الثلاثاء, 30 آب 2016
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 22 تاريخ 1/3/2007 > التعليم في سورية... واقع مؤلم
التعليم في سورية... واقع مؤلم
لا تكفي التصريحات الرنانة للمسؤولين في وزارة التربية لتقنعنا أن التعليم في سورية بخير، ففي الوقت الذي تحدثوا فيه عن القفزة النوعية التي أحدثتها الوزارة في السياسات التعليمية، أتى تقرير التنمية البشرية للعام 2005 في سورية ليشير إلى عكس ذلك تماماً، وهو التقرير الثاني الذي يتناول محور التعليم والتنمية البشرية، والذي عكس الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات جوهرية في التعليم، وطالب بربطه بمتطلبات المرحلة العالمية التي نعيشها اليوم، بعد أن بدا جلياً الوضع التعليمي القاصر الذي يعيشه أطفال سورية، وقد وضع التقرير الأبعاد الهامة للتعلم القائم على المشاركة، وأهمها بناء الشخصية الإنسانية، والتعلم من أجل العمل..


جهينة – ربى القدسي:

واقع التعليم من خلال التقرير
بدأ التقرير بعرض واقع التعليم ما قبل المدرسي (رياض الأطفال)، حيث أكد أن معدل الالتحاق به لايزال ضعيفاً جداً بالنسبة إلى عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 3-5 سنوات، حيث بلغت النسبة 10,99% للعام الدراسي 2002-2003 وهو أمر على غاية الأهمية، لما للتربية المبكرة من أثر على حياة الطفل المدرسية، وتحصيله الدراسي في مرحلة التعليم الأساسي، مما يجنبه الإخفاق الدراسي والرسوب والتسرب.
أما في مرحلة التعليم الأساسي فيشير التقرير إلى أن معدلات الالتحاق العالية مصحوبة بنسبة إهدار مرتفعة، ومعدلات تسرب عالية، وهذا مرده إلى أسباب اجتماعية، اقتصادية، وثقافية، ويأتي من ضمنها المناهج المدرسية التي تحتاج إلى تطوير لتصبح أكثر توافقاً مع قدرات الطلاب..
تطوير المناهج المدرسية
على الرغم من التقدم الملحوظ في تحديث بعض مناهج التعليم الأساسي، إلا أنه لايزال متباطئاً في تطوير مناهج المرحلة الثانوية، والتي تتسم بطغيان نزعة الكم فيها، وتنطلق من أن المناهج المدرسية هي المصدر الوحيد للمعرفة، بينما يتسم التعليم اليوم بالتجدد، بحيث أن المدرسة ليست البوابة الوحيدة نحو المعرفة، وهنا يصبح دور الكتاب المدرسي يتمثل في تقديم أسس التعلم، ويكون دور المتعلم هو مواصلة التعلم اعتماداً على هذه الأسس، أما ما يحصل اليوم من اكتظاظ المناهج بمعلومات ضخمة وكثيفة، فإنه يؤثر بشكل سلبي على تنمية مهارات التفكير العملية لدى الطلبة، ويعزز الطريقة التلقينية التي حولت الطلاب إلى ببغاوات، وأدت إلى نقص شديد في مهارات البحث لديهم، وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها وزارة التربية لتطوير المناهج المدرسية وتحديثها، إلا أنه لاتزال توجد فجوة كبيرة بين هذه التوجهات وبين طرائق التدريس والامتحانات، وبين مخرجات التعليم من جهة ثانية، مما يشير إلى مشكلات بنيوية في النظام التعليمي..
تجربة ناجحة
عرض التقرير نموذجاً ناجحاً من نماذج الإصلاح التعليمي، وهي تجربة المدرسة الذكية في ماليزيا، التي تسعى إلى خلق مواطن ماليزي ذي عقل نقدي، وقدرة متعددة المعارف، وتهدف هذه المدرسة إلى تحويل عملية التعليم في أسلوبها التقليدي القائم على الحفظ والتلقين، إلى المشاركة والتفاعل والتفكير والإبداع، حيث من المقرر أن يكون هناك 5000 مدرسة ذكية في ماليزيا بحلول عام 2010، تهدف إلى وجود قوة عمل عالية التأهيل، وقد تم تعديل المناهج المدرسية لتتمكن من تطوير الطلاب، وتغذية المهارات والاتجاهات لديهم التي تساعدهم على حل المشكلات والتفكير بصورة إبداعية، ومساعدتهم على تكوين شخصية متعددة المعارف، كما يعتمد المنهاج على عدم التمسك بالكتاب المدرسي فقط، وتربية طالب قادر على استحواذ المعرفة التي يحتاجها في حياته، وتسليحه بالقدرات لاستخدام التقنيات الحديثة، بينما يكون دور المدرس في هذه المدرسة دوراً توجيهياً يساعد الطلاب في عملية التعلم بدلاً من الدور المسيطر والمهيمن..
لا تطبيقات عملية
أما محتوى مناهج العلوم فهو يدرس بشكل نظري بحت، دون أي محاولة لربط مضمون المنهاج بحياة التلاميذ وبيئتهم الطبيعية والمحلية، كما أنه لا توجد تطبيقات عملية، ولا زيارات ميدانية لتحقيق أهداف تدريس هذه المادة، وهناك إهمال تام لما تشتمل عليه دروس المادة من النشاط التطبيقي خارج الصف، لدرجة أن الكثير من معلمي المادة يلجؤون إلى حذفها، وباختصار فإن تدريس مناهج العلوم يتم بطريقة لفظية وحسب...
تخبط وعشوائية
تعمل وزارة التربية منذ عام 2005 على تأليف مناهج تعليمية جديدة ومطورة، وقد استقدمت الخبرات والأساتذة لتأليف هذه المناهج، ووضع المعايير ليتم التأليف على أساسها، وكما علمنا فإن وزارة التربية ستقوم بالإعلان عن مسابقة وتستقدم دور نشر لتأليف مناهج مدرسية إذا كانت متوافقة مع المعايير التي تم وضعها، وهذا الأمر يبدو إيجابياً في حال لم يدخل الفساد إلى هذه المسابقة، وإلا فإن النتائج ستكون كارثية على الطلاب وعلى التعليم في سورية، ولاندري من هي الجهة التي ستقوم بتقييم نتائج المسابقة واختيار الفائزين فيها؟ وعلى أي أساس سيتم اختيار هذه الجهة؟
ولن نستبق الأمور، وسنتركها إلى حينها، ولنكن متفائلين ونحلم بأن كل شيء سيسير على مايرام، وأن أيدي الفساد لن تطال عملية تأليف المناهج، التي يجب ألا تتحول بأي حال من الأحوال إلى عملية ربحية ... لكن وحتى تنتهي وزارة التربية من تأليف المناهج، ألا يحق لنا أن نتساءل: إلى متى ستظل الوزارة في حالة الفوضى والعشوائية، واضعة الطلاب والأساتذة في حالة من التخبط، دون أن تنتبه إلى انعكاسات ذلك على العملية التعليمية بأكملها..
فجوة كبيرة
"جهينة" التقت مجموعة من مدرسي مادة الرياضيات الذين تحدثوا عن معاناتهم مع طلاب الصف الثامن الذين درسوا كتاب الرياضيات في الصف السابع وفق معايير جديدة وعالمية، ثم انتقلوا إلى الصف الثامن ليجدوا أنفسهم مضطرين إلى دراسة هذه المادة وفق منهاج قديم تم وضعه في السبعينيات، ويتم تدريسه وفق طريقة تلقينية بحتة، وهذا الأمر نفسه يتكررمع طلاب الأول والثاني الثانوي، الذين يعانون من المشكلة ذاتها، أما المدرسون فهم تائهون ومحتارون في كيفية تدريس هذه المادة وردم الفجوة بين العامين الدراسيين، فأي منطق يحكم هذا الأمر؟ ومن الذي يدفع الثمن أولاً وأخيراً؟!..
الأساتذة تحدثوا أيضاً عن عدم تناسب حجم المقررات الدراسية مع عدد الساعات المخصصة لمادة الرياضيات طوال العام، مما يضطرهم إلى إعطاء كمية كبيرة من المعلومات في كل حصة درسية، وهذا يؤثر على قدرة الطالب على استيعاب المادة.
والسؤال الأكثر إلحاحاً الذي يتساءله الطلاب والمدرسون معاً، هو: كيف ستكون مناهج الرياضيات لطلاب البكالوريا في العام المقبل، هل ستكون وفق الطرق القديمة أم الحديثة؟ وهل ستكون باللغة العربية أم اللاتينية؟!
وماذا عن دورات التقوية الصيفية في مادة الرياضيات؟ أي منهاج ستعتمد إذا كان المدرسون لا يعلمون حتى اليوم ما هو منهاج العام المقبل للبكالوريا؟!
الرحمة بطلابنا
إن الاستشهاد بمنهاج الرياضيات كمثال عن واقع المناهج المدرسية يأتي من أهمية هذه المادة في بناء الفكر العلمي القادر والمبدع، لأن تعلمها يؤدي إلى تطوير الإمكانات الفكرية لدى المتعلم، بينما تحولت اليوم إلى مادة جافة يكرهها الأغلبية من الطلبة.
بعد ذلك كله، ألا يحق لنا أن نطالب وزارة التربية وهي منهمكة في عملية تأليف المناهج المدرسية، أن تنقذ طلابنا من هذا الوضع وتخرجهم من حالة التخبط التي يعيشونها، أم أن عليهم انتظارها حتى تنتهي من التأليف، ولا نعلم كم سيطول ذلك؟!..
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة