مجتمع ومنوعات

في احتفالية إدراج التراث الثقافي السوري على قائمة التراث الإنساني العالمي – السيدة أسماء الأسد: تراثُنا اللامادي شكَّل الشخصيّة السوريّة عبر القرون

العدد 113

| دمشق- جهينة:

تعزيزاً لحضور تراث سورية العريق والمُتنوع في ذاكرة الحاضر والمستقبل، وتأكيداً على صلة الإنسان السوري بجذوره الحضارية والثقافية التي كانت ومازالت تمدُّه بثقافة الحياة ونسُغها، ودعماً لتضافر جميع الجهود الحكومية وغير الحكومية في مُواجهة الحرب الإرهابية الوحشية والتي استهدفت على مدى ثماني سنوات طمس الهويّة السوريّة وتشويهها وسرقة الإرث الحضاري والثقافي السوري المُتوارث جيلاً بعد جيل، شاركت السيدة أسماء الأسد في احتفالية إدراج أول عنصر من التراث اللامادي السوري على قوائم التراث الإنساني العالمي، التي أقامتها اللجنة الوطنية السورية لـ«اليونيسكو» والأمانة السورية للتنمية في (16 آذار 2019) بالتعاون مع وزارة الثقافة وذلك في التكية السليمانية بدمشق.

سورية مُلتقى الثقافات

في حديثٍ لها أكدت السيدة أسماء الأسد أنّ سورية هي ملتقى لثقافاتٍ متنوعةٍ وثريّةٍ، وكان استهداف هذا الغنى والتنوع مستمراً منذ عقود، وصولاً إلى الحرب التي تخوضها البلاد (اليوم)، معتبرةً أنها حربٌ ثقافيةٌ في أحد جوانبها كما هي عسكرية وجغرافية واقتصادية، بمعنى أن الحرب على الهويّة والانتماء والجذور والتراث الثقافي والفكري. وقالت السيدة أسماء: كما هو واضحٌ فإن الاستهداف ممنهجٌ للتراث ولتخريب الآثار خلال السنوات الثماني التي مضت، ومع هذا نحن متمسكون بتراثنا الحيّ المادي واللامادي، وأول عنصر من التراث اللامادي السوري تم وضعه على لائحة «اليونيسكو»، كاشفةً عن أربعة عناصر أخرى سيتم ترشيحها تباعاً، مؤكدةً أنه لا ذنْبَ لجيل الحرب في عدم إدراكهم تراث بلادهم اللامادي، لأنه نتيجةٌ حتميةٌ للحرب وأحد مساوئ الحرب التي نخوضها (اليوم). وأشارت السيدة أسماء إلى أن كل التقاليد والعادات والممارسات والأغاني السوريّة والرقصات الشعبية والممارسات الثقافية تشكّل التراث اللامادي الحيّ، والذي هو مادةٌ دسمةٌ لأعداء سورية الطامعين باحتلالها، سواء باحتلال أرضها أو عن طريق سرقة تراثها وآثارها وتسجيلها باسم الآخرين، وهو ما يشكل احتلالاً من نوعٍ آخر عبر طمس الهويّة وبما يكمّل احتلال الأرض، مؤكدةً أنه وبسبب الحرب اضطرت قرى بالكامل للنزوح الداخلي والانتقال من مكان إلى آخر، ما تسبّب بترك التراث اللامادي وخلخلة النسيج الاجتماعي والثقافي لهذه القرى، وبالتالي سيُخلق جيلٌ قادمٌ بتراثٍ مشوّهٍ أو منقوصٍ، وفي بلاد مثل سورية الأمر خطير جداً، لذلك علينا الحفاظ على التراث المادي واللامادي لسورية، وهذا الأمر ليس رفاهيةً- كما يعتقد البعض- بل بات ضرورياً، وهو خطرٌ داهمٌ على نمو الشعب السوري وفهمه الصحيح لماضيه الذي يشكّل الأساس لفهم حاضرنا ومستقبلنا، ولهذا فإن تراثنا اللامادي شكّل الشخصية السوريّة عبر القرون، وعدم صونه أو تركه أو احتلاله أو تشويهه هو جريمةٌ، ويشبه الحرب، لذا علينا الدفاع عنه بكلّ ما نستطيع من قوةٍ للحفاظ عليه.

 

هناك فرقٌ بين مدنٍ تاريخيةٍ شاهدةٍ على التاريخ ومدنٍ تاريخيةٍ تنبضُ باستمرارية الحياة

هويتنا الفردية والجماعية

واعتبرت السيدة أسماء أنّ تراجع اهتمام الناس ببعض الأمور بسبب الحرب لا يعني أنها غير مهمةٍ، وعلينا ألا نتأخر بالحفاظ على تراثنا، لأنه كلما تأخرنا ازدادت الخسارة، وبالتالي إذا تأخرنا لما بعد الحرب فستزيد الخسارة لدرجة أنها لن تُعوّض، وتابعت: سنكملُ دورنا في الحفاظ على هذا التراث كما كنّا قبل الحرب وخلالها، وسنكملُ لما بعد الحرب، مشيرةً إلى أن التراث المادي واللامادي هما كالروح والجسد، التراث اللامادي هو روحٌ للتراث المادي، كحال مدينتي حلب ودمشق، فما ميّز المدينتين هو استمرارية الحياة فيهما على مدى عقودٍ من دون انقطاعٍ، وهذه الحياة هي التراث اللامادي، ولذلك هناك فرقٌ بين مدنٍ تاريخيةٍ شاهدةٍ على التاريخ ومدنٍ تاريخيةٍ تنبضُ باستمرارية الحياة.. في الحالة الأولى نقرأ التاريخ وفي الحالة الثانية نعيش التاريخ والحاضر، والأهمّ نختزلُ كل الحضارة الموجودة فيه كإنسان كي يستطيع الانطلاق للمستقبل.
وأكدت السيدة أسماء أننا نستطيع بالتراث المادي أن نرمّم قطعةً تعرضت للضرر، أما إذا ذهبَ التراث اللامادي فالجسد سيذهبُ معه، وبالتالي قد لا يعود، وهو يعبّر عن هويتنا الفردية والجماعية والمُشكَّلة من كل الحضارات والثقافات التي مرّت عبر العصور وصولاً إلى (اليوم)، وورثناها جيلاً بعد جيل، والتي من واجبنا الحفاظ عليها وحمايتها وتطويرها حتى نتمكّن من توريثها للأجيال القادمة.

إرثٌ وطني

كانت الفعالية ركّزت على إظهار التراث اللامادي السوري بغناه وتنوّعه والذي تمّ في تشرين الثاني الماضي إدراج أول عناصره على قائمة التراث الإنساني العالمي كتراثٍ يحتاج إلى الصون العاجل في (اليونيسكو)، إضافةً إلى مجموعة من العناصر التراثية اللامادية المُرشحة للإدراج على قائمة التراث الإنساني العالمي، حيث أكد معاون وزير الثقافة توفيق الإمام أهمية الحفاظ على التراث السوري كإرثٍ وطني في ظل حربٍ مُمنهجةٍ تُشنّ على سورية، ومن بين أهدافها تدمير الحضارة والثقافة السورية التي تعكس تاريخها ودورها في بناء الحضارة الإنسانية.
من جهته بيّن الأمين العام للأمانة السورية للتنمية فارس كلاس ماهية التراث السوري المادي واللامادي ودور الجمعيات الثقافية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية في جذب الانتباه الدولي لإحياء التراث السوري حول العالم باعتباره يعرّف بهويتنا الجماعية لا الفردية، منوهاً بأهمية المبادرات الخاصة بالتنمية الثقافية كجزء من تنمية المجتمع.

أشكال التراث الثقافي اللامادي

تم خلال الفعالية التعريف بأشكال التراث الثقافي اللامادي التي تشمل جميع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات ومصنوعات وأماكن ثقافية، ويشكل التراث المادي، المتمثل بالمواقع والمدن والقطع الأثرية السورية المشهورة، الإرث الثقافي السوري الذي يعبّر عن غنى الهويّة الثقافية السوريّة التي تشكّل بدورها عنصراً أساسياً في فهم معنى المُواطنة والانتماء للوطن.
وفي ختام الفعالية التي تضمنت عروضاً فنية وأفلاماً وثائقيةً خاصّةً بعناصر التراث اللامادي السوري في إحدى قاعات التكية السليمانية قيد الترميم، عقدَ كلاس والإمام مؤتمراً صحفياً مشتركاً تم خلاله عرض الخطوات الخاصة بترشيح التراث المادي واللامادي السوري للتسجيل على قائمة التراث العالمي وأهمية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري ودور المنظمات غير الحكومية والجمعيات والهيئات الحكومية في تعزيز التراث الثقافي السوري، إضافةً إلى دور منظمات المجتمع المحلي والحرفيين والفنانين والأدباء في ضمان صون كنوز سورية الثقافية.

التراث الثقافي اللامادي حسب اتفاقية صونه الدولية يعني جميع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية التي تعتبرها الجماعات والمجموعات والأفراد جزءاً من تراثها الثقافي المُتوارث جيلاً عن جيل، حيث تم حصر 100 عنصر ضمن التراث اللامادي السوري.
العدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock