
بعد تأسيس المعهد العالي للموسيقا بدمشق تشكلت عدة فرق موسيقية وغنائية تابعة له ذات توجه موسيقي كلاسيكي غربي وشرقي، فضلاً عن الغناء الجاد بأصوات فردية وجماعية، ومن هذه الفرق، الفرقة السيمفونية الوطنية والفرقة الوطنية للموسيقا العربية وأوركسترا طلاب المعهد بالإضافة إلى كورال الحجرة التي سنتحدث عنها بالتفصيل.
الكورال أو الجوقة "الغناء الجماعي" هو مجموعة موسيقية تتألف من مغنين، يؤدون موسيقا كورالية، عادة ما يقاد الكورال بواسطة قائد أو مدرب كورال.
إن مفهوم الكورال ضمن نطاق الموسيقا الكلاسيكية الغربية يختلف بشكل كبير عنه في الموسيقا العربية الشرقية، وذلك من حيث أسلوب الغناء وإخراج الصوت وتقسيم أصوات الكورال إلى أربع طبقات صوتية هي "سوبرانو-آلتو- تينور- باص"، وهذا بدوره عمل على كتابة موسيقية متعددة الخطوط اللحنية، التي لا وجود لها في الموسيقا العربية الشرقية، فكل المغنين في الكورال العربي الشرقي يغنون نفس اللحن "صوت واحد".
تتعدد أنواع الكورالات فمن الكورال الكنسي، الكورال الجامعي،الكورال المدرسي، كورال الأطفال إلى الكورال الاحترافي. يمكن أن يغني الكورال من دون مرافقة آلية أو مع مرافقة آلية "بيانو، وتريات، أوركسترا سمفونية".
يتضمن الكورال بشكل عام مجموعتين صوتيتين هما: الأصوات النسائية والأصوات الرجالية، تقسم الأصوات النسائية إلى أصوات سوبرانو "الطبقة الصوتية الحادة" وأصوات ألتو "الطبقة الصوتية المتوسطة"، كما تقسم الأصوات الرجالية إلى أصوات تينور "الطبقة الصوتية الحادة للرجال" وأصوات باص "الطبقة الصوتية المنخفضة".
فرقة كورال الحجرة
تأسست فرقة كورال الحجرة التابعة للمعهد العالي للموسيقا في عام 2001 بإشراف الأستاذ الراحل صلحي الوادي مؤسس المعهد وعميده السابق، لتكون نواة أول فرقة كورالية محترفة في سورية من طلاب وخريجي المعهد العالي للموسيقا ذوي الاختصاصات المختلفة: مغنو أوبرا وعازفو آلات مختلفة. كان الهدف الأول من تأسيس هذه الفرقة هو إدخال الموسيقا الكورالية الجماعية إلى ثقافتنا الموسيقية المحلية كنوع جديد من الموسيقا الغنائية، حيث تقوم الفرقة خلال حفلاتها بتقديم الأعمال الكورالية العالمية للجمهور السوري، وإضافة إلى ذلك تهدف الفرقة إلى تطوير وتحديث أساليب التأليف والغناء العربي عن طريق أداء الأغاني العربية "الفلكلورية والتراثية منها" بعد أن تم توزيعها هارمونياً إلى عدة أصوات، وغنائها بشكل جديد يعتمد أساليب تقنية وعلمية مثلى لإخراج الصوت والأحرف العربية من الحنجرة البشرية بشكل أجدى وأصح.
يتألف الكورال من 24 مغنياً ومغنية، مقسمين بحسب طبقات الصوت البشرية إلى أربع مجموعات: الأصوات النسائية "السوبرانو" وهن: "غادة حرب، لونا محمد، منال سمعان، ساندي بل نخلة، نهى الزروف".
آلتو: "أرشي استبانيان، جيلدا كوللوكيان، ديمة عياش، فتون الشرع، نسرين حمدان، يولا خوري".
أما الأصوات الرجالية:
التينور: "الياس زيات، بشر عيسى، تمام طيفور، ربيع الفقيه، ماهر رومية، وسيم إبراهيم".
الباص: "باسل صالح، سعيد خوري، سامر جبر، سرمد خوري، رامي شلبي".
خلال السنوات القليلة من عمر هذه الفرقة، قدم الكورال العديد من الحفلات في دمشق وعدد من المحافظات السورية بالإضافة إلى حفلات في المملكة الأردنية الهاشمية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية أرمينيا.
كما شاركت الفرقة في مناسبات واحتفاليات ثقافية مهمة نذكر منها: احتفالية افتتاح دار الأسد للثقافة والفنون في دمشق "2004" واحتفالات حلب عاصمة الثقافة الإسلامية "2007" واحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية "2008".
في جعبة الفرقة رصيد كبير من المؤلفات الكورالية من مختلف الأنواع والأنماط والأساليب والمدارس والعصور الموسيقية ابتداءً من الموسيقا الكلاسيكية الغربية الدينية والدنيوية، والموسيقا الحديثة المعاصرة كالجاز والروك آندرول إلى الموسيقا الشرقية العربية، والموسيقا العالمية للشعوب، إذ بلغ عدد اللغات التي يغني بها الكورال ثلاث عشرة لغة من لغات العالم الحية، وتسعى الفرقة إلى التنويع الدائم في برامجها وحفلاتها.
ويدرب ويقود الفرقة حالياً الخبير الروسي الأستاذ فيكتور بابينكو الحائز على وسام الاستحقاق كرجل ثقافة من جمهورية روسيا الاتحادية، حيث درس الكورال بداية في معهد تشايكوفسكي للمواهب الشابة، ثم انتسب إلى المعهد العالي الوطني للموسيقا "الكونسرفستوار" في موسكو في عام 1968 وتخرج منه عام 1973 كقائد كورال ومدرس لقيادة الكورال، ثم عمل كمدرس في معهد روسيا الموسيقي وكقائد للكورال في أوبرا "كراسنادار" وعمل كقائد رئيسي لفرقة كبيرة من مئة عازف، حيث قدموا حفلات في ثماني عشرة دولة في الفترة بين "1980-1989"، وقد حصل على جائزتين في مسابقتين دوليتين: "بلغاريا 1984"، "بولندا 1987"، كما حصل على الجائزة الأولى في مسابقة "إشراقة الشمال" من فلندا، وعمل بين عامي "1989-1991" أستاذاً في المعهد العالي للموسيقا في هافانا، وهو مدرس في المعهد العالي للموسيقا بدمشق منذ عام 1992 لمواد: "الهارموني، تحليل القوالب، ومؤسس فرقة كورال الحجرة المذكورة، كما ألف العديد من الكتب لطلبة المعهد العالي للموسيقا مثل "تمارين هارموني على البيانو، تحليل القوالب الموسيقية، قاموس الموسيقا".
برامج كورال الحجرة
ومن البرامج الغنائية التي قدمتها فرقة كورال الحجرة من خلال مشوارها يمكن أن نقسمها إلى:
برنامج الأغاني الكلاسيكية القديمة: يضم هذا البرنامج عدداً من أجمل الأغاني الكلاسيكية الأوروبية المؤلفة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، ويهدف إلى إحياء هذه القطع الموسيقية الفريدة، والتي يندر أن تغنى على مسارح العالم الغربي في وقتنا الحاضر.
برنامج أغاني من العالم: يضم هذا البرنامج أغاني شعبية فلكلورية لأكثر من خمس وعشرين دولة من دول العالم على امتداد القارات الخمس أمثال: "إسبانيا، أرمينيا، رومانيا، الأرجنتين، أميركا، الهند، أندونيسيا، اليابان، ودول إفريقيا وغيرها، ويهدف هذا البرنامج إلى التعريف بالثقافات الموسيقية لعدد كبير من شعوب العالم عبر جولة مدهشة في أغانيها ولغاتها المتنوعة.
برنامج الغناء العربي: ويضم عدداً من الأغاني العربية من التراث والفلكلور السوري والعربي، ويتميز بشكل خاص بأسلوب جديد للغناء العربي، حيث تم توزيع الأغاني هارمونياً إلى أربعة أصوات وأكثر، ويستعيض المغنون بأصواتهم عن أصوات الآلات الموسيقية، لتغنى هذه القطع دون مرافقة آلية، باستثناء بعض الآلات الإيقاعية، وتجدر الإشارة إلى أن العديد من هذه القطع قد تم توزيعها من قبل موسيقيين سوريين وخريجي المعهد العالي للموسيقا. كما يمتلك الكورال عدداً من الأعمال الكورالية الأوركسترالية "التي تؤدى بمرافقة الأوركسترا" الكبيرة والمشهورة عالمياً أمثال: "القداس الجنائزي لموتزارت، والسمفونية التاسعة "الكورال الختامي" لبيتهوفن، غلوريا لفيفالدي، والقداس الشعبي للمؤلف الأرجنتيني المعاصر "آرييل راميريس".
الموسيقي بشر عيسى: الغناء الكورالي غائب عن المنطقة
والتقت "جهينة" الموسيقي بشر عيسى، المغني في كورال الحجرة وأحد أعضاء مجلس إدارته، حيث قال عن أهمية الغناء الجماعي: هو شكل من أشكال الغناء كان غائباً تماماً عن المنطقة، وفيما سبق في بداية النهضة الموسيقية "أواخر القرن التاسع عشر"، بدأت تكبر الفرقة الموسيقية من التخت الشرقي، وبالتالي بدأت مجموعات تنشد الموشحات القديمة والقدود، وفي الثلث الثاني من القرن العشرين، غابت هذه القصة واحتلت الأغنية العربية ذات المغني الواحد الساحة الموسيقية، ولم يبق في المنطقة الشرقية الغناء الجماعي، إلا في بعض الكنائس. واليوم في المعهد العالي للموسيقا بدمشق أصبح هناك مادة كما باقي المواد اسمها "الغناء الجماعي" وهذا منذ تأسيس المعهد..
ويتابع عيسى حديثه: وفي عام 2001 كلف الراحل صلحي الوادي الأستاذ فيكتور بابينكو بتأسيس كورال تابع للمعهد وكان ذلك، وهذا النوع من الغناء ضروري لطلابنا، حيث إننا نمتلك ثقافة العزف الجماعي ونفتقد ذلك في الغناء الجماعي فضلاً عن ابتعاد المرء عن الأنانية في هذا الشكل من الغناء، ففيه لا يجوز أن يرتفع صوت على آخر، كما في الأوركسترا حيث يوجد تجانس في أداء الآلات.. وعمّا قدمه الكورال للموسيقا السورية قال: الهدف من الكورال هو إدخال هذا الشكل من الموسيقا إلى البلد، وفي البداية قدمنا الأغاني الكلاسيكية، وتعلمنا مع فيكتوريا بابينكو تقنية الصوت المختلف وطبيعته وإخراجه بأربعة أصوات، وفي هذه المرحلة قدمنا أعمالاً ضخمة لكبار المؤلفين الكلاسيكيين بالإضافة إلى أعمال باروك، وأصر بابينكو على أن تكون كافة الأعمال بطريقة "اكييلا" أي الغناء المجرد من الآلات الموسيقية وذلك ليظهر الصوت بوضوح أكثر، وهذه الطريقة صعبة جداً، وفيما بعد ظهرت الفكرة عندما جاءنا عمل من أدوارد طوركيان من جامعة كاسليك من لبنان وهو موسيقي مهم، عندما وصلتنا منه قطعة موزعة على أربعة أصوات تشبه الشكل الغربي الكلاسيكي ولكنها قطعة شرقية بل تراثية "أسمر اللون، طلعت يا محلا نورها، الحلوة دي.." وفي الحقيقة أدوارد طوركيان فتح أعيننا على هذه القصة ومن ثم تعاملنا معه في أكثر من عمل وبالتالي بدأنا بالعمل مع الغناء الشرقي والغربي أيضاً إلى جانب ما كنا نقدمه..".