الأحد, 19 تشرين الأول 2014
قلة أدب
قبل فترة وجيزة، قامت إحدى الزميلات الصحافيات في صحيفة سورية رسمية باستبيان ثقافي تحت عنوان (الكاتبات يكتبن في الممنوع!؟) حول الكتابة الابداعية عن الجنس تحديداً. طارحة سؤالها العريض حول الجرأة في الكتابة عن هذا التابو وإن هي ظاهرة ملفتة للانتباه في كتابات الجيل الجديد من الكاتبات المتهمات بالجرأة و"الإباحية"!؟.
موضوع الاستبيان بحد ذاته أعتبر طرحه جرأة ويسجل للزميلة وللصحيفة معاً، لكنه في الوقت ذاته كان غير مكتمل، إذ أجمعت آراء الكتّاب والكاتبات المستضافين ومنهم أنا، على رأي واحد متشابه يتلخص بأهمية وضرورة كسر مفهوم الممنوع أدبياً، وكنت أتمنى لو أقرأ الرأي الآخر المعارض في الاستبيان ذاته بكافة أبعاده الدينية والاجتماعية والنفسية. فما حدث لاحقاً هو أن هذا الرأي الآخر جاء شفوياً عبر اتصالات أو اعتراضات أو وشوشوات وهمسات خجولة تقدم النصيحة الأخلاقية المغلّفة بالوصاية المبطّنة حول ضرورة التأنّي والتفكير ملياً وعدم السقوط في مثل هذه (الورطات) الصحافية التي تسجل للكاتب والكاتبة كموقف لاينسى وربما لايغتفر، ناهيك عن الاعتراض الكامل عن التعرض لتابو الجنس في الأدب والذي يدخل في خانة (قلة الأدب).
بالتأكيد هناك الكثير من قلة الأدب في عدد كبير من الأعمال المنشورة، ولكنها ليست قلة الأدب الأخلاقية المتعارف عليها بين الناس، إنما هي ندرة أو عدم وجود ملامح أدبية بيّنة في السرد المكتوب والمطروح للتداول بين الناس على أنه إبداع أدبي خارق.والمدقق في مثل هذه الأعمال سيجهد كثيراً لكي يفهم معنى جملة أو فقرة وترابطها مع الفقرة التي تليها، وسيكتشف بعد إنهائه لنموذج ما بأنه أضاع وقته وأعصابه وشوه ذائقته الأدبية وهو يبحث عن أدب هارب من بين الصفحات المحشوة بكلمات لاطعم لها ولانكهة، هذا بالتأكيد إن كان فدائياً واستطاع إنهاء كتاب بالكامل أو ثلثه على الأقل.
الجنس في الأدب والمصنف في هذا الزمن بالممنوع، ليس حراماً أو محرّماً، وليس جديداً أو مستجّداً أو طارئاً، ومن يعود إلى التراث العربي، وبخاصة الشعر، سيذهل من البلاغة اللغوية الخلاّقة التي تحفل بها كتب ومجلدات ومراجع مات أصحابها لكن الأجيال مازالت تحتفي بأسمائهم وتدرس نتاجاتهم كأعلام لاينطفئ بريقها في أدبنا العربي الذي نعتز به اعتزازنا بعروبتنا. ومن يدقق أكثر قد يفاجأ بأن عدد الشاعرات الإناث المعثور على إثرهنّ المكتوب يكاد يصل إلى ثلث عدد الشعراء من الذكور المعروفين. ولعل حكايا شهرذاد خير دليل على حضور الجنس الطاغي بقوة في الأدب العربي المترجم إلى معظم اللغات الحيّة والمحرّض الأكبر لمخيّلات أشهر مبدعي هذا العصر وهذا الكلام موثق بشهاداتهم الشخصية. إضافة إلى أن العديد من أهم الكتب والمراجع العربية نقلت أو سرقت من قبل الغرب واستفيد من كنوزها لاحقاً في تحرير الذهنية الغربية، إذ أن مفهوم تحرير الذهنية هو هدف الأدب في النتيجة وغاية القصيد، ولاأظنّ أن أحداً من الكتّاب والكاتبات (الجيدين) يكتب فقط للهو والعبث، أو بأهداف خبيثة وشريرة غايتها نشر الإباحية ومبتغاها التدمير الشامل لاأكثر.
فلنعترف، على الأقل فيما يخص مجتمعاتنا العربية، بأن أكثر من(ثلثيها..!)يعاني أفرادها، رجالا ونساء، من مشاكل نفسية – جسدية -جنسية سببها التنشئة غير الصحيحة وغير الصحية، عماد هذه التنشئة أفكار ومعتقدات متداولة بمعظمها سرّاً، تتناول مفهوم الجسد الجميل هبة الخالق ونعمته، بعضها خطير وبعضها مرعب، ينتج في محصلتها أفراد يعانون من كبت مخيف وعاهات نفسية وجسدية، تؤدي بالتأكيد إلى فوضى ذهنية وعنف يترجم لاحقاً بعنف سياسي اقتصادي اجتماعي عائلي فردوي، وأمثلته على الأرض لاتعدّ ولاتحصى بدءاً من انتشار الدعارة وبيع الرقيق إلى الشذوذ إلى التحرش الجنسي وانتشار الاغتصاب وضرب النساء وتشويه بعضهن جسدياً أو قتلهن، وصولا إلى انتشار الإرهاب كتعبير صارخ عن بنية سيكولوجية مشوَّهة أو مخرَّبة للعديد من أفراده، جذورها الكبت والحرمان والقهر العميق العميق.
الجنس اليوم كما الأمس مستباح على قارعة الطريق، إن أقفلت نافذة عليه، قفز لك من نافذة أخرى، وإن سددت في وجهه طاقة، فُتحت لك عشرات الطاقات. فلم لايعلّم في المدارس تربوياً من أجل أجيال معافاة، ولم لايكتب الأدباء والأديبات عنه، فلعل مايكتبونه كمهمة ومسؤولية أدبية تنويرية يساهم في تصحيح وتصويب المفاهيم الخاطئة وبناء أسرة أفرادها أصحاء معافون نفسياً وجسدياً يساهمون في بناء مجتمع خلاّق نصبو إليه جميعاً.
وليكن الحوار بشأنه صريحاً شفافاً شأنه شأن كل الحوارات الأخرى التي تساهم ببلورة نتيجة بين الرأي المؤيد والرأي الآخر المعارض، على أن يكون حوار الرأي الآخر مفتوحاً ومعلناً ومن ثم مقروءاً ولايظل محصوراً بالوشوشات والهمسات الخجولة منطلقاً بنوايا مسبقة من مفهوم عنيد راسخ بأن الأدب الجريء والمتميز ليس أكثر من (قلة أدب).
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة