
مع كل افتتاح لمهرجان عربي يقام هنا أو هناك، يضطر المرء مكرهاً أن يسمع مجاملات الضيوف النجوم التي تصل أحياناً إلى حد الغثيان. من بين هذه المجاملات التي يعبّرون عنها وهم بحالة تمثيلية ناجحة تكاد تجعلك تصدق كل هذه المشاعر الجيّاشة، وتكاد لشدّة تأثرك أن تبكي أحياناً، جملة يكررها البعض باستمرار كتعبير عن تأثرهم بكرم الضيافة وحسن الاستقبال وعدم إحساسهم بالغربة وهي (أنا حاسس أو أنا حاسّة إني في بلدي التاني). فإن كان اليوم في لبنان اعتبرها بلده الثاني وإن سافر في اليوم التالي إلى المغرب اعتبرها أيضاً بلده الثاني، مع أنها بحسب علم الأرقام يجب أن تكون بلده الثالث وليس الثاني. وهلم جرا إن تابع أسفاره بين الكويت أو ليبيا أو الصومال، مكرراً الجملة ذاتها بحيث أنك تتوه حقاً وتدخل في "الحيص بيص" لتكتشف أيّها بلده الثاني... أَكُلّها ؟؟!!
حسناً.. لا بأس أن يسخّر النجم ما يراه مناسباً لخدمة صورته ونجوميته. لكن ما يحدث حقيقة هو أن هذا النجم الذي يتماهى بهذه الأحاسيس القومية الجيّاشة، تراه ينقلب انقلاباً مفاجئاً وشرساً حين تلوح في الأفق منافسة حادة من قبل أحد نجوم بلده الثاني، أو سماعه لإشاعة أو تصريح إعلامي لا يعجبه يصدر من مصدر ما في أحد بلدانه الثانية. وهنا يبتدئ بفتح نيران شتائمه اللاذعة. لا يوفر أحداً ولا يستثني أحداً، حتى إنه مستعد أن يتعاون مع كل المعنيين لفتح أرشيف العلاقات السياسية والأمنية والتجارية والزراعية بين البلدين، وتسليط الضوء على النقاط السوداء فيها واستعمالها كأدوات حربية تخدم معركته المصيرية ضد.. بلده العزيز.. الثاني.
إن نظرة سريعة للمطبوعات الفنية العربية كافية للتعبير عن حجم الخراب الأخلاقي السائد بين بعض الأسماء من نجوم الصدارة الذين نحبهم ونقدر إبداعاتهم جلّ تقدير. وإن فتشت عن الأسباب الحقيقية بين كل هذا السخام، اكتشفت أنها وحدها المنافسة الضارية في حرب التسويق نسفت في طريقها كل ماله علاقة بالتكامل العربي، مكرسة سلوكيات جديدة تكرس بحدة مبدأ التنافر والتناحر، ومطيحة بأوبريت الحلم العربي في الهواء أو على الأقل هو حلم صعب التحقيق بين المؤدين له على الأقل.
معارك وحروب نجوم الدراما العربية كثيفة ومعيبة في كثير من الأحيان، لكن أشدّها يقع في دائرة نجوم الغناء العربي، حيث إنهم الأكثر شغباً والأشطر في إشعال فتيل القذائف الفنية اللاهبة، وكل يوم جديد يحمل لك أخبار معركة بين لبناني ومصري وخليجي وسوري وأردني ومغربي، ومن تبقى؟!
الحرب الكلامية (والعضلاتية) العنيفة المشتعلة بين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة القدم التي أهلت الجزائر إلى مونديال جوهانسبرغ 2010، والتي أتوقع أنها ستبقى مفتوحة كجرح عميق ينزف بين الطرفين إلى ما بعد المونديال الموعود، تشكل أكثر أنموذج عربي فضائحي معبّر عن حجم الكراهية التي يحملها المواطن العربي ضد الآخر العربي. وأسوأ ما في الأمر هو انحياز بعض النجوم العرب مع مصر ضد الجزائر أو العكس، وقد كانت مصر والجزائر حتى الأمس القريب (بلدهما الحنون الثاني)، وياسبحان مغير الأحوال.
بعض النجوم كذلك، تخدعنا ببريقها والتماعها عن بعد، لكننا حين نحاول أن نقترب منها نكتشف أنها ليست أكثر من نقاط سوداء.. بل ومغرقة في سوادها.