إصدارات جهينةحوارات

من الفرات إلى الشام نهرٌ من الذكريات الشاعرة أمل المناور: القصيدة العمودية بدأت حالياً باستعادة ألقها ومكانتها الحقيقية

 

دمشق- جهينة:

تنبعُ أهمية تجربتها بأنها تمكّنت من المزاوجة في قصائدها بين الأصالة والحداثة من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى، وفي الوقت نفسه وسّعت أمداء موضوعاتها التي كانت تتنوّع تارةً بين الهمّ الوطني واستحضار الأمكنة المُوغلة في الحنين إليها، وتارةً أخرى في الجنوح نحو الأعماق لمساءلة القلب والروح عن سر الوجود ومدى تعلقهما بما تراه من جمال الطبيعة وفلسفة الحياة، أكسبتها الغربة بُعداً مختلفاً في مجمل كتاباتها، فانعكس ذلك كله اشتياقاً إلى الشام أو تلك البلدة القصيّة على ضفاف نهر الفرات، أصدرت حتى الآن ديوانين هما: «هكذا غنّى الفرات» و»لا تكترث بالعابرين».. إنها الشاعرة أمل المناور التي التقتها «جهينة» فكان الحوار التالي:

 

الانتماء للأرض

 

كثيراً ما تحضر مدينتك دير الزور ونهر الفرات في قصائدك كأمكنة ساهمت في تكوين وعيك الأول، ماذا تبقّى من ذكريات أمل الطفلة، وما الأماكن الأكثر حضوراً في وجدانك (اليوم)؟
بدايةً أشكر مجلة «جهينة» التي أتاحت لي هذه الإطلالة للحديث عن الشِّعر خاصة والأدب عامةً، مؤكدة أن الأماكن الأكثر حضوراً في وجداني (اليوم) هي سورية كلها بمدنها وبلداتها وقراها، وأنه ما من مكان زرته في سورية أو عشتُ فيه إلا وترك وشماً في روحي ووجداني، وذلك متأتٍ من اعتزازي الأبدي بانتمائي لهذه الأرض الطيبة المقدسة، ولعلّ القصائد التي كانت حافلةً بدير الزور ونهر الفرات هي المثال الأصدق على ذلك، ومن ثم أنت قلت شكّلت وعيي الأول، أي إنها «دير الزور مدينتي والعشارة بلدتي» كانتا البوابة التي من خلالها عبرت إلى العالم الخارجي فهماً وإدراكاً، بمعنى أن دير الزور بما تحويه من جمال طبيعة ونمط حياة خاص بها كانت المادة الخام الرئيسية التي أسّست لباقي عمري مفهوماً ومضموناً، وفي هذه الحال يمكنني القول إن ذكريات تلك المرحلة من حياتي لم ولن تزول من ذاكرتي أبداً فهي باقية ما دمت على قيد الحياة، كيف لي أن أنسى مثلاً نهر الفرات بعطائه ورمزيته للحياة، أو كيف أنسى البساتين وحقول القمح ومواسم الحصاد، لقد حفرت هذه الذكريات أبدع الصور في حياتي وتجربتي الشعرية، وما تبقى من ذكريات الطفولة كثيرٌ جداً سواء في الكويت أو سورية، وقد كان دافعاً لي حتى أصل إلى ما وصلت إليه حالياً.

في استعادتك تلك الأماكن يبدو أن هناك نزوعاً لتأكيد هوية شعرية وإبداعية ما، هل الكتابة (اليوم) تأكيد على وجود هذه الأمكنة، التي ربما ستكون فردوساً مفقوداً في فترات عدة بسبب ما تعرضت له من أخطار في الحرب الأخيرة على سورية؟
أعتقد أننا كسوريين بشكل عام مرتبطون بمعالم مدننا وقرانا أكثر من غيرنا، لأننا ذوو جذور ضاربة في عمق التاريخ، وبالتالي فنحن وأرضنا نمتلك تاريخاً مشتركاً يمتد لآﻻف السنين، ومن هنا يبدو تأثير المكان واضحاً على أسلوب الشاعر وصوره الشعرية، خاصةً أن أمكنتنا تملك من الجمَال ما يجعلك تتعلق بها قلباً وقالباً، وأعتقد ومن منطلق التجذر المكاني والبشري أنه ﻻ خوف على معالم مدننا من أن تضيع وتتغير رغم الحروب وما تخلفه من دمار. وعلى هذا أقول أيضاً: نعم استعادة تلك الأماكن هي كتابة أخرى لتأكيد هويتها المهدّدة (اليوم) بالطمس والخراب، فما فعله الإرهاب خلال سنوات الحرب على سورية كان جرس إنذار حتى نتنبه إلى مكانة هذه الأرض وعراقة هذا التاريخ الذي يستدعي أن نحافظ عليه وندافع عن هوية بلادنا بأرواحنا ودمائنا، بل نتمسك بأرضنا حتى الرمق الأخير.

 

حاضرة وبقوة

تحضر الشام ودمشق تحديداً بكثرة كرمز في معظم قصائدك، ما الذي يدفعك إلى استحضار رمزية الشام، هل هو الحنين إلى مكان أدهشتك تكويناته وتفاصيله، أم دعوة لتخليد هذا المكان الذي كسر أفواج الغزاة والمعتدين في غير حقبةٍ زمنيةٍ؟
الشام بالنسبة لي تعني شيئين رئيسيين: الأول هو أنني عشتُ فيها القسم الثاني من حياتي المنصرمة، وبالتالي فهي مرحلة النضوج الفكري والعاطفي بشكل عام، لذلك أعتبرها رفيقة اكتمال الوعي واكتمال تذوق الجمَال ومعرفة الحياة. والثاني لأنها عاصمة وطني ولها رمزية بأنها الواجهة والمدخل للبلد وهذا ما يمنحها قيمةً إضافيةً في داخلي، أما الآن وبعد هذه الحرب اللعينة والظالمة ضد وطننا الغالي فقد أصبحت دمشق رمزاً للصمود والتحدّي على مستوى العالم. إذاً لكل ما سبق ﻻبد لدمشق أن تكون حاضرةً وبقوة في أشعاري من دون منازع، والتي كنتُ أحنّ إليها في غربتي و(اليوم) أتوق أن تبلسم يداي جراحها لتنهض وتقوم من جديد.

الشكل الأمثل للشِّعر

تنهض تجربة الشاعر أو الكاتب على مجموعة من المرجعيات والمناهل الفكرية، فضلاً عن الموهبة الأصيلة، بمن تأثرت أمل المناور من الشعراء والشاعرات في سورية، وأي المناهل الفكرية كانت أقرب إلى روحك وقلمك؟
دائماً أقول إن من وجد موهبة الشِّعر عندي هو والدي الشاعر محسن المناور (رحمه الله)، ثم إنني تأثرت بالشاعر الكبير نزار قباني الذي قابلته يوماً ما في الكويت، وأحبُ أن أقرأ الشِّعر العمودي وأتلذّذ به أكثر من غيره لأنني أجده الشكل الأمثل للشِّعر العربي بشكل عام، فضلاً عن أن الشاعر ينبغي ألا يتقيد بمذهب فكري محدّد ولكن عليه أن يكون واسع الأفق منهله الحياة الاجتماعية اليومية، يقتبس منها موضوعاته ويمنحها مشاعره على شكل قصائد، إذ إن كل الشِّعر الذي قرأته شكّل لديّ فرصة للمقارنة بين المناهل الفكرية السائدة قديماً وحديثاً، وبالتالي انحيازي المطلق إلى حرية الشاعر فيما يكتب وعدم الاتكاء على منهل فكري واحد، حتى لا تأخذ قصائده بُعداً أو اتجاهاً ضيقاً، وليحافظ على الأصالة ويواكب الحداثة والمعاصرة في عطائه الجديد.

في ديوانك الأول «هكذا غنّى الفرات» تقولين في قصيدة وطني «كم من جيوش قد أتته بغزوها…»، وتعودين في ديوانك الجديد «لا تكترث بالعابرين» لتفتتحيه بقصيدة «فلتنتقم يا وطني» وقولك «وطني حياتي كلها.. وحكاية لا تنتهي»، ما الذي يتهدّد الوطن (اليوم)، وكيف ندافع عنه بالكلمة والقصيدة؟
هناك الكثير من الأخطار التي تُهدّد وطننا منها الخارجية ومنها الداخلية، وما هذه الحرب إﻻ تجسيد صارخ لفداحة هذه الأخطار، حيث إن دول اﻻستعمار ومعها –للأسف- بعض الدول العربية تُجيّش وتنفق ملايين الدوﻻرات وبمساعدة بعض الخونة من السوريين لتدمير وإنهاء دور بلدنا الحضاري، ولكن الحمد لله أثبتت سورية أنها أقوى من حقدهم وكيدهم وأن الهزيمة ليست في قاموسها. وهنا يبرز دور المثقف عموماً والشاعر خصوصاً بحيث يجب أن تكون قصائده عيناً ترصد كل تلك الأخطار ولساناً يحذّر منها وساعداً يصدّها فيكون بذلك جندياً مدافعاً عن بلده بكل ما أوتي من قوة الكلمة وبلاغتها.

جحيم الذكريات

عنونت إحدى قصائد ديوانك الثاني بـ»الهروب من جحيم الذكريات»، هل يمكن أن تتحول ذكرياتنا على المستوى الفردي أو الجماعي إلى جحيم، وما الذكريات التي يمكن أن تهرب منها الشاعرة أمل المناور؟
كل منّا يحمل في داخله ذكريات كثيرة منها الجميلة التي يسرّ حين يتذكرها ومنها المؤلمة التي يحاول دائماً الهروب منها، وأظن أن سنين الحرب خلّفت لدى كل سوري ذكريات أشبه بالجحيم، وهذه هي التي أحاول دائماً الهروب منها، فنحن مهما تجمّلنا بالصبر لا يمكن أن ننكر أن هذه الحرب عصفت بأرواحنا وغيّرت الكثير من القيم والمفاهيم التي كنا نؤمن ونعتز بها وتجمعنا منذ آلاف السنين، كما لا يمكن نكران أن ما حدث خلال السنوات الثماني كان جحيماً بحق على المستوى الفردي أو الجماعي.

في مديح ما قدّمه الجيش العربي السوري خلال سنوات الحرب الأخيرة من تضحيات تقولين: «أبطالنا رفعوا الجبين إلى السما…»، هل استطاع الشِّعر أو فنون التعبير الأخرى التأريخ لبطولات هذا الجيش وتضحياته الجسيمة؟
أظن أنه حتى هذه اللحظة لم يستطع ﻻ شاعر وﻻ قاص وﻻ روائي وﻻ فنان وﻻ عمل درامي أو سينمائي أن يقدم ما يفي جيشنا الباسل وتضحياته العظيمة حقه، حيث أثبت أنه جيش أسطوري، لذلك فإن كل ما قُدم فيه هو محاوﻻت ليس إلا، وعلى الرغم مما سبق فإن ذلك لا يعفي الكتّاب والفنانين من التقاط اللحظات الحاسمة التي جسّدها الشعب السوري وجيشنا الباسل وسطّر فيها أمثولات في الدفاع عن طهر هذه الأرض وقداسة هذا التراب، كما لا يعفيهم من تأريخ هذه البطولات والملاحم وذكر أسماء وتجارب من جسّدها قولاً وفعلاً لتكون ذاكرةً للأجيال القادمة.

 

مثلث متساوي الأضلاع

ترتكز جماليات الشِّعر على ثلاث قيم أساسية «الفكرية والفنية واللغوية»، أي هذه القيم التي توليها اهتماماً أكثر في قصائدك وتشعرين بأنها متقدمة على غيرها من القيم؟
نعم.. هذه هي القيم التي ترتكز عليها جماليات الشِّعر وأنا أعتبرها مثلثاً متساوي الأضلاع، لذلك فأنا أهتم بها جميعاً وأسعى إلى الموازنة بينها، لكن في بعض الأحيان قد تتقدم قيمةٌ عن أخرى فتتجلى اللغة الشعرية وتتسامى، وأحياناً قد يلجأ الشاعر إلى أكثر من أسلوب وشكل فني لتقديم فكرته، وربما الفكرة تتوهج في بعض القصائد فتبدو أعلى قيمةً من المكونات الأخرى، لكن الشاعر الحاذق والذكي باعتقادي هو الذي يجعل كل تلك القيم أيقونةً واحدةً تتكامل لتبدو أكثر بهاءً وجمالاً.

تلجئين في الغالب الأعم من قصائدك إلى النمط الكلاسيكي أو قصيدة التفعيلة، هل استطاع الشعراء الشباب والأصوات الجديدة إعادة الاعتبار لهذا النمط وتقديمه في قالب حداثوي مختلف؟
كما قلت سابقاً، فإن القصيدة العمودية هي أساس الشِّعر العربي والقالب الأنسب لكتابته لما يملكه البحر من أوزان وإيقاعات وموسيقا تجعل الشِّعر أقرب إلى روح القارئ والمتلقي، وأظن أنها بدأت حالياً تستعيد ألقها ومكانتها الحقيقية، فهناك العديد من الشعراء والشاعرات في الساحة الأدبية يكتبونها (اليوم) ببراعة فائقة وأسلوب حداثوي مستفيدين من تاريخها العميق وقدرتها على التجدّد.

أخيراً.. ما الذي تطمح الشاعرة أمل المناور إلى كتابته (اليوم) وما زال يعتمل في روحها ووجدانها قبل أن تسكبه على الورق؟
هناك الكثير من الأحلام والطموحات التي أسعى إلى تحقيقها، وذلك كله مرتبط ومتوقف على الظروف العامة المحيطة بي وبعض ظروفي الخاصة، ولأن الشاعر الحقيقي هو الذي يستطيع ترجمة تأثره بكل هذه الظروف وتجسيدها بحلوها ومرّها على الورق.

العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock