مجموعة من الأسئلة تأتي إلى الخاطر وأنت ترى سيرورة الحياة :
هل من حق الآخر أن يلغي السابق؟
هل من حق أحد أن يحرم الآخر فرصة العيش والكسب لمجرد أنه لا يتفق مع شروطه ؟
أليس من الأجدى أن يقوم المجتمع ومؤسساته على تطوير طاقات أفراده بدل إلغائهم ؟
هل يمكن أن يكون مجموعة من الناس ضحية لرؤية طموحة تريد المؤسسسات أن تنجزها ؟
أسئلة وأسئلة تأتي ونحن نشهد في سورية مسيرة التطوير والتحديث التي بدأها السيد الرئيس بشار الأسد قبل سنوات وبعد ذلك بدأت كل جهة من الجهات بإصدار التعليمات التنفيذية لمراسيم صدرت بغية رفع المستوى العام التأهيلي لدى الكوادر الوظيفية من العاملين في القطاعين العام والخاص على السواء.
جهينة- خاص:
التأهيل ضرورة ولكن؟
بداية نشير إلى أن التأهيل ضرورة ملحة في أي مجتمع، ويجب ألا نركن إلى الطاقات كما هي، فهي إن لم تتراجع ستبقى في مكان واحد لا تغادره، وحين نطالب بإعادة التأهيل والتدريب، فإنما نطالب بفتح النوافذ للشمس، وبإكساب العاملين المزيد من المهارات التي تجعلهم منسجمين مع الحياة المعاصرة، وقادرين على تجديد أنفسهم وعطائهم في الوقت نفسه، لكن أين نبدأ؟ ومن أين نبدأ ؟ وكيف نبدأ؟.
وزارة التربية مثالاً
ربما تكون القرارات الصادرة عن وزارة التربية هي القرارات الأكثر انتشاراً وشهرة بسبب مساسها بكل بيت من البيوت، فما من بيت إلا وله علاقة بالتربية، وهناك شريحة كبيرة من المعلمين والمعلمات والمدرسين والمدرسات التي قد لا يخلو منها حي من الأحياء.
والأسر عموماً تشكو من الواقع التعليمي، وتدعي أن التعليم اليوم أقل مستوى من التعليم سابقاً، ومن هنا بدأت وزارة التربية بإعادة النظر في الكثير من القضايا، وذلك من خلال التعليمات التنفيذية للمرسوم التشريعي /55/ تاريخ 2/9/2004 والذي صدر في إطار رفع سوية العملية التعليمية المتكاملة، وحدّد الأسس الناظمة لعمل المؤسسات التربوية العامة والخاصة على السواء.. لكن ماالذي حدث؟!
صدر المرسوم التشريعي رقم /55/ تاريخ 2/9/2004 الناظم للمؤسسة التعليمية الخاصة للتعليم ما قبل الجامعي وتعليماته التنفيذية، وفي المادة 81 من هذا المرسوم تم التأكيد على أن يكون العاملون لدى المؤسسة التعليمية الخاصة من حملة الإجازات الجامعية... وهذا المرسوم،
والمادة المذكورة على وجه الخصوص يجب أن تقرأ على النحو التالي:
يجب أن تعتمد المؤسسة التعليمية الخاصة الخبرات التي تحمل الإجازة الجامعية في المرحلة المقبلة.
عدم الاستسهال والاعتماد على الخبرات المتواضعة بغية التوفير واستغلال ظروف المعلم غير المؤهل.
تأهيل وتطوير خبرات المعلمين عبر إتاحة الفرصة لهم بمتابعة الدراسة لعامين آخرين والحصول على الإجازة الجامعية التربوية.
رفع سوية الدراسة في هذه المؤسسات لتواكب المؤسسات الخاصة المماثلة في الدول الحريصة على طلابها وسويتهم.
ماذا يجري على أرض الواقع؟
إن دور المعلمين خرّجت معلمين ومعلمات على مدى سنوات طويلة وأعداد هؤلاء من الصعب حصرها، فبعضهم تقاعد اليوم عن التعليم وبعضهم لا يزال يعمل، بل إن بعض هذه المعاهد بقيت تمارس عملية تخريج الطلاب إلى وقت قريب، سواء أكانت تلك المعاهد تربوية عامة أو تخصصية، وبعض هذه المعاهد لا تزال تخرج الدارسين، وتعلن عن القبول في مفاضلة الجامعة الرسمية.. وخريجو هذه المعاهد موزعون في المدارس الحكومية والمدارس الخاصة ونحن نعلم أن عدداً من هذه المعاهد كان يتبع سياسة تعيين الخريج تلقائياً، ومن هذا الواقع تكون معالجة الأمر وفق المرسوم التشريعي كما يلي:
1- التوقف عن استقبال الطلبة في المعاهد التعليمية وبالتدريج ليتلاءم انخفاض عددهم مع الواقع الجديد، وتتم الإفادة من خروج عدد منهم من سوق العمل.
2- تنسيب هؤلاء الذين دخلوا سوق العمل إلى كليات تربوية موزعة في أنحاء القطر لمتابعة تحصيلهم للإجازة الجامعية وبحوافز.
3- تقييم العملية برمتها فيما بعد ليتم الاستغناء عمن لم يرغب بتحسين مستواه التعليمي، ومن لم يستفد من الفرصة المعطاة.
لكن ما حصل كان التالي:
أعطي أصحاب المدارس الخاصة ذريعة تحت حجة المرسوم التشريعي للاستغناء عمن لا يرغبون بهم- علماً بأن الرواتب التي يتقاضونها مخجلة.
تم تطبيق هذا المرسوم بصورة انتقائية سواء من المدرسين أو من جهة أصحاب المدارس تجاه بعضهم.
طبق المرسوم على المدارس الخاصة، وبقي مثيل هؤلاء في المدارس العامة دون أن يقترب منهم أحد، أليس من باب أولى على وزارة التربية أن تبدأ بالتطبيق من نفسها إن كانت تقصد المستوى وتحسينه؟!.
تم التعامل مع المرسوم بشكل يخالف نصه صراحة، ومن مدة تسبق نفاذ المرسوم.
تم التعامل مع المعلمين كقطيع أغنام دون اكتراث لعمر أو أسر أو مشاعر.
تفردت وزارة التربية بالقرار مع أن المرسوم يوزع المسؤولية بينها وبين وزارتي الشؤون الاجتماعية والمالية، كما جاء في رد وزارة الشؤون الاجتماعية على شكوى المعلمات ع/2/ 7718 والمؤرخ في 14/8/2006 وبتوقيع الدكتورة ديالا الحج عارف، والذي انتهى بالتوجيه لمن يلزم بعدم تسريح العاملات.
مجريات القضية
وجهت مديرية التربية إلى المؤسسات التعليمية الخاصة في محافظة مدينة دمشق للالتزام بما جاء في أحكام المرسوم التشريعي رقم /55/ لعام 2004، وبناء على هذا التوجيه قام السيد صاحب مدرسة توجيه الاطفال الخاصة بإرسال خطابات إلى المعلمات اللاتي لا يحملن الإجازة الجامعية تقضي بالاستغناء عن خدماتهن، وأضاف إلى أحكام المرسوم الظروف الطارئة للمدرسة! وهذه الظروف غير معروفة، وكأنه كان ينتظر مثل هذا التوجيه للتخلص من المعلمات قبل انتهاء مدة العقد المبرم معهن !
فلم تجد المعلمات بداً من رفع شكوى قضائية، وأخرى إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومن هذه الشكوى نجد أن عدداً من المعلمات مضى على خدمتهن سبع سنوات، ومنهن أكثر.
وفي جواب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الموجه إلى وزارة التربية اعتمدت على المادة 71 من قانون العمل رقم 91 لعام 1959 وتعديلاته: " إذا كان العقد محدد المدة واستمر الطرفان في تنفيذه بعد انقضاء مدته اعتبر العقد جدد لمدة غير محددة".
ودستور الجمهورية العربية السورية ينصّ في المادة 30 منه على أنه " لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يكون لها أثر رجعي ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك"
والمرسوم الجمهوري /55/ لعام 2004 الذي يهدف إلى رفع سوية التعليم والمعلمين في حقل التربية بناء على ما تقدم لا ينطبق على حالات سابقة، أي من المفترض ألا يشمل الأثر الرجعي، وإن شمله فمن المفترض أن يتم النص على ذلك بحيث يشمل المدارس الحكومية والخاصة في الوقت نفسه، والمدارس الحكومية أولى بتنفيذه.
توصية
بناء على دراسة ما ورد في الدستور وقانون العمل والمرسوم الجمهوري/55/ لعام2004 وتأسيساً على مصلحة المواطن والوطن معاً نتمنى أن تتخذ الإجراءات التالية:
1- العودة عن تسريح المعلمات اللواتي على رأس عملهن.
2- العمل على تأهيل المعلمين والمعلمات وفتح باب التعليم والمتابعة أمامهم.
3- تنفيذ المرسوم الجمهوري ابتداء من تاريخه دون أن يكون له أثر رجعي.
4- أخذ الجوانب الإنسانية في الحسبان، فهؤلاء شرائح تكسب عملها من التعليم، ولا يجوز بحال أن نرهن مصيرها بتفسيرات واجتهادات شخصية.
5- الحكم على من هو على رأس عمله من خلال كفاءته ومهاراته.
وأخيراً
إن هذه الحادثة التي تكاد تودي بمصير عدد لا بأس به من المعلمات تدل دلالة قاطعة على خلل ما في قراءة المراسيم والقوانين واللوائح التنفيذية، والذي يدل على ذلك اختلاف التفسير والرأي بين جهات وصائية عدة في الحكومة. لذا نرجو من المعنيين دراسة الأمور دراسة كاملة ليكون بناء الوطن والإنسان في طريق سليمة، ولا يكون أحدهما على حساب الآخر.