في ظل الإصرار على غيابها.. الصحافة الفنية في سورية مشروع مؤجل إلى أجل غير مسمى

عندما كانت الدراما السورية متواضعة في فترة من الفترات على صعيد الكم والانتشار كان مبرراً غياب الصحافة الفنية المتخصصة عن ساحتنا الإعلامية، لكن وبعد التطور الكبير الذي طرأ على هذه الدراما شكلاً ومضموناً وانتشاراً، وبعد حضورها القوي والفاعل والنجاح المتفرد لها والذي تعيشه منذ عدة سنوات بات غياب الصحافة الفنية موضع سؤال واستفسار، وهي الصحافة التي يعتقد البعض أنها لا يمكن أن تثمر في مناخ كمناخنا لأنها تكرست في أذهان قارئنا ضمن شكل ومضمون محددين فرضتهما الصحافة الفنية الوافدة، فبدت وكأنها لا تولد ولا تعيش إلا على الفضائح والشائعات وتلفيق الأخبار المغرية التي تغوص في تفاصيل الحياة السرية للفنانين وعالم الفن، فماذا يقول العاملون في قطاع الفن والصحافة عن غياب الصحافة الفنية في سورية؟.
القطاع العام هو الجهة القادرة
على إصدار المجلات الفنية
يرى الإعلامي سعد القاسم أن الساحة الدرامية السورية كانت حتى وقت قريب لا تحتمل وجود مجلة فنية متخصصة: "وهذا ما جعل مجلة هنا دمشق كافية لتغطية أخبار الفنانين، ولكن مع تطور الحياة الدرامية لم يعد ذلك كافياً، مع العلم أن هناك مجلات فنية منتشرة في السوق السورية تعتمد على نشر الأخبار الشخصية لكنها ليست مقبولة من القارئ السوري لأنها تقوم على نشر الأخبار الشخصية".. ويرى القاسم أن الفنان السوري تتغير طبيعة إجاباته في الحوارات التي يعطيها للصحافة الفنية المحلية عن طبيعة إجاباته على أسئلة الصحافة الفنية الوافدة، لأنه يدرك جدية صحافتنا المحلية وعدم انجرارها خلف السطحي من الأمور.
ويرى القاسم أن العديد من المجلات الاجتماعية والثقافية أصبح يعطي حيزاً واسعاً للفن، في الوقت الذي لا توجد فيه جهة تشعر أنها معنية بإصدار مجلة عن الدراما السورية: "ومجلة هنا دمشق تشكل الدراما جزءاً من اهتماماتها لكنها ليست اهتمامها الوحيد".
وعن ملحق تشرين الدرامي الذي استطاع أن يقدم بديلاً لمجلة مختصة بالدراما السورية يرى القاسم أنه مؤهل للتطور، ولأن يكون مجلة متكاملة وهو الآن يكاد يكون نواة لذلك، مع إيمانه بقدرة شركات الإنتاج على إصدار هكذا صحافة إن أرادت وإن اعتمدت الموضوعية، وإن كان يستبعد قدرتها على ذلك، وهي وإن نجحت فسيُحسب ذلك لها بالتأكيد، لذلك يرى أن القطاع العام هو الجهة الأنسب لإصدار هذه النوعية من الصحافة كلجنة صناعة السينما والتلفزيون ونقابة الفنانين ووزارة الإعلام التي يراها على مسافة واحدة من الجميع.
القارئ السوري وجد ضالته
في الصحافة الفنية العربية
بينما ينظر الإعلامي شافع مزيك مدير مكتب دار الصياد اللبنانية بدمشق إلى الصحافة الفنية من زاوية الرغبة في تكثيف الأسرار والتوغل في الحياة الخاصة والأسرية التي يرى أنها غائبة تماماً عن الصحافة الفنية السورية وعن القارئ السوري الذي وجد ضالته –حسب مزيك- في الصحافة العربية، وبالتحديد اللبنانية منها، مع إشارته إلى أن الصحافة المصرية قد جذبت لفترة طويلة انتباه القارئ السوري، وحققت تواصلاً واسعاً بحكم تأثير الفن على ذائقة الناس: "ومع انحسار هذا التأثير تضاءل وجود هذه الصحافة الفنية كما تضاءل وجود الصحافة الفنية اللبنانية التي تظهر فيها باستمرار تجارب إعلامية سرعان ما تختفي لأسباب لها علاقة بعدم وجود التمويل أو ضعف سوق الإعلان أو بسبب منافسة مجلات أخرى راسخة ومستمرة منذ عدة سنوات".. ويبيّن مزيك أن هذا الغياب واكبته محاولات للصحافة السورية لم تؤدِّ إلى رسوخ مطبوعة ما عند الجمهور، وفي المقابل يلمس مزيك اتساع رقعة الصفحات الفنية داخل الصحف والمجلات السورية الرسمية والخاصة، ويرى أن وجود هذه الصفحات في هذه المطبوعات غالباً ما كان ناجحاً وجاذباً للقارئ بعيداً عن الشائعات والأسرار والأخبار الخاصة، مع طغيان كبير لمواد النقد الفني، وهذا ما يمنح هذه الصحافة خصوصيتها البعيدة عن مفهوم الصحافة الفنية الرائج في لبنان ومصر وبعض دول الخليج العربي، ويؤمن مزيك بوجود تجارب في مجال الصحافة الفنية تخطو خطوات واثقة بعيداً عن الأسلوب التقليدي، وهذه التجارب تكاد تكون استمراراً للصفحات الفنية في صحفنا ومجلاتنا غير الاختصاصية وهي تسعى إلى تقديم كل ما هو جديد ولافت للانتباه لتكريس صحافة فنية من نوع آخر.
ويوضح مزيك أن ملامح الصحافة الفنية الجديدة قد لاح في الأفق، وهذا الأمر مرتبط باتساع دائرة نجومية الفنانين السوريين ضمن المحيط العربي، مؤكداً أن سورية ستكون قريباً بحاجة إلى المزيد من الصحف والمجلات الفنية بسبب تصاعد وتيرة الإنتاج الفني، ولأن النجاح الذي حققته الدراما السورية يحتاج إلى صحافة تواكبه على الرغم من اعتبار البعض للصحافة الفنية مغامرة غير مضمونة النتائج.
التنافر يميز الصحافة الفنية والوسط الفني
ويؤكد الإعلامي ماهر منصور المشرف على ملحق صحيفة تشرين الدرامي من جهته صعوبة وجود مجلة فنية حسب مفهوم المجلة الفنية السائد في الوطن العربي، وذلك لأن الصحافة الفنية السائدة تعتمد في جزء منها على (الخبر الأصفر) وعلى الفضائح واللعب بسمعة الفنانين، ويعتقد منصور أن الصحافة السورية لم تتعود أن تعمل ضمن منطق ملاحقة الفضائح والبحث عن خصوصيات الآخرين، إضافة إلى سبب آخر له علاقة بطبيعة العلاقة مع الفنان وطبيعة العمل الموسمي المحصور بثلاثة أشهر غنية بالأخبار الفنية التي يمكن أن تكون مادة دسمة للصحافة، في حين تبقى العلاقات الشخصية –برأيه- خارج هذه الأشهر هي التي تحرك الصفحات الفنية.. ويأسف منصور لأن التنافر هو ما يميز الصحافة السورية والوسط الفني، وهذا يؤدي إلى عدم توافر المعلومة بسهولة، وهذا الواقع يشكل لمنصور حالياً تحدياً كونه مسؤولاً عن ملحق تشرين الدرامي.
ويرى منصور أن الصحافة الفنية حالياً تعتمد على الخبر والحوار فقط وهذا لا يصنع صحافة فنية حقيقية، مشيراً إلى أن الصحافة الفنية الحقيقية تحتاج إلى موضوعات تحليلية في الوقت الذي يعاني فيه الوسط الفني من قلة عدد الصحفيين الذين يعملون في هذا المجال، وهذا ما يجعل –كما يقول- الأسماء في ملحق تشرين الدرامي تبدو متكررة بسبب عدم وجود عددٍ كافٍ من الصحفيين والنقاد الذين يمارسون النقد الفني، ويرى منصور أن هذا الواقع يؤدي إلى هيمنة المادة الحوارية على الصحف والمجلات الفنية بعامة دون أن ينسى أن يشير إلى أن الصورة في الصحافة الفنية تحتل مكانة مهمة في الوقت الذي مازالت فيه دون مستوى الاهتمام لا من قبل الصحافة الفنية ولا من قبل الفنان ذاته، بحيث أن جميع الصحفيين يتناقلون صورة معينة للفنان الواحد، وهذا الأمر بالنسبة لمنصور يشكل عقبة تقف في وجه وجود صحافة فنية يرى أنه لا يتوفر لها مناخ صحي في سورية خاصة في ظل قلة عدد الصحفيين الجيدين العاملين في مجال الصحافة الفنية، ويفسر منصور الفجوة الحالية بين الوسط الفني والوسط الصحفي كنتيجة لإرث كبير من الاختلاف بين الوسطين، خاصة وأن الكثيرين من الفنانين لا يتقبلون النقد ولا يتفهمون أهميته، في الوقت الذي يشير فيه إلى وجود متطفلين على مهنة الصحافة من الذين أفقدوا الفنانين ثقتهم بالصحافة الفنية، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الفنانين والصحفيين، والدليل غياب الصحفيين عن أية مناسبة فنية، إذ يعقد بعض الفنانين أحياناً مؤتمراتهم الصحفية دون وجود الصحفيين الذين غالباً ما يرتبط وجودهم بعلاقات شخصية أصبحت سيدة الموقف في معظم الأحيان فيما يتعلق بالحصول على المعلومة المفيدة.
ويشير منصور إلى غياب ما يسمى بالمسؤول الإعلامي الذي بدأ يتواجد على نحو نادر في بعض شركات الإنتاج المدركة لأهمية المسؤول الإعلامي فيها، وهناك بعض الشركات قد تدفع مبالغ خيالية للعمل الفني لكنها لا تؤمن بأهمية التغطية الإعلامية لهذه الأعمال.
الدور الأكبر للإعلان
ويشير الأستاذ حسام دولي رئيس تحرير مجلة "هنا دمشق" إلى أن التخصص في المجال الفني (الدرامي) مازال غير مرغوب به بالنسبة لأصحاب مجلات القطاع الخاص باعتبارها مجلات مكلفة لخصوصية موضوعاتها ومتطلباتها وكونها تتوجه إلى شريحة معينة هي الشريحة التي تهتم بالدراما، وبالتالي مازال هذا الأمر يعدّ بمثابة مغامرة، خاصة في ظل وجود عدة تجارب ظهرت ولم تستمر وانتهت بالتوقف لعدم القدرة على الاستمرار في هذا المجال بسبب عدم وجود الإمكانيات المادية، ويرى دولي أن للإعلان دوراً كبيراً في استمرار هذه المجلات إلا أنه في سورية لا يلعب هذا الدور، وبالتالي وفي ظل عدم اعتماد هذه المجلات على الإعلان القادر على منحها الأمان وضمان الاستمرار لم تستمر تجارب عديدة، في حين يرى أن المجلات اللبنانية والمصرية حافظت على استمرارها بفضل الدور الهام الذي يلعبه الإعلان في تأمين مورد مالي لها، ويوضح حسام دولي أنه ورغم الشهرة الواسعة لفناني مصر ولبنان إلا أن الأغلفة في الصحافة الفنية المصرية واللبنانية مازالت تباع لهم، في حين أن الفنان السوري لا يمكن أن يدفع ليرة واحدة ليكون على إحدى أغلفة المجلات.. وعن مجلة "هنا دمشق" التي يرأس تحريرها حالياً وهي مجلة فنية ثقافية تصدر عن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يؤكد أنها تحاول أن تسدّ هذه الثغرة بشكل أو بآخر، حيث تفرد صفحات عديدة لأخبار الفنانين والأعمال الدرامية إلا أنها ليست متخصصة بنشر المواضيع الفنية فقط، حيث تفرد صفحات لموضوعات لها علاقة بالفن التشكيلي والأدب وغير ذلك.
ورغم الظروف الحالية للصحافة الفنية السورية يبدو دولي متفائلاً بمستقبل أفضل لها، خاصة بعد نجاح قناة سورية-دراما المتخصصة وأملاً في أن يكون هذا النجاح محرضاً قوياً لوزارة الإعلام لإصدار مجلة عن الدراما، مع تأكيده على ضرورة وجود هكذا مجلة، ويبين دولي أن نجاح هذه النوعية من المجلات مرتبط بمدى وجود تعويضات مادية جيدة وكادر فني صحفي محترف وأقرب إلى الاختصاص، وإن كان يرى أن المجلة الفنية السورية في حال صدرت فهي لا يمكن أن تشبه تلك المجلات الصادرة في مصر ولبنان التي غالباً ما تنتهج نهج الصحافة الصفراء (فضائح-شائعات) خاصة وأن حياة الفنان السوري حياة بسيطة، واضحة، مكشوفة، ليس فيها ما هو خفي وسري.
طموح مشروع لنقابة الفنانين
ولا ينكر الفنان أسعد عيد نقيب الفنانين في سورية أهمية وجود صحافة فنية سورية تكون قادرة على مواكبة الحركة الدرامية السورية، خاصة بعد التطورات التي طرأت على هذه الحركة والنجاحات التي حققتها والغنى والتميز الذي أصبحت تتمتع به، ولا ينكر كذلك أهمية أن يكون للنقابة مجلة ترصد من خلالها ما يجري على الساحة الدرامية السورية، ويؤكد أن النقابة تضع في جدول برنامجها هكذا مشروع، وقامت بالتفكير به ودراسته كثيراً في وقت من الأوقات ورأت أنه مشروع على غاية من الأهمية، إلا أن تنفيذه بأفضل شكل ومضمون يحتاج إلى ميزانية كبيرة وهذا ما توقفت عنده النقابة باعتبارها جهة لها أولويات كثيرة، لذلك وبعد دراسة الجدوى الاقتصادية من هذا المشروع توصلت إلى عدم إمكانية تنفيذه في الوقت الحالي إلا أنه مازال ضمن الطموحات التي تسعى النقابة لإنجازها في المستقبل، وهي تمدّ يدها لاقتراحات كثيرة تقوم بطرحها جهات غير رسمية تحاول التعاون معها في أن تكون طرفاً إيجابياً في محاولة لتحقيق هذا الطموح عبر عدة أفكار تقوم النقابة بدراستها ودراسة الهدف المرجو منها والذي يجب أن يصبّ في النهاية في تقديم مشروع ناجح، مطلوب منه التميز والاختلاف حتى لا يكون مجرد تكرار لمشاريع موجودة ضمن الساحة الإعلامية، فالنقابة –برأيه- لا يمكن أن تقدم على أية محاولة في هذا الاتجاه إن لم تكن متفردة، وإن كان عيد مؤمناً في الوقت الحالي بأن الصحف والمجلات الموجودة في السوق تقوم بتعويض النقص الموجود على صعيد الصحافة الفنية، وذلك بعد أن خصصت الصحف الرسمية وغير الرسمية صفحات عديدة لمواكبة الحركة الدرامية وكذلك فعلت المجلات الخاصة التي لا يمكن أن تتخلى عن هكذا موضوع في صفحاتها، فالأخبار والحوارات والتحقيقات الفنية تكاد تكون شبه دائمة حتى في الصحف والمجلات الاقتصادية والسياسية، إلى جانب المحطات التلفزيونية التي تعددت فيها البرامج الفنية، ويشير عيد إلى أهمية وجود قناة الدراما التلفزيونية التي نجحت عبر برامجها المتعددة في تسليط الضوء على الحياة الدرامية في سورية حالياً وفي الفترة السابقة من خلال بثها لأعمال درامية قديمة يمكن من خلالها رصد التطورات التي طرأت على الدراما، كما أكد عيد أن النقابة تحاول أيضاً من خلال موقعها على الانترنت تدارك هذا النقص لديها من خلال اهتمامها الكبير برصد أخبار الفن والفنانين السوريين ليكون هذا الموقع في خدمة جميع الفنانين والجهات الفاعلة في الحياة الدرامية السورية لنشر أخبارهم وأخبار أعمالهم.