الأربعاء, 22 أيار 2019
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 51 تاريخ 1/8/2009 > العنف الأسري حبيس جدران المجتمع
العنف الأسري حبيس جدران المجتمع
جهينة - غسان شمه:

وقد سعت ورشة العمل التي أقامتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة الشهر الماضي إلى تسليط الضوء على هذه المشكلة الاجتماعية وكشف أسبابها من خلال مشاركة نقدية وحوارية لمجموعة من الباحثين والإعلاميين تحت عنوان «العنف الأسري والإعلام» أدارها المذيع عبد المؤمن الحسن.

د. مهنا: العنف بالطاعة
أشارت الدكتورة فريال مهنا إلى أن العنف ظاهرة موجودة في المجتمعات منذ زمن قديم جداً، وقد اتخذ أشكالاً عديدة... لكن مع تطور المجتمعات الحديثة وازدياد قيمة الفرد- الإنسان الناجمة عن فلسفة الأنوار عند بعض الأمم بدأت الأمم تتجاوز العنف.
وقد ميزت د. مهنا بين أشكال العنف الكبرى والصغرى، وأكدت أن الميكرو عنف هو العنف الذي يتحرك في قواعد معينة تبدأ من الأسرة.. وهو عنف ظاهر، مادي، عنف كامن وعنف متوارٍ وليس مادياً، ولكنه في كمونه يسري داخل الخلية الأساسية في المجتمع وهي الأسرة.
وحول منشأ وأسباب العنف داخل الأسرة العربية والإسلامية تقول د.مهنا:
أهم عوامل وجود هذا العنف بمختلف أشكاله أن هذه الأسرة قائمة على مفهوم الطاعة، وأجد أن الطاعة التي جرت شرعنتها أصبحت قوام الأسرة، وعلى أساسها تقوم الأسرة، حيث جاءت من مصادر مقدسة، وأعطيت عبر سنين وعقود وقرون شرعية كاملة عبر تراث إنساني لا يمت إلى القداسة بصلة. ونحن نعرف أن هذا اللفظ جاء لفظاً لمخاطبة جماعة معينة في بقعة معينة في مرحلة تاريخية معينة وفي سياق حضاري معين.. وقد جاء في سياق إيماني وعقدي قائم على أسبقية ميثاقية في معرض أحداث جزئية ثانوية عابرة، كانت تخصّ المكان والزمان لتلك الجماعة التي جرت مخاطبتها عبر الرسالة، فنجد أن هذا الأمر الجزئي أصبح هو الكلي والأساسي، وجرى تهميش كبير للقيم الحقيقية في المقدس وفي المصدر الأول له، وهي قيم الحب والمودة والرحمة واللباس والتبادل والتفاهم فأسست لأسرة عمودية تراتبية.
وأضافت: من الطاعة جاء جزء من العنف المادي كالضرب.. وهناك العنف الآخر المتواري المرتبط بالتجاهل والقطيعة والهجر والتقليل من الأهمية بالنيل من الكرامة بغرس الشعور بالدونية، وأكدت أننا لا نزال نعيش في الأسرة بقيم عبودية، تنتمي إلى الحقبة العبودية، نحن حتى الآن في مقاربتنا لموضوع الطاعة لم نخرج من الحقبة العبودية، ولم نقدم شيئاً ينتمي إلى حقبة معاصرة.
وبالنسبة للأطفال قالت مهنا: هناك أنواع عديدة من العنف تمارس على مشروعية الطاعة.. الطاعة مطلوبة في الأسرة لمواجهة رياح عاتية تهدد أصالة الأسرة في الشرق العربي والإسلامي... المرأة والأبناء تربوا، عبر التنشئة، على القيام بأدوار راسخة ومستقرة في الأسرة.
كما أكدت د. مهنا أنه لمواجهة هذا الواقع يجب ألا نعالج النتائج، بل يجب أن نغير في بنية وتركيبة الأسرة، أن نغير في الأدوار، في أدوار كل فرد من أفراد الأسرة وأن نغير في علاقات أفراد الأسرة.. والطاعة هنا تمثل محطة مهمة جداً يجب أن نحل الإشكال الموجود حولها..
وأضافت: إن انتقال المفاهيم في الأسرة والمجتمع تنتج قيماً أخرى مثل الامتثالية وهي قيمة قريبة جداً من الطاعة، والامتثالية خصيصة أصبحت من خصائص المجتمعات العربية الإسلامية. وهذه الامتثالية كرست حالة السكون ضمن المجتمع انطلاقاً من القناعة بأن السكونية تضمن استقرار المجتمع وتضمن سلمه الأهلي.
واختتمت بأنه يجب أن نواجه هذه المفاهيم وهذه الإشكاليات لنحلها، وبالتالي لنواجه ظاهرة العنف بكل أشكالها وتجلياتها.
د. برقاوي: لا مجال للمساومة!
بداية عرّف د. أحمد برقاوي العنف بأنه كل فعل إكراه يؤدي إلى إيذاء جسدي أو معنوي. وأكد أنه في إطار مناقشتنا للعنف لا مجال للحلول الوسط، لا مجال للمساومة في قضايا كبرى من هذا القبيل مرتبطة بمستقبل البشر، إما مع العنف أو ضد العنف، حتى لو كانت مبررات العنف موجودة في عاداتنا وقيمنا.
وشدد على ضرورة أن نحطم هذه القيم التي تبرر العنف مهما كانت هذه القيم، مشيراً إلى أن خطورة هذا الإكراه- العنف، أنه يمارس في مؤسسة حميمية هي الأسرة، حيث توجد قوة السلطة الأبوية التي تجد مرجعياتها في المجتمع والثقافة: البنية الثقافية السائدة يتكئ عليها رأس السلطة الممارسة الإكراه أي العنف... ماذا يعني هذا؟ يعني أن الأب أو الأم عندما يمارسان العنف لا يعتقدان أنهما يمارسان العنف وهذه هي أم المشكلات، فهما يعتقدان أنهما يقومان بعمل تربوي، من شأنه أن ينتج أبناء جيدين في المستقبل... إذاً فثقافة التربية المتكأ عليها من قبل الأب أو الأم هي ثقافة العنف والإكراه دون الاعتقاد بأنه عنف.
أما النقطة الثانية الخطيرة برأي برقاوي فهي تقبل الأولاد الذين هم في حالة المكره، تقبلهم العنف شيئاً فشيئاً حيث يصبح أمراً اعتيادياً، ويصبح العنف بهذا المعنى حالة طبيعية في الظاهر، لكنه في حقيقته ينتج كائنات مشوهة في المستقبل.
وأضاف د. برقاوي: إن الأب في السلطة البطريركية الأبوية يمارس العنف باعتباره حر التصرف، ديكتاتور بامتياز، وتحميه ثقافة تبرر له هذا الاستخدام، وفي الإسلام حق للرجل أن يضرب المرأة ضرباً غير مبرح.. ويفسر ابن كثير بألا يكسر فيها ضلعاً أو عظماً، بمعنى التزريق مسموح، فهو- الأب- عملياً يمارس حقاً مشروعاً اعتقاداً منه أنه يحمل المرأة- الزوجة على ما يسمى الطاعة.
وأشار د. برقاوي أيضاً إلى نوع آخر من العنف هو أن نحمل الأولاد على أن يعتقدوا بما نعتقد، مشيراً إلى أن الأب يتدخل ليس فقط في مصير الأبناء الفكري، بل وفي مصيرهم المهني... وكله عنف.
ويؤكد د. برقاوي أن النقطة الأخطر في ممارسة العنف أن علم النفس يقول: إن الشخصية تتكون في السنوات الخمس الأولى التي تحدد لي من أنا، تحدد المكبوت الطفولي الذي يتحول إلى تشوهات في الشخصية الإنسانية.
ويرى د. برقاوي أن كل هذا العنف قائم على غياب مفهوم الإنسان... هذا الكائن البشري الذي لا معنى لوجوده دون أن يكون كائناً حراً... والإكراه هو أن تفقد البشر حريتهم فتحمّلهم ما لا يريدون.
وأضاف: إن تراتبية العنف تبدأ من الأدنى إلى الأعلى، وتستمر من الأعلى إلى الأدنى بمعنى: لقد خلق الإنسان الشرقي الإله على شاكلة حاكمه كما يقول هيغل، فيما نقول: نحن أيضاًَ خلقنا الديكتاتور على شكل الأب... سلطة الأب هي الصورة المصغرة للديكتاتور.
وحول دور الإعلام أكد د. برقاوي أن على الإعلام أن يعتنق ثقافة متجاوزة لكي يترك أثراً في الناس، وأننا نريد من الإعلام أن يخلق وعياً جديداً بقيمة الإنسان، بقيمة الابن، بقيمة الأب، كما يجب على الإعلام أن يضغط لسن القانون... يجب أن يكون هناك قانون ليحمي البشر من العنف، ويحمي أفراد الأسرة من العنف، وأهمية الإعلام أنه شيئاً فشيئاً يخلق جماعات ضغط.
رئيسة الهيئة سيرا أستور: العنف يمارس دون وعي
المهندسة سيرا أستور رئيسة الهيئة السورية لشؤون الأسرة قالت: إن العنف يمارس دون وعي وهناك الكثير من الإحصائيات التي تقول إن المرأة تتقبل العنف وتقول إنه من حق الرجل أن يضربها إذا كانت تهمل أولادها مثلاً.
كما أشارت إلى دور العاطفة وابتعاد الشرقيين، وخاصة في بلادنا، عن إظهار العواطف. وأكدت أن العنف الثقافي نقطة هامة يجب أن ننطلق منها، حيث تمارس الأم العنف نتيجة لذلك فكثير من جرائم الشرف تكون الأم أو الجدة هي من يرغم الأخ أو الأب على ارتكابها.
كما تحدثت السيدة أستور عن أهمية الإعلام التنموي في هذا المجال، وأشارت إلى بعض التقصير الذي يحدث في هذا الإطار، مؤكدة أنه من الضروري الانتباه إلى بعض الرسائل المتخلفة التي تبث بشكل غير واعٍ وخاصة في عدد من المسلسلات الدرامية التي لاقت رواجاً ومتابعة.
مساهمات وآراء
قدم الإعلاميون والمهتمون المشاركون في الندوة عدة آراء حول ضرورة العمل على مختلف المستويات الرسمية والأهلية والإعلامية، بغية بذل المزيد من الجهود من أجل وضع خطة استراتيجية في هذا المجال. كما أشار المشاركون إلى دور الإعلام الأساسي في هذا المجال، منبهين إلى أن الإعلام لا يمتلك خطة استراتيجية، مثلاً للعمل على كشف هذه المشكلة وبث ثقافة قادرة على مواجهتها وتشكيل وعي جديد يخدم الفرد والمجتمع، بقدر ما تبدو الجهود متفرقة وفردية نابعة من الاهتمام الشخصي.
كما أشار بعض المشاركين إلى ضرورة كشف الجوانب الاجتماعية التي يستند إليها بعض الأوصياء من رجال سلطة ودين لترسيخ مفاهيم تجاوزها الزمن والثقافة. وأكدوا على ضرورة علاج المشكلة من خلال مجمل الظروف المحيطة ولاسيما الحاضن الاجتماعي الثقافي الذي يمنح العنف مبررات عدة.

ما يشبه الخاتمة
إن العنف الأسري قضية وظاهرة ومشكلة، اجتماعية وثقافية فكرية، لها امتدادات في الماضي والحاضر والمستقبل، وآثارها السلبية تمتد لأجيال داخل المجتمع... وبهذا المعنى يبدو الجميع معنياً بالحوار فيها، وحولها، ولاسيما المؤسسات الرسمية والأهلية التي تأخذ على عاتقها القضية الاجتماعية بشكل عام. والأمر نفسه ينطبق على رجال الإعلام والثقافة والفكر.
ونحن ندرك أن الرهان الأساسي سيكون على الزمن، فقضية لها كل هذا التشعبات من الطبيعي أن تحتاج زمناً طويلاً لكي نتمكن من نشر الوعي والثقافة الكفيلين بتغيير المفاهيم، ورفض المبررات مهما تكن، مع التأسيس لبنية قانونية سليمة تساهم بدورها في الحدّ والتخلص من ظاهرة العنف بكافة أشكالها وهذه معركة طويلة تحتاج لجهود كبيرة وصادقة..!!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة