آخر الأخبارإصدارات جهينةالافتتاحية

لبنان.. والنوايا المكشوفة!

قد يبدو مستحيلاً حتى اللحظة أن يحيط المرءُ مهما بلَغَ من الحنكة والمقدرة على التوقّع والتحليل، أو أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأحداث في لبنان، ولاسيما أنها تسيرُ بسرعةٍ وإيقاعٍ يشيران إلى أنها خرجت من أيدي اللبنانيين وباتت تُحركها أصابع خارجية بأقنعةٍ داخليةٍ، والزعم بأنّ هذا الحراك أو التظاهر مطلبيّ يرمي إلى الضغط على الحكومة أولاً والمرجعيات السياسية والدينية ثانياً لتخفيف الضغط المعيشي والبتّ في قضايا ومشكلات يومية أو مُزمنة كالكهرباء والاتصالات وتزايد حالات البطالة، فضلاً عمّا يعيشه لبنان من مخاطر أمنية في الداخل أو الخارج.
على أنّ ما يمكن التوقّف عنده هو الدور الأمريكي- السعودي المخفيّ، والذي بدأ يتكشّف لاحقاً من خلال بعض التصريحات الإعلامية وحديث بعض الشخصيات السياسية التي ظهرت وعمدت إلى توجيه هذه التظاهرات والاستثمار السياسي فيها بُغية الإضرار بالمقاومة والتحريض ضدها والحديث عن وجودٍ إيراني في لبنان، وخاصةً إذا علمنا أنّ أمن «إسرائيل» واستقرارها أضحيا همّاً سعودياً- أمريكياً والبند الأول والأهمّ في أي توجّه مستقبلي لإيجاد حلولٍ لبعض مشكلات منطقة الشرق الأوسط، وما اللهاث وراء إتمام «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية وإنهائها إلا أحد تجلّيات هذه السياسة التي تجتاح رياحها المسمومة جزءاً كبيراً من بلدات ومدن لبنان هذه الأيام.
ودعونا نفصّل أكثر ونقول إنّ السبب المُضمر لهذا الضغط أيضاً –وليس بخافٍ على أحد- هو حجم الثروة النفطية والغازية المتوقع استكشافها والتنقيب عنها في المياه الإقليمية اللبنانية والتي أسالت لُعاب الأمريكي والإسرائيلي على حدٍّ سواء، فصار الهدف (اليوم) من هذه التظاهرات إدخال لبنان في حالة شللٍ تامٍ بكلّ مفاصله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية تمهيداً لانهيار مُرتقب يعمّ البلد، ودفعه تالياً إلى فراغٍ حكومي أو الإتيان بتركيبةٍ حكوميةٍ تُحاصر حزب الله خاصةً والمقاومة عامةً، وخلق منظومةٍ سياسيةٍ وإداريةٍ يسهلُ اختراقها وتوجيهها بما يلبّي خطط الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض للسيطرة على مصادر الطاقة في لبنان والمنطقة عموماً، كما فعلت في العراق وبعدها في سورية عبر الجماعات المسلحة التي خلقتها ووظّفتها لإيصال بلداننا إلى هذه الحال.
ندركُ ويدركُ من يعرف طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني والقوى الغربية الداعمة له، أنّ المقاومة كانت خيار الأغلب الأعمّ من اللبنانيين في مواجهة الغطرسة والعدوان المستمر على مدنهم وقراهم وبيوتهم، وقد جاءت لتحفظ كرامتهم وسيادة وطنهم، وهي (اليوم) أقوى وأشدّ في مواجهة أي استحقاقات سيدفعها لبنان نتيجة هذه التظاهرات التي يُراد لها أن تكون أداة ضغطٍ للاستفراد به وعزله عن محيطة العربي، ولاحقاً تحقيق مشروع وضع اليد على ثروته النفطية والغازية في مياهه الإقليمية، ولنتذكر أنّ السيد حسن نصر الله نبّه في غير خطابٍ له، وهدّد بقطع اليد التي ستمتد للسيطرة على الثروات اللبنانية في البحر المتوسط، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال حربٍ شاملةٍ، تعرفُ «إسرائيل» سلفاً أنها ستخرج منها خاسرةً، كما جرى في عام 2006.
لا يمكنُ لأيّ عاقلٍ الإنكار أنّ لبنان، كما غيره من بلدان المنطقة والعالم، يمرُّ بأزمةٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ شديدةٍ وخانقةٍ بسبب الأحداث العاصفة والمُتسارعة التي خلّفها ما يُسمّى “الربيع العربي”، غير أنّ كل ذلك لن يجعله لقمةً سائغةً لقوى الشرّ التي ركبت الحراك المطلبي وحوّلته إلى تظاهرات تسعى لإيصال لبنان إلى حافة الانهيار خدمةً للمصالح الدولية التي ستتنازعه، وتقضي على مقاومته بعد أن عجزت خلال السنوات الماضية عن تحجيمها ومُحاصرتها وضرب تحالفاتها مع إيران وسورية والقوى الشريفة في العالم، التي تؤمن بحقّ لبنان بالدفاع عن نفسه في مواجهة أي تهديداتٍ تستهدف وحدته السياسية والاجتماعية.
ونعتقد أنّ الشعب اللبناني لو أمعنَ النظر في مثل هذه التحولات، وإلى أين ستقوده ومَنْ وراءها، وما هي الأهداف المرسومة لتحقيقها، لأعادَ النظر في هذه التظاهرات المطلبية في ظاهرها، خبيثة النوايا في ما تُخبئه من غاياتٍ ستكشفها قادمات الأيام، ووعى أنّ المطامع الصهيو-أمريكية هي من يضبط إيقاع هذه التظاهرات التي دخلت في مساحاتٍ مشبوهةٍ إن لم نقل مفضوحةً أو مكشوفةً!.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock