الثلاثاء, 12 تشرين الثاني 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 14 تاريخ 1/7/2006 > عفواً.... لقد قتلتك دون قصد!!
عفواً.... لقد قتلتك دون قصد!!
جهينة- علي حسون:

هل يمكن للطبيب.. هذا الإنسان المحاط اجتماعياً بهالة من الاحترام تصل إلى حد التقديس، أن يتحول إلى جلاد.. وبمعنى أدق لقاتل؟! وماذا حين لا يكون الأمر مجرد خطأ طبي خارج عن سيطرة وإمكانات الطبيب.. وبمعنى أدق حين يكون للأمر علاقة بجهله وسوء ممارسته واستخفافه بأرواح البشر..؟
هل يبدو الأمر واحداً.. أم أن ثمة حداً فاصلاً بين الخطأ الطبي المتعارف عليه عالمياً، وبين الأخطاء الناجمة عن الإهمال والجهل المقصودين؟ والأهم من كل ذلك.. هل يوجد في سورية هيئة أو جهة أو مؤسسة ما تتابع الموضوع.. وتراقب أداء الأطباء وتقوم بتقييم دوري ومستمر لهذا الأداء وبما يؤدي في النتيجة إلى خدمة صحية نوعية ومحل ثقة المواطن؟

حالة أولى
(ي. م) سيدة سورية من مواليد (1964) توفيت تاركة وراءها طفلتين، الكبرى بعمر (4) سنوات والصغيرة عمرها سنة واحدة.. سبب الوفاة: تأخر تشخيص الروماتيزم لديها.. عند مراجعتها لأول طبيب عام أعطاها دواءً يتناسب مع جهله وتشخيصه الخاطئ.. وعندما راجعت طبيباً آخر أعطاها دواءً آخر.. أما الطبيب الثالث فقد شخّص المرض بشكل جيد وأعطاها الدواء اللازم، لكن المرض كان قد تمكن من جسم المريضة وشكل ما يسمى (بؤر إنتانية) أدت في النهاية إلى وفاتها..
يقول زوج المتوفية (س. إ): (لم أرفع دعوى قضائية لأنني أعتقد أن اللجنة ستتعاطف مع الزميل (المخطئ) ولذلك تراني أقضي حياتي مع طفلتيّ آملاً من الله ألا تتم حماية التخلف الطبي على يد وزارة الصحة ونقابة الأطباء!).

حالات... وحالات!!
في كتاب موجه من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش إلى مشفى الأسد الجامعي يتضمن تقريراً تاريخه 29/6/ 2003 أُعد نتيجة تحقيق شكوى المواطن (م. ب) بحق الطبيب (و. ر) حول الأضرار الجسدية التي لحقت بابنه نتيجة العمل الجراحي الذي أجراه له، كما يتضمن التقرير نتائج التحقيق في وفاة ثلاثة أطفال آخرين على يد الجراح وفي يوم واحد!!
يقول التقرير إنه وبالاستعانة بلجنة الخبرة الطبية التي قامت بإجراء إيكو قلب للطفل (أ. ب) وبدراسة إضبارة العمل الجراحي الذي أجري له ودراسة الأضابير للأطفال الثلاثة المتوفين قدمت النتائج التالية:
- فيما يخص الطفل (أ. ب) لاتزال هناك فتحة بين البطينين بقطر (4، 5-5) ملم بعد العمل الجراحي وضربات القلب بنسبة (50) ضربة في الدقيقة، وهو بحاجة إلى ناظم خطي دائم، كما أن العمل الجراحي استغرق (6)ساعات وهذا زمن طويل جداً لأن هذا النوع من العمليات لا يحتاج لأكثر من ثلاث ساعات!!
أما بالنسبة للأطفال الثلاثة المتوفين فقد بينت الخبرة أنه يوجد نقص في تقييم حالتهم المرضية قبل العمل الجراحي، وأن حالة الطفل (ز. م) كانت مقبولة ولا يوجد ما يشير إلى استطباب صريح يدعو لإجراء عملية التطويق الرئوي!
- أما الطفل (س. ج) فبالرغم من وجود توصية بإعادة إجراء الإيكو القلبي في الشهر السادس 2002 إلا أن الطبيب (و. ر) قام بإجراء العمل الجراحي من دون هذا الإجراء.
وأما الطفل (م. ش) فإن التكنيك الذي أجري له خلال العمل الجراحي وهو إجراء مفاغرة جانبية ما بين الجيب الوريدي الجامع وبين الأذينة اليسرى مع ربط كافة القنوات التي تصل مابين الجيب أو فروعه مع الدوران الوريدي الجهازي هو غير معروف في جميع المراجع العلمية المختصة، وبذلك يتضح أنه لم يكن هناك استطباب كاف لإجراء العمل الجراحي لحالتين، وكان التكنيك الموصوف للحالة الثالثة غير وارد في المراجع العلمية، كما أكدت الخبرة الطبية أن بقاء فتحة بين البطينين ووجود حصار قلب تام والتهاب الشغاف بعد العمل الجراحي للطفل (أ. ب) هو دليل على عدم نجاح العمل الجراحي، حيث إن هذه الاختلاطات تحدث بشكل منفرد عالمياً بنسبة لا تتجاوز (1-2%) أما اجتماع هذه الاختلاطات في حالة واحدة فنادر الحدوث جداً.

على عينك يا تاجر!!
يخلص تقرير الهيئة وبعد ثبوت مسؤولية الطبيب عن حالات الوفاة الثلاث فضلاً عن حالات أخرى حدثت قبل ذلك إلى اعتماد الإجراءات التالية:
فسخ عقد الطبيب (و. ر) وإيقافه عن العمل في المشفى فوراً وذلك لقيامه بإجراء عمل جراحي فاشل للطفل (أ. ب) وتسببه في وفاة الأطفال الثلاثة وارتفاع نسبة الوفيات في عملياته في المشفى.
- عدم التعاقد مستقبلاً مع أي طبيب قبل تقييمه علمياً وعملياً وفقاً لمؤهلاته وخبراته من قبل لجنة طبية مختصة.
- إيداع نسخة من التقرير إلى محكمة البداية المدنية الثانية عشرة بدمشق الناظرة بالدعوى للإطلاع وإتخاذ الإجراءات اللازمة.
ولكن ما الذي حصل وبعد كل هذه المعطيات والأدلة والحقائق؟
بعد نحو أكثر من ثلاثة أعوام ما زال الطبيب المذكور على رأس عمله في المشفى وما زال يقوم بعملياته وما زال يتسبب في المزيد من الوفيات.. وتحت نظر وسمع وصمت المسؤولين في المشفى ووزارة التعليم العالي، وهي حالة لا تخص الطبيب المذكور وحده، فهناك العديد من هذه الحالات، بل إن سجلنا الطبي يحفل بمثل هذه القصص المأساوية التي يذهب ضحيتها أبرياء لاذنب لهم سوى أنهم وقعوا ضحية جهل وأحياناً جشع بعض الأطباء الذين راحوا يتعاملون مع هذه المهنة كتجارة وتجارة فقط!
وإذا كان هناك نسبة متعارف عليها عالمياً لا مسؤولية فيها على الطبيب وهي ما تعرف باسم (الاختلاطات العالمية) فإن حالات كثيرة يتحمل الطبيب مسؤوليتها وتؤدي في حالات كثيرة إلى وفاة أو إعاقة المريض، وإذا كان التقييم الدوري للأطباء أو ما بات يعرف بالتعليم الطبي المستمر كفيلاً بالتخفيف من هذه الحالات، فأين نحن في سورية من كل ذلك؟
الأداء الطبي.. ضرورة أخلاقية أولاً
يقول الدكتور حسان سلوم اختصاصي أمراض الكلية ورئيس قسم الكلية في مشفى ابن النفيس: كان لدينا نوع من التقليد يدعى (جلسة وفيات أسبوعية) لكنه في الحقيقة نادراً ما يحصل وإن حصل فإن الجلسات غالباً ما تتحول من علمية إلى ملامة لتخرج بلا شيء!
وبناءً عليه يعتبر د. سلوم أن الأداء الطبي ليس مسألة معرفية... إنها مسألة أخلاقية فالطب كأي مهنة أخرى، لكن نحن نصرّ عليها لأن لها خصوصيتها، فهي مسألة حياة أو موت وعليه أيضاً بإمكانك تقييم الجانب المعرفي، ولكن الجانب الأخلاقي لا يمكنك حصره أو تقييمه، لاسيما وأن موضوع التقاضي لدينا غير مضمون، ولا يمكن الركون إليه ولذلك يبدو في حالتنا أن التقييم الطبي موضوع بالغ التعقيد.

التقييم بدءاً بالكلية!
التقييم عملية مستمرة تبدأ في كلية الطب لتستمر مدى حياة الطبيب، في الكلية يبدو الأمر أسهل، فالامتحانات النظرية هي أحد أشكال التقييم للطلاب في السنوات الثلاث الأولى.. يتبعها في السنوات الثلاث التالية مهارات سريرية وهو ما معناه تدريب الطلاب في المشافي على شكل مدد زمنية تشمل كل الاختصاصات كالداخلية والعينية والأذنية والأطفال، حيث يتم استجواب المريض وفحصه بوجود الأستاذ، ويتدرب الطلاب في هذه المرحلة على كيفية الوصول إلى تشخيص المرض عن طريق الأشعة والفحص السريري والتشخيص التفريقي، يتوج كل ذلك في نهاية السنة السادسة بامتحان شامل لكل مواد الطب يقدم بشكل نظري وعملي حيث يختبر القسم النظري معلومات الطالب بينما العملي يختبر مهاراته العملية التي اكتسبها.
أما في مرحلة الدراسات العليا فقد بوشر قبل سنتين بتطبيق نظام الأربع سنوات يحصل الطالب بعده على ماجستير دراسات عليا، وبحسب الدكتورة ميسون قدسي، اختصاصية أمراض المفاصل والأستاذة المدرّسة في كلية الطب بجامعة دمشق فإن هذه الشهادة معترف بها عالمياً حيث تعتبرها فرنسا معادلاً لشهادة (cos) ولكن مع ذلك فهؤلاء لايسمح لهم بالعمل في دولة كفرنسا، بينما يستطيع معظمهم العمل في سورية.
وفي الواقع فإن هؤلاء وفي حال سفرهم لمتابعة الإختصاص أو للعمل في أحد البلدان الأوروبية أو أمريكا فإنهم سيتعرضون لفحص قبول اختصاص، ومادمنا نتحدث عن فرنسا مثالاً فإن هذا الفحص يُدعى (أنتيرنا) ولكنه أيضاً غير كاف لممارسة المهنة في فرنسا إلا إذا قاموا بتعديل شهاداتهم عن طريق تقديم فحص آخر اسمه (باك) الذي لا يزيد عدد من يتجاوزونه عن أصابع اليد الواحدة بين مئات المتقدمين من الجاليات الأجنبية هناك، وهو ما معناه عدم اعتراف فرنسي بالتأهيل الذي يتلقاه أطباؤنا هنا بحيث لايسمح لهم بمزاولة المهنة إلا بعد الخضوع للعديد من الامتحانات والحصول على شهادات جديدة وتقييم دوري لعملهم ومستواهم.
إذن يعود الكثير من أولئك الممنوعين من ممارسة المهنة في فرنسا وفي غيرها من البلدان المتقدمة ليعملوا هنا وبدون أية شروط حقيقية أو رقابة، حيث لايوجد حتى الآن قانون قيد التطبيق يُلزم الأطباء تعزيز مهاراتهم أو خضوعهم لتقييم دوري كل مدة!

من الدلف إلى المزراب
هناك نوعان لمصادر الاختصاص بالنسبة للأطباء العاملين في سورية، الجزء الأول منهم تأهيله داخلي وطني والآخر يضم العائدين من دول أخرى، ونحن نعلم وضع مؤسساتنا الجامعية وخاصة في ظل تغييب قانون التفرغ عن الممارسة حيث قلما نجد في المشافي الجامعية أستاذاً بعد الثانية عشرة ظهراً، ليبقى المريض ضحية أخطاء الطلبة المتدربين. ومن يلقي نظرة على غرف العمليات في مشافي الجامعة سيجد بأن الصغير يأخذ الخطأ عن الكبير وبشكل مضخم، بل إن هناك العديد من الأساتذة في كليات الطب لم يدخلوا غرف العمليات منذ عشرات السنين، ولذلك فإن هؤلاء المجازين ضمن مشافي البلد والذين يحملون المؤهل الجامعي (شهادة الدراسات العليا) تخرجوا من مؤسسات لاتعمل كما يجب وعندما يتركون في سوق العمل بلا ضوابط وبدون عودة إلى أي خطة تدريبية لتصويب معلوماتهم وممارساتهم، فهنا يكمن مصدر الخلل في المآسي التي نراها في العمل الطبي.
ويضرب أحد الأطباء مثالاً صارخاً على كم الأخطاء في اختصاص جراحة القلب الذي يبدو من أكثر الاختصاصات أهمية وخطورة.. فيقول: لقد تم تغييب مفهوم الدراسات العليا في التأهيل منذ أكثر من عشرين سنة، وبالتالي كان البديل للتأهيل في هذا الاختصاص هو مجموعة من الأطباء الذين رُفضوا في الدراسات العليا، كما رُفضوا في مسابقات وزارة الصحة وإدارة الخدمات الطبية وبناء عليه فقد جاءت مجموعة من الأطباء الذين هم من حيث المبدأ ذوو مستويات علمية متدنية للغاية يؤكد ذلك عدم نجاحهم في المسابقات المذكورة، فبدؤوا العمل في جراحة القلب!!
وبعد مرور الزمن حصلوا على المؤهل الطبي (الكولوكيوم) وأصبحوا في القانون جراحي قلب وبدؤوا يمارسون هذه الجراحة دون الاعتراف بما لديهم من نواقص وأخطاء، فيقضي المريض بين أيديهم في غرف العمليات، ولا يجدونها لائقة بحقهم أن يستعينوا بأحد أساتذتهم المؤهلين لهم، في حين أن هؤلاء الأساتذة يستشيرون بعضهم بعضاً في كثير من الحالات.

ماذا يرسلون لنا؟
النوع الآخر من الأطباء كما يقول الدكتور طلال فارس الاختصاصي في جراحة القلب والأستاذ في كلية الطب في جامعة دمشق الذين يزاولون المهنة هنا أولئك الحاصلون على شهاداتهم واختصاصاتهم في الخارج، أما من جاء من الخارج مدرباً (من أمريكا مثالا) ودخل البلد عبر السنوات الماضية مجموعة منهم ممن يحملون البورد الأمريكي فإن المفاجأة تكمن أن الغالبية العظمى منهم قد هاجروا وعادوا أدراجهم بعد فضائح وهناك العديد من الاسماء التي ما زال الناس يتذكرون ارتكاباتهم وأخطاءهم القاتلة فهذا الذي جاء من أمريكا وتعامل بالرشوة، تمت إدانته فعاد على عجل.. وذلك الحاصل على بورد أمريكي والذي طرد من عمله بعد ثبوت تورطه في قبض ثمن دسام لم يزرعه لمريض ورفض إعادة المبلغ للأسرة الفقيرة فأقاموا عليه دعوى كانت نتيجتها دخوله سجن عدرا!
أما ذلك الطبيب الذي أطلق من سجنه ليتوجه بعدها إلى أمريكا وليعود ثانية ويشغل منصب رئيس شعبة وله من الفضائح ما يكفي لحرمانه من مزاولة المهنة بينما كانت مكافأته أنه عُيّن مدرساً في الجامعة!
إذن يقول د. طلال فارس: هناك اليوم مجموعة من الأطباء في سوق العمل وهم المؤهلون في بلدان أوروبا وأمريكا، قلة منهم يحملون شهادات وأغلبهم قضى فترات تدريب بدون أي مؤهل. هؤلاء يقوم عليهم اليوم سوق العمل ويغطي على تواضع معلوماتهم الضعيفة وأخطائهم القاتلة درجة من حسن الخلق والتوازن الذي يتمتعون به على خلاف سابقيهم!
التقييم الدوري أكاديمياً وأخلاقياً
لم يعد موضوع التقييم الدوري للأطباء رفاهية ولم يكن كذلك يوماً! إنه اليوم مطلب ملح وهو موجود في معظم دول العالم، ولكن لماذا غاب حتى الآن في سورية؟
ببساطة لأن لا جهة حتى الآن توكلت بمهمة القيام به أو تبنت تكريسه، ولأن الأطباء بمعظمهم قد يعتبرونه إهانة وتقليلاً من مكانتهم وعلومهم التي لم يعد من داع لدعمها أو تطويرها حتى ولو كانت قد توقفت عند التخرج، فهم جمعوا العلم من أطرافه!! في حين أن جامعات أمريكا ومؤسساتها لا تمنح شهادة البورد لأطبائها مدى الحياة.. بل تعاد بعد كل فترة. وإذا كان أطباؤنا الذين يعملون في المشافي الحكومية أفضل حالاً من غيرهم من الأطباء الذين يعملون في المدن والقرى البعيدة على أساس أنهم على تواصل أكبر مع المعلومات والحالات الجديدة فإن ذلك لا يشفع لهم أيضاً عدم تعزيزها وهناك العديد من النشاطات التي يمكن أو بالأحرى يجب على الطبيب المشاركة بها وخاصة الأبحاث العلمية والمؤتمرات.
يقول الدكتور حسان سلوم في هذا السياق: إن التقييم الأكاديمي الذي يجب أن يتم في الجامعات ولأطباء مختصين ومدرسين أو مساعدين هو أمر أقل صعوبة بالاعتماد على الأبحاث التي يقدمونها أو النشاطات العلمية التي يقومون بها أويشاركون بها، كما أن موضوع التقييم ليس مستحيلاً فيما لو توافرت الجهة أو الجهات التي تفرضه فمن المعروف أن لكل طبيب سيرة مهنية يفرزها عمله وتقييم رؤسائه له، وكذلك حضوره للمؤتمرات العلمية والطبية، ولكن هل يتحمل الطبيب مسؤولية مواكبة كل ذلك لوحده؟
في الواقع لايبدو ذلك منصفاً في حالتنا، فالعلم غال والمعرفة سلعة وحضور مؤتمر مثلاً أمر مكلف بحيث لا يستطيع معظم أطبائنا حضور مثل هذه المؤتمرات، ولذلك يؤكد د. سلوم على ضرورة تقديم تسهيلات لخلق مناخ مساعد.
أما فيما يخص البحث العلمي، فهي مسألة ذات أهمية كبرى أيضاً في هذا السياق، فلماذا هي نادرة في بلدنا؟ وطبعاً لايعني ذلك أن تكون أبحاثنا بمستوى الأبحاث المقدمة في الغرب في مجال الأبحاث الجينية أو غيرها من العلوم المتطورة فهناك الكثير من المجالات الأخرى التي يمكن لأطبائنا إجراء الأبحاث حولها وهي التي تناسب طبيعة مشاكلنا، كأن نقوم بإجراء إحصائية عن انتشار أمراض الكبد والأمراض الهضمية والإنتانية مثلاً.. إن البحث العلمي يرسخ الحاجة إلى التعاون مع الآخر والإحساس به وهو إحدى وسائل ترميم المعلومات.

الهيئة الوطنية للتعليم الطبي المستمر
منذ حوالى السنتين تقدمت نقابة الأطباء في سورية بتعليمات حول موضوع التعلم الطبي المستمر ويقول النقيب السابق لأطباء سورية د. رمضان رمضان: إن التعليم الطبي المستمر أصبح إلزامياً في الكثير من دول العالم، وهناك إجماع عالمي على أن التعليم الطبي المستمر ضروري ليس فقط لزيادة المعرفة الطبية بل أيضا لتطوير آداب ونظام ممارسة المهنة بهدف نهائي هو تحسين الرعاية الصحية المقدمة للمرضى. وبناء عليه تم إنشاء الهيئة الوطنية للتعليم الطبي المستمر حيث كان الهدف هو التأكيد على المعلومات الطبية الأساسية لدى الأطباء في كافة المجالات وتنشيطها استنادا للدليل العلمي في الممارسة الطبية ورفع مستوى الأداء الطبي عن طريق مواكبة التطورات الحديثة في المهنة والتأكد من متابعة الطبيب للمستجدات في تخصصه وتنمية مهاراته بصفة مستمرة. وإذا كانت النقابة قد قامت بالخطوة الأولى بإصدارها لهذه التعليمات فإن مشاركة من كل الجهات الأخرى ذات العلاقة هو أمر ضروري وحاسم في الوصول إلى الأهداف المرجوة والمناطة بهذه الهيئة بما فيها الارتقاء بهذه المهنة (مهنة الطب) وتخليصها من كل الشوائب والأخطاء التي مازالت تحصد يوماً بعد آخر المزيد من الضحايا الأبرياء، ممن يمكن تسميتهم ضحايا غياب التعليم الطبي المستمر.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة