل شيء، فإذا كان الجو بارداً أو حاراً قد لا يحضر أحد العرض أو ربما الغالبية تمتنع عن ذلك، ومن أجل كل ما سبق لم تكن لديّ رغبة بالعمل وكنتُ أرى عروضاً بعضها مزعج، وأخرى مرتجلة، والبعض منها كان ظواهر ظهرت فجأة وانتهت، وبعضها الآخر كان مخزياً للمسرح السوري الذي له تاريخه وحضوره في الوطن العربي، لأنه مسرح يتمتع بكل الإمكانيات والتقنيات ولديه جمهور كبير يتفاعل معه.
ما رأيك بمن يقول بوجود أزمة نصٍّ مسرحي؟
أنا أرفض هذا القول، ومن يقول ذلك لا يعرف المسرح أصلاً ولديه ضعف معرفي فيما يخصّ المسرح، وهذا يعدّ هروباً للأمام وذهاباً إلى الهاوية، نحن قادرون وهناك تجارب عالمية وعربية، إذ من خبر في جريدة يمكن كتابة نصٍّ مسرحي وإقامة عرض، مثلاً في عصر النهضة كان الممثلون يأخذون خبراً من أخبار البلد ويرتجلون ويقدمون عرضاً مسرحياً، كما أنّ كل ما كتبه موليير وشكسبير للمسرح كتباه من حوادث وقصص تاريخية، وهناك نصوص كثيرة لكن المشكلة هي في الدراما لأنّ معظم من يكتب في الوطن العربي يقوم بذلك في بيته ويسرد وينسى الإيقاع ووجود ممثل وحدث تجب معالجته، وعندما يأتي المخرج يعاني كثيراً، لذلك تُقام ورشات العمل.

هل تتمّ معالجة النص المسرحي بالتوافق ما بين الكاتب والمخرج؟
أنا حالياً أشتغل على نصٍّ مؤلّف من مئتين وأربعين صفحة، (أي يستغرق ثماني ساعات)، لكنّي اختصرته إلى ثلاثين صفحة (أي ثلاثين دقيقة)، والكاتب اقتنع بالفكرة، وكمخرج لديّ فكرة أخرى لأنّ النص عنصر من عناصر العرض المسرحي وليس العرض كلّه، أنا واجهت هذه المشكلة في بداية البروفات التي أقمناها في عرض «كيميا» لأنني كنتُ أريد عبارات بسيطة، وهناك أشياء نعبّر عنها بالحركة والدلالة فقط والأداء وهذا ما طبّقته، فأي شيء يمكن التعبير عنه من دون النص أعبّر عنه، وعندما لا أستطيع ألجأ إلى الحوار.

الممثل بأجمل صورة

الحركة والتنقل السريع اللذان يتضمنهما العرض المسرحي يتطلبان شباباً نشيطاً يتمتّع بلياقة بدنية قوية، وكانت عودتك في عرض «كيميا» شابة وحيوية وطموحة، ما رأيك؟
البعض يسمّي التعامل مع الشباب مغامرة، لكنّي أسميه روح المسرح، في عرض «سفر برلك» كان اختياري للشخصيات من الشباب والخريجين الجدد من المعهد أمثال: شكران مرتجى ومريم علي وسهيل جباعي ومحمد حداقي وفادي صبيح، وبعضهم كان لا يزال طالباً في السنة الثانية في المعهد، وكان عرضاً مثمراً وأحد العروض المهمة في تاريخ المسرح السوري، (اليوم) أي شخص يتحدث عن المسرح السوري يذكر «سفر برلك» ويتكلّم عنه، وأنا أشعر بأن لا شيء يجدّد روح المسرح سوى الشباب والاعتماد عليهم أحد أسباب نجاح العرض، طبعاً مع الاحترام لكلّ الممثلين الكبار، كما أنني أشتغل بطريقة تحتاج إلى جهد ووقت وبشكل دائم أعيدُ النص على الخشبة وأحلّله، وهذا الجهد لا يقدر أي شخص على تحمّله كما في عرضي الأخير «كيميا»، إذ إنه عبارة عن ساعة من الحركة والانتقال من مكان إلى آخر، وهذا لا يتحمله أحد غير الشباب، ولهذا أحاول تحقيق شرط أن المسرح فن رائد ومعاصر يحدث الآن، فالتضحيات التي قدّمها السوريون استوفت طاقتهم ونحن (اليوم) بحاجة إلى الحُب والحديث عنه وإبرازه وتجسيده بمفهومه الكوني الشامل والخاص جداً، من يمتلك إرادة الحُب يمتلك إرادة التحرر، والاعتماد على الشباب مغامرة ولكنها محسوبة العناصر.

يحدّثنا المسرحيون السوريون الكبار عن مرحلة الشباب وعن شغفهم وحبهم للمسرح وعن ظروف العمل الصعبة والممتعة معاً، هل يحمل شباب (اليوم) الشغف والحُب نفسه للمسرح، أم إن البعض منهم يرى العمل في المسرح فرصة للظهور أو الترفيه؟
أي ممثل مكانه الحقيقي هو خشبة المسرح باعتبار أنّ العمل المسرحي يحتاج إلى جهد حقيقي وشغف وحُب ومتابعة دائمة، إنه كالزيت المبارك الذي يعالج الصدأ، (اليوم) هناك شباب يستمعون لأم كلثوم وصباح فخري وعبد الحليم حافظ على الرغم من وجود تيارات جديدة وكثيرة في الغناء، كما نلاحظ أنّ جمهور المسرح بمعظمه من الشباب وهذه إشارة جيدة للمستقبل، الشباب (اليوم) يعملون بالحماس ذاته، مثلاً العام الماضي تخرجت دفعة جديدة، لكنّ هناك اختلافاً بين حياة المعهد والحياة المهنية أو الاحتراف، وربّما لأنني أجمع بين التدريس والإخراج والمسرح أفهم هذه القصة وأتعامل معها جيداً، فكل العروض المسرحية التي أخرجتها قدّمت الممثل بأجمل صورة، وجميع الذين اشتغلوا معي هم حالياً نجوم، وهذا واحد من الأمور التي أعتز بها.

السكوت نفاق

مثل أيّ وسط فني أو ثقافي شهد الوسط المسرحي خلافات تجاوزت الخشبة إلى «الجدران الزرقاء»، فهل تعدّ هذه الخلافات العلنية أمراً عادياً أم إنها تندرج تحت العيب والأخلاق المهنية؟
هذا الأمر يردّ إلى الأخلاق المهنية والأخلاق الإنسانية، أنا أرى الكون بشكل وجودي جداً، أي لا شيء يستحق الخلافات، حيث يجب احترام الآخر وأيضاً احترام رأيه مهما كان، ربما ننزعج من أي رأي لكن ينبغي أن يبقى ضمن حدود الحوار ويجب ألا تتجه الأمور إلى «الشخصنة»!.

لم توفّر وسيلةً لإيصال كلمتك ورأيك في كل ما يدور حولك، فالمتابع لصفحتك الشخصية على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يلحظ مدى حبك لوطنك وحرصك على إبداء رأيك في كل ما يخصّ حياتنا اليومية ولاسيما الثقافية على خلاف الكثير من المثقفين الذين فضّلوا النأي عن كل ما يحدث حتى في العالم الافتراضي؟
أنا ابن عائلة بسيطة، تعلّمتُ وأكملتُ دراستي بفضل البعثة التي حصلتُ عليها من الدولة، ولولا ذلك لما استطعت أن أكمل الدكتوراه، نحن جيل تربّى على الحُب، حُب الناس والأرض والوطن، ومن هذا المنطلق لم أستطع أن أجلس متفرجاً من دون القيام بأي شيء، لذلك كنّا نساعد الناس ليلاً نهاراً بالتعاون مع المنظمات الاجتماعية الأهلية، ولأنّ فترة جلوسنا في المنزل خلال الحرب أصبحت أطول استغللت توفر وسائل التواصل الاجتماعي لأنني لا أستطيع الحياد أو الوقوف جانباً، إذ شعرتُ بأنّ هناك أموراً كثيرة يجب أن نكتب عنها، وشعرتُ أيضاً بأنّ «فيسبوك» جمعنا خلال الحرب، فهناك من لم نكن نعرف أخباره إلّا عن طريق «الفيس»، ولم أجد مشكلة في التعبير عن رأيي في ما يخصّ مكاناً تراثياً يتعرض لأذى ما، فالأمر تعدّى الحذر أو الخوف غير المبرّر، السكوت ليس وطنية بل السكوت نفاق، أنا أمجّد بلدي فقط، وفي المسرح لا أشتغل أي نص، بل النص الذي أقصده، كما لا أشتغل الفن للفن لأنه ليس لدينا هذا الترف.. كل سوري بقي في هذا البلد وتحمّل كل المشكلات والمصاعب ولم يغادره ليس بحاجة لشهادة وطنية من أحد.

خطوة جيدة ومفيدة

نلاحظ أنك لا تحمل الهمّ المسرحي وتعمل على تقديم الممكن لتطويره واقعياً فحسب، إنما تجاوز هذا الاهتمام حدود المكان إلى الجدران الزرقاء، ونجدك كل يوم تقوم بتحميل الكتب المتخصّصة بالمسرح على صفحتك لتكون متاحةً لمن يود ويرغب من المسرحيين وغيرهم، والسؤال هل كان المسرحي السوري مثقفاً بشكل عام ومسرحياً بشكل خاص؟
لكي أكون صريحاً.. لا أجده كذلك، هناك أشخاص سألوني عن كتب ومكتبات المسرح، لذلك صرتُ أحمّل الكتب على صفحتي الشخصية، لكنّي لم أجد إقبالاً على مشاركتها، إذ يوجد كسل وتقصير، ومن هنا يجب تعويد أبنائنا على القراءة والمتابعة من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية، فالموضوع متكامل ومترابط.

ما دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر العروض المسرحية كاملةً وأرشفتها؟
يمكن نشر كل العروض عبر «يوتيوب» وهذا إنجاز وخطوة جيدة ومفيدة، مثلاً الهيئة العربية للمسرح تنظّم مهرجانات كاملة وعروضاً وطنية ترعاها مثلاً فلسطين وموريتانيا وعدن وتنقلها عبر البث المباشر، وصحيح أنّ متعة العرض والمشاهدة على خشبة المسرح لا تضاهيها متعة لكن على الأقل نعرف ماذا يحدث، وماذا يشتغل زملاؤنا في الوطن العربي.. فيما مضى كنا محكومين بتلفزيون واحد و(اليوم) هناك فضائيات كثيرة لكن للأسف بعضها يتنافس بالألوان وبعضها الآخر يتّجه إلى البذاءة واستجداء الضحكة الغبية أحياناً، ولذلك أقول: طالما أنا أتحدّث وأبدي رأيي فأنا موجود على هذه الأرض، وأنا لا أتحدّث أو أكتب من أجل الإساءة إنّما للإشارة إلى أمر مهمّ، فمن حقنا أن نعرف لأن كل حجر هو ملكٌ للجميع.. يجب أن نعرف لكي نقول لمن يعمل «يعطيك العافية».

سطور وعناوين:

• مخرج وممثل سوري، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية.
• من المسرحيات الهامة التي أخرجها (سفر برلك، نور العيون ، هوب هوب، المفتاح، الزير سالم، المفتش العام، يوم من زماننا)
• حاصل على دكتوراه في العلوم الفنية قسم الإخراج من روسيا الاتحادية عام 1992.
• شغل منصب مدير المسارح والموسيقا ومدير مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر.
• أستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية.
• يستأنف عروضه المسرحية المنتقاة من الآداب والثقافات العالمية، عبر مسرحيته «كيميا» التي يناهض بها القبح ويحمل دعوة للحب والجمال.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock