الثلاثاء, 12 تشرين الثاني 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 14 تاريخ 1/7/2006 > زواج المحلل.. زنا تحت غطاءالدين
زواج المحلل.. زنا تحت غطاءالدين
جهينة – ربى القدسي

من الظواهر الخطيرة على المجتمع، التحايل على القوانين لتحقيق الشهوات والرغبات أو المآرب الشخصية، والتحايل طبيعة بشرية يحاول الإنسان من خلالها اللف والدوران على موضوع ما للحصول على مبتغاه، وكم سمعنا من القصص والروايات التي تتحدث عن التحايل على القوانين بشكل ذكي وغير مسبوق، ولكن عندما يتعلق الأمر بالدين فإنه يصبح أشد خطورة، لأنه يتصل بالقوانين الإلهية التي وجدت لتنظيم الحياة الإنسانية والعلاقات البشرية، وللأسف فإن التحايل على القضايا الشرعية يكاد يصبح اليوم سمة العصر، فهناك الكثيرون ممن قاموا بالالتفاف على أمور الشريعة ونجحوا في ذلك، فجعلوا من هذا النجاح عرفاً متداولاً بين الناس خصوصاً الذين لا يفقهون في أمور الدين، ومن قصص التحايل التي ابتدعها الإنسان هي زواج المحلل أو كما يدعى بالعامية (التجحيشة) وهو أن يزوّج الرجل امرأته التي طلقها للمرة الثالثة لرجل آخر ولفترة وجيزة يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، يمكن أن تكون ليلة واحدة حتى يستطيع أن يعيدها إلى ذمته، لأنه وكما هو معروف شرعاً، أن الزوجة التي يطلقها زوجها للمرة الثالثة تصبح محرمة عليه، إلا في حال تزوجت رجلاً آخر غيره وتطلقت منه، وإن تشدّد الإسلام في هذا الأمر هو من باب معاقبة الأزواج الذين يستهترون بقضية الطلاق وإفهامهم أن المرأة ليست سلعة يلعب بها الرجل متى وكيف يشاء، ويجب عليه المحافظة على كرامتها وعلى قدسية الزواج.
إن إثارة هذا الموضوع اليوم رغم عدم وجود إحصائيات مؤكدة تدل على وقوع زواج المحلل في المجتمع، هو بدافع ما نسمعه من مغالطات وآراء في الجلسات العامة وبين الناس تشير بأصابع الاتهام إلى الدين الإسلامي لقبوله بهذا الأمر، وإن مجرد وجود هذه الآراء المغلوطة سواء أكانت تأخذ منحى الشائعات أم كانت مستندة إلى وقائع حقيقية جرت فعلاً وراء الكواليس، فإن التوضيح مطلوب في كلتا الحالتين، ورد التهم واجب، لأن الأمر ليس من صلب الدين الإسلامي بل هو افتراءات باطلة، وإن مجرد إثارة هذه القضية من خلال الفن يدل على أن البعض يأخذها على محمل الجد حيث أثيرت في مسرحية الواد سيد الشغال للفنان المصري عادل إمام التي تناولته بطريقة ساخرة لا تعبر عن الحقيقة الشرعية، وإنما تعبّر ربما عما يجري في المجتمع من تحايل على الشريعة، والحقيقة أنني شخصياً قد سمعت العديد من الانتقادات الموجهة إلى الإسلام من خلال زواج المحلل وكانت هذه الانتقادات موجهة إما من معتنقي الديانات الأخرى الذين سمعوا عنه، أو من بعض المسلمين غير المطلعين على حقيقة الموضوع. "جهينة" التقت الداعية الإسلامي الشيخ أحمد راجح الذي وضّح لنا حقيقة الأمر من الناحية الفقهية قائلاً:
لقد شرّع الدين الإسلامي الطلاق وهو أبغض الحلال إلى الله حين تستحيل الحياة الزوجية وتتحول إلى جحيم، والطلاق في القرآن مرتان لقوله تعالى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وقد قسم العلماء الطلاق إلى ثلاثة أقسام:
1- الطلاق الرجعي: وهو عندما يطلق الرجل زوجته للمرة الأولى، وهي لا تخرج من دائرة الزوج لمدة ثلاثة أشهر، وهي مهلة كافية للطرفين لكي يراجعا نفسيهما في هذا الموضوع، ويستطيع الرجل أن يعيد الحياة إلى مجاريها بكلمة راجعتك، فإذا مضت هذه المدة ولم يراجع الزوج الزوجة، عندها يصبح الطلاق بينهما بائناً بينونة صغرى، ومعنى ذلك أن العودة إلى الحياة الزوجية تحتاج إلى عقد جديد ومهر جديد، ويكون الرجل قد سجل على نفسه طلقة واحدة.
2- الطلاق الثاني: وهو عندما يطلق الرجل زوجته للمرة الثانية، وهي كالطلقة الأولى لها مهلة ثلاثة أشهر تسمى بالعدة، فإذا مضت المهلة كان لا بد كذلك من عقد جديد ومهر جديد.
3- الطلاق الثالث: وهي البينونة الكبرى، أي عندما يطلق الرجل زوجته للمرة الثالثة وهي لا تحتاج إلى عدة ولا تعود الزوجة تحل للزوج إلا في حال تزوجت رجلاً غيره وطلقت منه.
ولكن ما يجري اليوم من تزويج الرجل مطلقته برجل آخر لليلة واحدة هو زواج باطل شرعاً، لأن أصل الزواج الديمومة وشرط التوقيت في النكاح يجعله فاسداً، فالزواج هو ميثاق غليظ بين الرجل وزوجته، والزوجة هي سكن للزوج، وهذه الشروط لا يمكن أن تتحقق في زواج المحلل، وقد روي في الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له" رواه أحمد والنسائي، وهذا يدل على فساد زواج المحلل، وهو فاسد عند الأئمة الأربعة.
وأريد أن أؤكد هنا أن الخطأ المشهور ليس قاعدة، إنما الأصل هو ما ورد في الشرع، فكثير من الناس يخالفون أمر الله عز وجل وهذا لا يعني أنه أصبح جائزاً، وقد سمى رسول الله (ص) المحلل الذي يقبل بهذا الأمر بالتيس المستعار، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "والله لا أؤتى بمحلِّل أو محلَّل له إلا رجمتهما" وهذا لأنه كان يعتبر هذا الزواج زناً.
وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يحصل في مجتمعنا اليوم، إلا أن كل من يفتي بتحليله هو آثم ومرتكب للحرام.
أما الحالة الصحيحة هي أن تتزوج المرأة المطلقة ثلاثاً، زوجاً آخر بنية الاستقرار والاستمرارية وليس بنية التحليل للعودة إلى زوجها الأول، فإذا لم يحصل بينهما تفاهم ووقع الطلاق، ففي هذه الحالة فإن زواجها الثاني يكون صحيحاً وعندها يحق لها العودة إلى الزوج الأول، ولا يعدُّ الأمر تحايلاً على الدين.

نحتاج إلى رقابة ذاتية
الكاتبة والمفكرة حنان اللحام تحدثت عن مفهوم الأسرة في الإسلام وعن الحلول المطلوبة قائلة:
الإسلام يعتبر الأسرة أول خلية في الأمة لذلك تأتي في القرآن آيات تتناول الأسرة وتعنى بأدق شؤونها، وتوزع الحقوق والواجبات حسب المهام وقدرات كل من الطرفين حسب قوله تعالى: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" والإسلام وضع ضمانات كثيرة لكي تبقى الأسرة متوازنة ومنسجمة لأنها المدرسة الأولى التي ينشأ فيها الجيل الإنساني، كما وضع علاجات للخلافات الأسرية والزوجية، أما الطلاق فلا يجب أن يكون عشوائياً، فهو يجب أن يكون قراراً عقلانياً وليس وليد اللحظة أو نتيجة الغضب، ومن أشد الأمور خطورة أن تكون كلمة الطلاق متداولة في الأسرة ولكن للأسف الشديد فقد أصبحت هذه الكلمة ضمانة للطاعة بالنسبة للرجل الذي يهدد المرأة بها متى يشاء لضمان طاعتها واستجابتها لرغباته، وهذا فيه إهانة كبيرة للمرأة وكرامتها، حيث أصبحت وكأنها لعبة يلعب بها الرجل، والحل هو أن تكون هناك اقتراحات لحلول عملية تعنى بها الجمعيات المهتمة بشؤون الأسرة، كأن يكون هناك دورات مجانية لتوعية الشباب بمكانة الأسرة في المجتمع، وتأهيلهم لهذا الدور، واقترح أيضاً أن يكون هناك مراكز متعددة قريبة المنال للجوء إليها لحل المشكلات الأسرية يوجد فيها اختصاصيون اجتماعيون ومرشدون نفسيون لتوجيه الزوجين في الاتجاه الصحيح، حتى لا تصل الأمور بينهما إلى مرحلة تستحيل معها عودة الحياة الزوجية، كأن يطلق الرجل زوجته ثلاثاً، ثم يشعر بعدها بالندم ويحاول البحث عن حلول غير شرعية لإعادتها إليه، مثل زواج المحلل المحرّم شرعاً، فالمشكلة التي نعاني منها في مجتمعنا برأيي أننا فقدنا الأدب الإسلامي والرقابة الذاتية، والتحايل أصبح أسلوباً في الحياة سواء أكان مشروعاً أم لا، فكيف إذا كان الإنسان يتحايل على ربه، وكيف يمكن أن تثق المرأة برجل يريد أن يعيد الحياة الزوجية بينهما على هذا المبدأ؟ وكيف يمكن أن تستمر الحياة المبنية على التحايل واللعب؟ فهي مبنية على أساس خاطئ، ولا يمكن للخطأ إلا أن يولد الخطأ، ونحن اليوم بحاجة إلى وقفة شجاعة مع الذات لتغيير المفاهيم الخاطئة والممارسات المضللة.

الزواج يتم في الخفاء
قانوناً لا يمكن إثبات هذا الزواج، هذا ما تحدثت عنه المحامية وفاء علوان قائلة:
لا يمكن للقاضي الذي يزوج الطرفين الدخول إلى نواياهما، لأن الإحساس في الزواج هو رضا الطرفين، فالقاضي يراقب صحة الإرادة وموافقة الطرفين وينطبق هذا الأمر على الطلاق أيضاً، فمن غير الممكن للقاضي الذي يقوم بالتفريق بين الزوجين أيضاً أن يعرف نواياهما والأساس الذي يتم عليه الطلاق، ولكن من الممكن للتحكيم الذي يقوم بمحاولة إصلاح الأمر أن يلمس أنه يوجد تلاعب ما، ولكنه لا يمكنه إثباته بالدليل المادي وهناك نقطة جوهرية أخرى وهي أن المحكمين لا يستطيعون معرفة إن كانت الزوجة متزوجة سابقاً أم لا، لأن قضية الطلاق يمكن أن ترفع في محكمة أخرى غير التي وقع فيها الطلاق الأول، ويمكن للزوج الذي يلعب دور المحلِّل أن يقوم بطلاق "إداري" أي لا يدعو الزوجة إلى المحكمة، لذلك من الصعب جداً معرفة عدد حالات زواج المحلل لأنها تقع في الخفاء، وإن كنا نسمع عنها وراء الكواليس، ولكن الشق المتعلق بالجانب القانوني لا يمكن كشفه إلا في حال أتى إلى القاضي شاهد يملك دليلاً بأن هذا الزواج صوري، عندها لا يمكن للقاضي أن يعقد القران.
إذاً لا نستطيع أن ننكر وجود زواج المحلل ولكنه لا يتم في العلن، وأنا من خلال عملي في المحاماة سمعت العديد من القصص حول هذا الأمر، الذي يتم بالاتفاق بين الأطراف المعنية ويكون أحياناً مقابل مبلغ مالي للشخص الذي سيقوم بدور المحلل، أو أحياناً تكون خدمة مجانية لإعادة كيان الأسرة حسب اعتقادهم، وقد يكون هذا الشخص صديقاً للزوج أو قريباً له، حتى أن الأمر قد تعدى ذلك فأصبح بعض الأشخاص يمتهنون مهنة المحلل مقابل أجر مادي، وهذا الشخص قد يوجد في أروقة المحاكم ويدل الناس بعضهم البعض عليه، فالتحايل على القانون يأخذ أشكالاً متعددة ولا يمكن إثباتها بدليل ملموس، وإن كنا نعرف بوجودها ونسمع عنها، وقد يصل التحايل بالبعض إلى إحضار تقرير طبي مزور أن الزوجة حامل حتى يبعد الطرفان نفسيهما عن دائرة الشكوك، لأنه كما سبق وقلت لا يمكن للقاضي أن يعقد القران إذا ثبت له أن في الأمر لعبة كما أن بعض الناس يقومون بعقد زواج عرفي ثم تثبيته في المحكمة فيما بعد أيضاً حتى لا يعرضون أنفسهم للمساءلة والشكوك حول صحة الزواج.
إن زواج المحلل يتم غالباً بين الطبقات الاجتماعية غير المثقفة بنسبة أكبر من طبقة المثقفين والمتعلمين، وهي الطبقات الشعبية والأرياف ويقبل الزوج به تحت ذريعة تصحيح الخطأ الذي وقع فيه، مدعياً أنه يحب زوجته ولا يمكنه الاستغناء عنها، فالناس تتذرع بذرائع أوهن من بيت العنكبوت لتصل إلى غاياتها وتقنع نفسها أنها ليست مخطئة.
هل ترغب بزوجتك أم لا؟
بعض الروايات التي سمعنا عنها أثارت نقطة أخرى هامة تتعلق بالطلاق الثالث، حيث لم يعد هناك اضطرار لدى البعض للجوء إلى زواج المحلل بعد أن أصبح لدينا الكثير من الفتاوى الجاهزة لدى بعض المتعدين على الشريعة دون علم أو فقه، حيث يجدون المبررات للزوج لإعادة الزوجة إليه بعد الطلقة الثالثة وفق ما يناسب مزاجه وهواه، ويعيدون الحياة الزوجية بين الزوجين ولو كانت غير شرعية، وقد أخبرني أحدهم أنه طلّق زوجته ثلاثاً ثم ذهب إلى أحد الدخلاء على الدين الذين يدّعون العلم والمعرفة بالشريعة وسأله عن مشكلته فأجابه: أخبرني أولاً هل ترغب بزوجتك أم لا، وكأن الأمر يتعلق برغبة الزوج وليس بالحكم الشرعي، وهذا أمر لا يجوز لأن الطلاق في الإسلام من الأمور التي هزلها جد وجدها جد، ولسنا ندري إلى ماذا يستند هؤلاء الذين يفتون وما هي المرجعية التي بين أيديهم.

إرجاع الأمر لأهله
المشكلة هي في الوعي الذي ينقص الناس، فالشخص الذي يبحث عن فتوى يجب أن يعرف تماماً ما هي المرجعية التي ستعطيه هذه الفتوى، ويتأكد من مصداقيتها ومن خلفيتها العلمية والشرعية، فليس كل من يطلق الفتاوى هو فقيه أو يمتلك القدرة على الإفتاء، وإلا ستصبح الأمور فوضى، نحن اليوم بحاجة إلى وعي حقيقي بين الناس وبحاجة إلى مرجعية دينية عليا للإفتاء يقصدها الناس دون غيرها، ويكون كل ما عداها باطل ولا تعود لديهم حاجة للحصول على الفتاوى بشكل عشوائي ومجهول المصدر أو الدقة، لأن هذا الأمر في غاية الخطورة، فالفتاوى اليوم كثيرة ومتناقضة والجدل كبير.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة