الثلاثاء, 21 أيار 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 51 تاريخ 1/8/2009 > تحاليل ما قبل الزواج تباع بـ 2000 ليرة سورية.. والغش يخلف وراءه أمراضاً وراثيّة
تحاليل ما قبل الزواج تباع بـ 2000 ليرة سورية.. والغش يخلف وراءه أمراضاً وراثيّة
جهينة - بشار دريب:

في غرفة صغيرة تتزاحم فيها أسرة المرضى تتأمل أم سليمان أكياس الدم المعلقة بأجساد بناتها الأربع منتظرة آخر قطرة لتعود بهن إلى المنزل علّها تجد البشرى عند ابنتها التي أجبرتها على دراسة الصيدلة آملة منها اكتشاف عقار جديد ينهي ألم شقيقاتها ويخلصها من العذاب الذي يلاحقها كلما نظرت إلى أعينهنّ المتسائلة بالصمت تارة والدموع تارة أخرى عن الذنب الذي اقترفنه حتى تصبح حياتهن معلقة بأكياس الدم ومضخات الديسفيرال.
وبمكان ليس بعيداً عن أم سليمان تجلس رهام البسطي ابنة الـ 19 ربيعاً وبجوارها أخوها رامز تنتظر دورها لتعلق كيس الدم في محاولة للتغلب على ألمها بعد أنّ فشل الطب بإيجاد دواء شافٍ لها ولأخيها المصاب بنفس المرض الذي تعاني منه.
رهام وأم سليمان تعرفان تماماً أنّ هذا المرض لا شفاء منه، غير أنّ لا سبيل لهما سوى التردد على مركز معالجة التلاسيميا الذي يقول رئيسه علو الإبراهيم: يبدأ هذا المرض منذ الولادة، ويستمر مع المريض طيلة حياته، ويحتاج خلالها المريض لنقل دم كل ثلاثة إلى أربعة أسابيع مع مضاعفات خطيرة للمرض.
ويرافق علاج مرضى التلاسيميا علاج أخر أكثر إيلاماً حيث إن سحب الحديد المترسب في جسم المريض يحتاج لوجود مضخة تغرز تحت الجلد وتعمل ثماني ساعات يومياً ولمدة خمسة أيام في الأسبوع وهو الدواء المعروف بمضخة الديسفيرال وحسب تعبير قصي الزير مدير المشروع الوطني للتلاسيميا وأمراض الدم الوراثية سابقاً فإنه وبعد فترة من العمل تصبح هذه المضخة كابوساً يرافق المريض ويؤرق ذويه والذين كان بإمكانهم تخليصه من هذا العذاب لو أنهم خضعوا لتحاليل ما قبل الزواج.
فحوصات ع البسطة
حتى معقب المعاملات المتواجد أمام باب القصر العدلي في دمشق والمعروف بالمختار أبو باسل ودون علم منه أو بعلم ربما كان شريكاً في إنجاب الكثير من الأطفال حاملي مرض التلاسيميا وغيره من الأمراض الوراثية فالحصول على طلب للزواج مستوفٍ كل الأوراق اللازمة حتى التقرير الطبي الذي يثبت خلو الزوجين من الأمراض السارية والوراثية والمعدية استطاع أبو باسل إرفاقه بطلب الزواج.
ونصف ساعة بالنسبة للمختار كانت كافية للحصول على تقرير طبي بالتواطؤ مع الطبيب (ب.ص) الذي أعطاه التقرير وتبعه بكافة الأختام اللازمة من مديرية صحة القنيطرة وهنا لا بد من الإشارة لامتلاك المختار (أختاماً تعود لكافة المناطق والمحافظات).
المختار وبمشاركة الطبيب زورا التقرير الذي لم يكن الأول من نوعه فآلاف التقارير المماثلة أورثت المرض لأسر عدّة نتيجة تقاعس أربابها عن القيام بالفحوص اللازمة ولجوئهم إلى أبو باسل أو غيره أو حتى بعض الأطباء ممن باعوا شرف مهنتهم، لترتفع نسبة المصابين بمرض التلاسيميا حسب تأكيد الزير حيث ازدادت من 6 إلى 10% خلال الأعوام الأخيرة ناهيك عن أن كلفة علاج كل مريض تقدر بـ500 ألف ليرة سورية في الوقت الذي تبلغ فيه تكلفة تحاليل الزواج بأكملها 700 ليرة سورية فقط.
مخابر بلا صلاحية
والفوضى الصحية أبت إلا أن تلقي بعبثها على من أعتبر من تجارب الغير فاثنان وعشرون عاماً لم تمحو من ذاكرة محمد عبوش وفاة شقيقه الأصغر بمرض التلاسيميا ما دفعه إلى إجراء تحاليل ما قبل الزواج في أكثر من مشفى عام ومخبر خاص، جميعها أكدت خلوه وخطيبته من أي أمراض وراثية وبناءً على هذا التقرير أتم زواجه من ابنة خالته ولكنه الآن ولما لقصته من غرابة أصبح من أكثر رواد مركز معالجة التلاسيميا في دمشق، والذي يشهد معاناته منذ ولادة أول طفل لهما، يقول محمد: «الأطباء أخطأوا بحقي مرتين الأولى في التقرير الذي أثبت أني وزوجتي غير مصابين بأي مرض وراثي والثاني عندما شخصوا حالة طفلي ووصفوا له الحديد كعلاج لمدة ثلاثة أعوام بهدف تغذية جسد الطفل حتى لحظة اكتشاف أحد الأطباء لإصابته بمرض التلاسيميا ووجود ترسبات كبيرة للحديد في جسده الغض».
وحالة محمد خير ليست يتيمة ففي الغرفة المجاورة له يجلس غسان معاني وزوجته رضوى الصلخدي يراقبان بحرقة ابنهم البالغ 16 شهراً ، والذي أكدت عدة تحاليل وفحوصات في أكثر من مخبر ومشفى أنه غير مصاب رغم تراجع حالته الصحية إلى أن أجري له تحليل رحلان الخضاب في مركز معالجة التلاسيميا الذي أثبت أن الطفل مصاب بتلاسيميا كبرى ولن تفارقه طيلة حياته.
للمشورة فقط
قامت وزارة الصحة متمثلة بنقابة الأطباء بانشاء مراكز وعيادات مخصصة لتحاليل ما قبل الزواج غير أن مهامها تقتصر في حال ثبوت احتضان المقبلين على الزواج لمرض وراثي على تقديم النصح كونها لا تملك صلاحيات المنع، يقول نقيب أطباء سورية أحمد قاسم: «عيادات ما قبل الزواج مشروع وطني تقوم به وزارة الصحة وفق توجهات الحكومة يهدف إلى الحد من انتشار الأمراض الوراثية والأمراض الإنتانية التي تنتقل من أحد الأبوين إلى الابناء مثل آفات الخضاب الوراثية والتهاب الكبد C والتهاب الكبد E والإيدز.
تحاليل ما قبل الزواج التي بدأ العمل بها بالمراكز المختصة في المحافظات أظهرت أن ما بين 6 إلى 7% من المتقدمين إلى الزواج يحملون عدداً من الأمراض الوراثية مثل التلاسيميا وفقر الدم المنجلي، غير أن نسبة قليلة منهم تجاوبوا مع نتائج هذه الفحوصات.
وبالفعل بدأ العمل في أكثر من محافظة سورية في هذا المشروع باستثاء دمشق وريفها والقنيطرة على الرغم من أن ثلث المصابين في سورية موجودون في دمشق وبحسب القاسم فإن هذه المراكز بحاجة إلى مبالغ ضخة وتجهيزات متطورة.
وعن قصد أو دونه أسقطت وزارة الصحة ونقابة الأطباء من تحاليل ما قبل الزواج تحليل مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) حيث تقول مسؤولة التثقيف الصحي في برنامج مكافحة الإيدز رؤى حورانية: «نعمل على حملات توعية حول طرق انتقال هذا المرض ولكن لا نستطيع إجراء فحوصات لكل المقبلين على الزواج ويقتصر هذا الفحص على كل فتاة سورية مقبلة على الزواج من شخص أجنبي، حيث يطلب بشكل روتيني لاستكمال استمارة الزواج».
وما يعوق اجراء الفحوصات من وجهة نظرة حورانية التكلفة العالية للفحص والتي تقارب 1500 ليرة سورية يدفع منها طالب التحاليل 500 ليرة سورية.
السعودية والأردن ولبنان جميعها أقرت تحاليل ما قبل الزواج الإجباري ومنع زواج المصابين بالأمراض الوراثية إلا أن المشرع السوري حتّى الآن لم يقدم على هذه الخطوة والتي من وجهة نظر المختصين لن تؤدي للإقلال من الإصابة بالأمراض الوراثية فقط بل إلى زوالها نهائياً، ولكن وحتى اللحظة أخفقت كل المحاولات الرسمية باستصدار قانون مماثل وبقي دور المراكز الموجودة في سورية والعاجزة في أغلبها يقتصر فقط على تقديم النصح للمقبلين على الزواج دون أن يكون لها أو لغيرها من المحاكم الشرعية دور في ايقاف أي من تلك الزيجات التي ستولد حتماً أبناء مصابين بأمراض لا شفاء منها.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة