آخر الأخبارإصدارات جهينةتحقيقات

«مخنثون» أم لاهثون وراء الموضة..قصات الشعر وسراويل الجينز الممزقة تغزو شوارعنا وجامعاتنا ومدارسنا!

 

جهينة- خاص:

وأنت تسير في شوارعنا أو تدخل بعض كليات الجامعة أو المعاهد والمدارس والاستراحات والحدائق وأماكن الترفيه العامة، سيصدمك حجم التغيير الذي طرأ خلال السنوات العشر الأخيرة، وربما قبل ذلك بقليل، على هيئة وسلوك ومظاهر بعض الشبان السوريين، وقد باتوا نسخة طبق الأصل عن تقليعات الموضة والشعر والأزياء الوافدة من خارج الحدود، وتحديداً المجتمع الأوروبي، والتي نراها على المحطات الفضائية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لتتساءل عن سر ذلك التغيير وأسبابه، وقد تتسلّل إليك رغبة جارفة لتبحث في هذا الانقلاب والتحول المتسارع بمعتقدات هؤلاء الشبان وقناعاتهم، وهل يفخرون بأنهم صاروا يشبهون إلى حدّ بعيد الصبابا في قصات الشعر وطريقة تسريحه أو ربطه بالبكلة والمطاطة، أو في اللهاث وراء موضة سراويل الجينز الضيقة أو «السالتة» أو الممزقة المشقشقة التي تكشف ما كان يعتبره آباؤنا وأجدادنا عيباً في بدن الشاب المراهق أو الرجل البالغ.

ظاهرة مقلقة جداً

نحن هنا لا نتحدث من فراغ، فما نراه في شوارعنا وبيوتنا اليوم بات ظاهرة مقلقة جداً كما يؤكد بعض من استطلعنا آراءهم، وفي الوقت نفسه هي تعبير طبيعي عن رغبة الشباب بالتقليد ومسايرة عالم الأزياء والموضة وآخر قصات الشعر وتسريحاته، كما أشار إلى ذلك البعض الآخر.
«جهينة» جالت في بعض شوارع دمشق وتوجهت لعينات عشوائية بالأسئلة السابقة وكيف يفسّر السوريون بمختلف أعمارهم هذه الظاهرة، ودرجة تأثيرها على المجتمع عامة والشبان الذكور خاصة، فكان الاستطلاع التالي.
يقول أنور إسماعيل- مدرس لغة عربية متقاعد (64 عاماً): بالفعل هي ظاهرة مستغربة وغريبة على مجتمعنا الذي كان ينظر إلى الشاب كقيمة من قيم النخوة والشجاعة والرجولة، فيما اليوم بات قلقاً مما يراه ويلمسه من سلوك بعض الشبان والمراهقين الذين لا همّ لديهم إلا متابعة آخر قصات الشعر وكريمات تصفيفه أو شكل البنطلونات وصرعاتها الجديدة.
ويلمح إسماعيل إلى أن مؤسساتنا التربوية والتعليمية كانت في السنوات الماضية تتشدّد كثيراً مع التلاميذ والطلبة في شكل لباسهم ونوعه، فضلاً عن قصر الشعر ونظافته، على عكس الصورة اليوم، حيث تعجّ جامعاتنا ومعاهدنا وبعض مدارسنا بأشكال غريبة في الهيئات واللباس، والأخطر أن بعض المدرّسين والمدرّسات هم من يبادر إلى ارتداء هذه الألبسة والأزياء الفاضحة في بعضها.
ويشدّد إسماعيل على دور الأسرة أولاً في مراقبة ذلك، إضافة إلى دور المؤسسات التربوية والتعليمية في مكافحة هذه الظاهرة وإرشاد الطلبة وتوعيتهم من مخاطر هذا التقليد الأعمى الذي يدفع كثيراً إلى الظن بانحراف هؤلاء الشبان إلى سلوكيات مشبوهة مرفوضة اجتماعياً، كالتشبه بالنساء والمثلية أو عبادة الشيطان.. وغيرها من الأمراض الاجتماعية.

تذمر وتمرد

من جهتها تحذّر السيدة نجوى عرابي- ربة منزل (48 عاماً) من استفحال هذه الظاهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى باتت أغلب العائلات السورية تخشى على أبنائها من منعكسات تقليد الشباب الغربي في لباسه وربما في طريقة تفكيره وتربيته ومعتقداته التي تختلف كلياً عن معتقدات شبابنا وتربيتهم. وترى عرابي أن خطورة هذه الظاهرة بدأت تتجلّى بتذمر بعض الشبان ورفضهم لإرشادات آبائهم وأمهاتهم بالابتعاد عن هذا السلوك المرفوض والغريب اجتماعياً، والتمرد على محاولات توعيتهم بأن جمال الشاب بأخلاقه وعلمه واحترامه لنفسه ولمجتمعه وليس في لباسه أو قصّة شعره والتشبّه بشخصيات مؤثرة في عالم الموضة والأزياء. أما الحلّ برأيها فهي أن تتكامل الجهود للحدّ من انتشار هذه الظاهرة، وأن نعزز إيمان شبابنا وثقتهم بأنفسهم، فليس من المعقول أن نسكت على ما نراه في شوارعنا من بنطلونات ممزقة تظهر منها ركبة أو فخذ الشاب أو البنت للعيان، والأغرب أن الإقبال على هذه البنطلونات الممزقة بات كبيراً جداً، وكلما زادت مساحة الأجزاء الممزقة فيها زاد ثمنها وأعداد المقبلين عليها!!.
الشابة جميلة البدر- طالبة أدب انكليزي (22 عاماً) ترفض أن يتشبه الرجال بالنساء أو أن تتشبه النساء بالرجال وقد نهانا ديننا عن ذلك لما فيه من مخاطر اجتماعية وفكرية وانحراف أخلاقي. وتستنكر البدر ما تراه اليوم من اهتمام الشبان بصيحات الموضة ووقوفهم ساعات أمام المرآة للتأكد من أن قصة شعرهم وكمية «الواكس أو الجل» ستجعلهم متميزين وأكثر جاذبية ولفتاً للانتباه كما يتوهمون. وبسخرية تؤكد البدر أنها ترفض الزواج أو الارتباط بهذا النموذج من الشبان، مشيرة إلى أن الأهم في عريس المستقبل أن يكون رجلاً بحق متحرراً من هذه العقد والأوهام التي تسيء بشكل كبير لصورة مجتمعنا الذي نعتز بأنه مجتمع شرقي في انتمائه، محافظ في قيمه وعاداته وتقاليده.

يخجل منها الرجال

ويؤيدها الشاب عماد رشدان (27 عاماً) في رفض مثل هذا النموذج من المراهقين الذين يتمثلون صورة مشاهير الفن والسينما ونجوم كرة القدم العرب أو العالميين، ويتناسون أنهم رجال لهم شخصيتهم وكيانهم المستقل الذي ينبغي أن يكون محصناً من مثل هذه الخزعبلات والتقليعات العابرة التي تروّج لها شركات عالمية لا يهمّها سوى التسويق والربح على حساب المجتمعات الأخرى وقيمها السامية. ويضيف رشدان متهكماً: الأغرب أن ترى شباناً لا يكتفون بقصات الشعر الغريبة، بل إن بعضاً منهم يضع الماكياج ويخطط الحاجبين ويختار «تاتو» رآه على صدر أو ذراع أحد المشاهير، والمستغرب أكثر أن تلمس انتشار هذه الظواهر المخجلة بين أبناء رجال الأعمال والأثرياء الذين يجوبون شوارع دمشق بسياراتهم ويتجمعون غالباً في المقاهي والحدائق، يطلقون النكات ويضحكون بهستيريا وميوعة دون رادع، ويبدون سلوكيات يخجل منها الرجال.
أما الشابة نوال باكير (25 عاماً) فترى أن شبان اليوم ممن يقعون تحت تأثير هذه الظواهر يغيب عنهم الإحساس بنظرة المجتمع، وفي الوقت نفسه هم فاقدون لقيم الرجولة. فمن المعيب مثلاً أن نشاهد في جامعاتنا وكلياتنا المختلفة شباناً يرتدون الجينز الـ»سالت» الذي يكشف حتى عن ثيابهم الداخلية في منظر يثير القرف والاشمئزاز، وكيف يُخرج أحدهم المرآة من حقيبته ليتأكد من سلامة تسريحة شعره أو هندامه المزين بالأقراط والخرز الملون والأطواق والسلاسل الفضية أو الذهبية. وتشير باكير إلى أن هؤلاء لا يعرفون قيمة أن تكون رجلاً منضبطاً في سلوكك ومظهرك الخارجي، أو أنهم فهموا الانفتاح والحرية الشخصية أن تكون نسخة طبق الأصل عن مشاهير الفن وعارضي الأزياء، متسائلة أين دور الأب أو الأم من هذه المظاهر المخجلة وهؤلاء الشبان المخنثين؟.
الشابة وفاء قاسم (28 عاماً) ترفض هذه الظاهرة رفضاً قاطعاً، وتستعيد حكاية إحدى صديقاتها التي كانت تحب شاباً على هذه الشاكلة، فقد تقدم هذا الشاب لخطبتها، ومن سوء حظه أن والد البنت رجل محافظ، يرى أن الشاب المكتمل الرجولة ينبغي أن يكون رجلاً بحق، حتى في لبسه ومظهره، فما إن رأى منظر الخطيب الموعود بشعره الطويل وكيف كان يضع قلادة في عنقه وسواراً في معصمه بخرز ملون حتى رفض مناقشته في موضوع الخطبة، بل واعتذر عن الجلوس معه في ذلك اللقاء. وترى قاسم أن هذا الموقف يكاد يكون موقفاً عاماً في المجتمع السوري، لأنه اعتاد على صورة الشاب المتعلم الذي يهتم بثقافته ومظهره ويحترم ويراعي عاداتنا وتقاليدنا، لا الشاب المنصرف إلى مواكبة صرعات الموضة وتقليد الآخرين تقليداً أعمى.
مصطفى شاهين (حلاق رجالي) يؤكد أن ظاهرة اهتمام الشباب بقصات الشعر بهذا الحدّ من الهوس وليدة السنوات العشر الأخيرة فقط. مضيفاً: اليوم بتنا مضطرين للاطلاع على كل جديد في قصات الشعر لتلبية طلبات الأغلب الأعم من المراهقين والشبان الذين يحضرون لنا صوراً خاصة يريدون أن يكونوا نسخة عنها، حتى صرنا نعرف موضات حديثة في عالم تصفيف الشعر وليس فقط حلاقته، وخاصة قصات الممثلين العالميين، فهذا يريد قصة الشعر المتدرجة التي استخدمها مشاهير هوليود، وآخر يرغب بأن يكون شعره الطويل على شكل جدائل كرنو، كما يريد آخرون قصة شبيهة بالصلع أو قص الشعر المجعد والمنكوش أو قصة الشعر الكيرلي الجذاب أو قصة البومبادور أو قصة الموجة الأمامية، ومنهم يريد قصة كريستيانو رونالدو أو جاريث بيل أو ميسي أو إبراهيم عالمة أو عمر السومة… وغيرهم.
ويتابع شاهين أن الكثير من هؤلاء الشبان أيضاً بات يطالب بقصة تلائم ما يرتديه من أزياء، ما دفعنا لمتابعة آخر تحديثات الموضة وخاصة ظاهرة الجينز المُمزق الذي بدأت شعبيته عالمياً في أواخر عام 1980، وازدهرت في منتصف التسعينات مع ظهور موضة الإكسسوارات المعدنية الثقيلة، وتطرحه اليوم أهم منصات عواصم الموضة العالمية بتشكيلات مرتبطة بجميع المواسم، بل صار الصنف المفضّل لكبرى العلامات التجارية لأنه يدرّ ربحاً وفيراً تحلم به جميع شركات الألبسة والموضة.

مسؤولية الأسرة

الباحثة الاجتماعية ناديا أسعد ترى أن تشبّه الشبان بالنساء ظاهرة مؤلمة ومخجلة تفصح عن مشكلات نفسية وعصيبة، ولا غرابة في ظل الانفتاح الكارثي على وسائل التواصل الاجتماعي أن نرى الميوعة وحركات المشي المقيتة وتقليعات الماكياج على وجوه عدد كبير من الشبان اليوم، وسبب ذلك في رأيي هو انعدام الرجولة والانحطاط الأخلاقي وضعف الإيمان والثقة بالنفس وانحراف التربية ونقصان وقلّة التعليم والثقافة، والمصيبة الأكبر أن يحدثك أحد هؤلاء ويحاول إقناعك أن هذه الهيئات من عوامل الجمال والتحضر والتمدن والأناقة، أو أن من حق الشاب أن يمارس حريته الشخصية، متناسين أن منظومتنا الاجتماعية وتربيتنا تختلف اختلافاً كبيراً عن باقي المجتمعات ولاسيما الغربي منها. وتؤكد أسعد أن الأسرة تتحمل المسؤولية الأكبر حين تغفل عن مخاطر هذه الظواهر المخجلة وتترك أبناءها نهباً للتربية السيئة والتشبه بالنساء أو ببيئات غريبة عن بيئتنا المحلية الوفية لقيمها الأصيلة الرافضة للأفكار الضالة والمنحرفة.
الخبيرة بلغة الجسد السيدة هبة طرابيشي ترى أن هذه السلوكيات ظاهرة اجتماعية مرضية غير مقبولة في مجتمعنا، لها علاقة بالطفولة السيئة التي يمرّ بها الشاب وقد تعود أيضاً إلى طغيان الهرمونات الأنثوية عنده، أو ربما ترجع إلى تأثره ببنت كانت مدلّلة وتلقى اهتماماً خاصاً من ذويها، سواء أكانت أخته أو إحدى قريباته أو معارفه، حيث يعمد لا شعورياً إلى تقليدها في شخصيتها وحركاتها ليحظى بالاهتمام والرضى نفسه، ويمكن أن يرافقه هذا السلوك حتى عندما يكبر لأن صورتها ستظل راسخة في ذاكرته العميقة والمؤسّسة، فنراه يطيل شعره ويضع الأطواق وربما الخواتم والحلق أو استعمال الماكياج، وهذا نابع كما أسلفنا من عقدته في الطفولة.
وتضيف طرابيشي: وهناك أيضاً التكنولوجيا الحديثة وارتياد مواقع التواصل الاجتماعي التي يسيء معظم شبابنا استخدامها، حتى أنهم يقعون ضحايا التقليعات التي تروجها في هذا المضمار، فطبيعي جداً أن يلجأ المراهق المتشبّه بالنساء إلى البحث عما يميزه عن الآخرين لأنه ابن بيئة غير مهتمة بمخاطر هذه الظواهر المنفلتة، ولم تعزّز ثقة الشاب بنفسه وإيمانه بقدراته العلمية والمعرفية، ما يستوجب –برأي طرابيشي- إطلاق حملات منظمة لتوعية أبنائنا بمخاطر هذه الظواهر التي قد تؤثر تالياً على الأطفال والأجيال اللاحقة فيظنونها أنها مسألة إيجابية وحميدة يسعون إلى تقليدها وتكريسها، فيما هي تسيء وتشوه سمعة ورجولة الشباب السوري برمته.

على الحياد

في استطلاعنا للشرائح السابقة قد يرى القارئ أو المتابع أننا ركزنا أكثر على من يرفض هذه الظاهرة وينبّه إلى مخاطرها، وله نقول: إننا حاولنا أن نكون موضوعيين وحياديين في دراسة واستقراء الظاهرة وأسباب انتشارها في مجتمعنا خلال السنوات الأخيرة، وسماع الرأي الآخر من الشبان الذين يشكلون نموذجاً لها وماهية تقبلهم لملاحظات من يرفض أو يدين أن يتشبه الشباب بالنساء أو سر الاهتمام المفرط بآخر صيحات وتقليعات الموضة، غير أن الكثير منهم رفض الحديث وتذمّر من أننا نثير أموراً هامشية تتعلق بالأزياء وقصات شعر الشباب وننسى قضايانا الكبرى. في حين لمسنا بدورنا منطقية وقوة ما ذهبت إليه الشرائح المشار إليها، مقابل ضعف حجة هؤلاء الشبان وخشيتهم من الاعتراف بتفشي هذه الظاهرة والحديث عن مخاطرها وتهربهم من النظرة الاجتماعية، فضلاً عن الأمر الأخطر بأنهم يجهلون حقيقة معاني ودلالات هذه السلوكيات المرفوضة اجتماعياً وأخلاقياً.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock