آخر الأخبارإصدارات جهينةحوارات

قطع دراسته وعمله ليتطوع في صفوف الجيش العربي السوري الشهيد الحي سامر شيخ عيسى:التحليق في سماء العشق لا يحتاج إلى قدمين

 

جهينة– أحمد علي هلال:

لم يدر في خلده يوماً أن الوطن سيمنحه أرفع أوسمته، وأنه سيرتقي معراج السماء جسداً وتظلّ روحه حيةً تحمل بقية الجسد على دروب الحياة ومواصلة العمل، معاندة للموت باجتراح الحياة، وإرادة كبرى تحمله على أن يغذّ الخطى لمواصلة حلمه متابعاً البناء، وأن يرى وطنه وقد تعافى من دنس الغزاة والطامعين، ومتماهياً مع قدره الذي اختاره ليكون شهيداً حياً مكتمل الحلم، وأمامه وطن يقوم وينهض بشقائق النعمان/ الشهداء، شأنه شأن زملائه الكثيرين الذين فقدوا أطرافهم لكنهم لم يفقدوا جذوة الحلم والأمل، وهو الذي اعتاد في طفولته على الرسم وفنونه، ليرسم حلمه بالفداء، فالوطن عنده يماثل العشق الذي يذهب إليه الرجال باكتمال فروضه والصلاة في محاريب أرضه العطشى بالدم، كم تعدّدت أسماؤه من المقاتل الجريح إلى الشهيد الحيّ، إلى الصاعد إلى السماء، إلى الباقي في الأرض رمحاً في صدر الغزاة، لتنهض الأرض مُبرأة منهم وتستعيد شمسها بوهج قلوبهم.. سامر شيخ عيسى هو مركّب هذه الأسماء كلها والأنموذج الحيّ للشهيد الذي افتدى وزرع قدميه في الأرض، تماماً كالرماح العالية لتزداد الأرض رسوخاً وترتفع قامة السماء أكثر مُزينة بأكثر من نجمتين.

لحظة الاختيار

على مرأى من قلبه وعقله كان الوطن ساحة اشتباك مديدة وحقلاً تركض فيه الريح مُطاردةً بقاياهم وظلالهم الزنيمة، وكان سامر الفتى يرنو بقلبٍ مفتوح ويتساءل كيف يكون دوره ويلبي النداء من دون أن يطلب أحد ذلك منه، ليقطع دراسته وعمله ويذهب متطوعاً في صفوف الجيش العربي السوري، وليكون مقاتلاً في صفوف عشاق الأرض والشمس، ولعلّ شجاعة الاختيار التي حملته على أن يكون حيث أراد لتُكتب سيرة أخرى للحالمين الشجعان، وكخطوط اليدين انفتحت الأرض أمامه ليقوم بما هو أكثر من واجبه، بل هي عقيدته المؤسّسة على خلاص الأوطان، معركة إثر معركة والقلب تتسارع نبضاته في سرديات ملحمة رجال الأرض، كان سامر يعدّ على قلبه لحظات النصر والانتشاء، ويطوي الوقت منتظراً متهيئاً لتصبح الجهات كلها جهات قلبه كما رفاقه الذين حملوا راية الوطن من موقعة إلى موقعة يزنّرون حدوده بقلوبهم وأرواحهم، علّق الدراسة واختار الذهاب مقاوماً، ذلك هو خياره وهذا هو رغيفه الجديد الذي استلّه من الشمس.

ولادتان

سيعني له الكثير تاريخ بعينه هو 7/10/2013، ليعود إلى سردية ما حدث، يقول المقاتل سامر شيخ عيسى: «بتمام هذا التاريخ حيث كنت أنا وزميل لي في كتيبة الاستطلاع.. انفجرت عبوة أدّت إلى استشهاد صديقي المقاتل حسين الراعي وأصبت أنا، بقيت مُلقى على الأرض أكثر من ست ساعات وحولي بركة من الدماء، وقدماي انفصلتا عن جسدي في فراق أبدي، لقد شعرت بقوة وتصميم وسعادة لم أشعر بها من قبل».

لكن ما انطوى عليه ذلك الحدث هو ولادتان لسامر وللوطن، هي لحظة المعراج –لحظة إصابته وبتر طرفيه السفليين- تلك اللحظة التي يقول عنها: «نعم في لحظة معراجي اكتسبت قوة لو وزعت على من في الأرض لاكتفوا جميعاً وما نقص منها مثقال قطرة من بحر.. وأعرف تماماً من أنا وأين أنا وإلى أين، ثلاثة وسبعون شهراً عددتها بالشهور لا بالسنين، بل أصبح لديّ معيار زمني خاص وهو الفترة الفاصلة بين هجمات الألم على مدار اليوم واللذة على مدار الألم.. أجل اللذة، إنها لذة فريدة غريبة عن بقية اللذات، هي أشبه بنشوة النصر أو فرحة الوصال، وإن سألت عن حالي بعد ست سنوات أقول لك: ما أنقصني إلا ليكملني».

هنا تركت شرنقتي

شأنه شأن كثيرين ممن أضاءت جراحهم فضاءات الوطن، واكتملوا بأجسادهم ولو فقدوا جزءاً غالياً منها، أما حال سامر شيخ عيسى التي تمثل تحدياً وإصراراً فهو المكتمل بمواصلة حلمه الآخر، ليتابع الدراسة والعمل على الرغم من مشقته الكبيرة وصعوبته البالغة، العمل في الجصّ وديكوراته المنزلية، الأمر الذي وجد له طريقة ليتمّ فيها ما ابتدأه، إذ يحمله رفاقه ليكمل بيديه رسماً أو نحتاً، وهذا بحدّ ذاته ما شكّل معجزة وقوة مثال لإرادة نادرة، إذ لم يقعده بتر قدميه اللتين زرعهما هناك في أرض الوطن، وكثيراً ما كان يزور موقع إصابته مستعيداً تلك اللحظة وانخطافاتها المثيرة في وجدانه وأحاسيسه، بل في متخيله كذلك، إذ يجهر بالقول: «هنا تركت شرنقتي وتحررت، هنا بنيت لقلبي جناحين فحلّقت، هنا صليت وكبرّت وقاتلت».


بفضل إرادته القوية انتصر على الفقدان لجزئه الغالي، وانتصر كذلك على الألم مجسّداً أسطورة شخصية سوف تتعدد –هذه الأسطورة- بمئات القصص التي يرويها جرحى الوطن، ويذهبون في إثر سردياتها العالية، لكن متنها يحمل قصص نجاحهم، ليس بالتغلب على الألم ومكابداته فحسب، بل في اجتراح شكل جديد للحياة، إذ إنهم يُولدون من جديد تحت سماء وطنهم، وأعينهم ترنو إلى مؤسسات الوطن بأن ترفو جراحهم وتفسح بالمجال لهم كي يستعيدوا دورة حياتهم، وغالباً ما يكون حديثهم بأنهم لم يفقدوا شيئاً على الإطلاق، هي محض أجزاء زرعوها في غير بقعةٍ من الأرض السورية، لتنمو أشجار السنديان عالية وتخصّب فصول الحياة السورية على طريقتها.

كثير من الأمل

ستبدو قصص نجاحهم كشأن المقاتل البطل سامر عيسى، سياقاً لسردياتٍ سوريّةٍ مختلفةٍ لا تقوم خلاصتها على انتزاع الأمل فقط، بل عيشه ومواصلة الحياة استعداداً لجولات أخرى يطلبها منهم الوطن، فهم مازالوا الأمانة في الأعناق، لأنهم شهداء أحياء يواصلون مشوارهم بالقليل من الألم والكثير من الأمل، ورسائلهم إلى مؤسسات تُعنى بهم وبجراحهم بألا ينسوهم، لأن الوطن حاضر في وعيهم أبداً، فهم لا ينتظرون مكافأة على واجبهم بقدر ما ينتظرون أن يبرأ الوطن من الغزاة ومن الجراح، لأن الوطن هو الجرح الأكبر وهو من فقَدَ بنيه وقدّم قوافل الشهداء، هذا لسان حال سامر وهو يعبر إلى نجاحاته التي يعتبرها نجاحات صغرى، مقابل وطن يتحرر وتُستعاد أرضه ويكتمل بأجزائه، لكن قصة نجاحه ستتواتر إلى قصص نجاح، أي كيف تُجترح المعجزة التي تُلهم الحياة بأن تستمر ويواصل سامر عمله الاستثنائي متحدّياً تعبيراً سيبدو عابراً هو «الإعاقة»، ذلك أنه يراها في العقل والفكر ليس بالجسد وحده، وهذا سرّ اكتماله كما من وهبوا أرضهم/ أجزاءهم، ليظل الوطن حاضراً وتشرق فيه الشمس ببهاء قلّ نظيره.

لحظة التكريم

في ذكرى يوم إصابته كان تكريمه في فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب علامةً فارقةً إلى جانب تكريم رجالات من الجيش العربي السوري أبطال حرب تشرين التحريرية، مُنح درع البطولة الاستثنائية، أحسّ بغبطة فسّرها صمته بأن الوطن كله يكرمه، واختزل الكلمات بالحديث عن معراجه، لكنه جهر برؤية المبدع فيه حينما قال: «السفينة الشراعية تسير في البحر وقد تفقد أحد أشرعتها، لكنها تتابع المسير، وإذا فقدت شراعاً آخر فقد يؤثر ذلك على مسيرها، ولكنها تتابع ولا تتوقف، لكن إذا فقدت الربان فإنها حتماً ستتيه في البحر، ومصيرها الغرق.. وهذا الربان هو القلب.. مهما تأثرت جوارحنا لابد أن نتابع المسير في طريق التكامل، فالربان لم يزل سليماً».. سطوره وعناوينه تكاد تشي بتفوقه على ذاته، وأن يظلّ على أهبة الروح ليكتب سطراً جديداً في الملحمة الوطنية السورية الجديرة بكل احتفاء.
في تكريمه ظلّ رابط الجأش ثابتاً يستعيد لحظة معراجه ويكتشف معها قدراته الإبداعية في الكتابة، لكن ببلاغة عابرة للبلاغة، بلاغة جسد غير منقوص، بلاغة روح اتكأت عليها الأرض لتنمو في وعي أبناء الحياة، وهم يجتازون الدرس الأول في الوطنية ليكملوا دورات حياتهم إبداعاً وعملاً، ذلك الدرس الذي بنى لسامر هيئةً جديدةً ومقاماً جديداً، شهيداً حياً تحجُّ إليه اللغة وتستلهم منه أن النجاح ليس رغبةً بل إرادة، وأكثر من ذلك تجلٍّ للحياة بأنصع صورها.. ذلك هو درس المقاتل الجريح والشجاع سامر شيخ عيسى في استعادته للحياة عبر أمثولات مازالت تُروى، لعلّ تواتر نجاحها ما يجعل منها أمثولة جرحى الوطن على امتداد الجغرافيا السورية، وأيضاً على امتداد بطولات وتضحيات أكثر قدرةً على الإلهام بفرادتها وخصوصيتها في الوعي الجمعي السوري.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock