
تمثل الكتابة بالنسبة إليه ذلك السحر الذي لا تنفد أسراره، إذ يعتبرها الخندق المكين الذي يلجأ إليه، لأنه إذا انهزمت الكتابة وانهزم الإبداع فهذه هزيمة للإنسان والقيم والمبادئ، والكتابة بالنسبة إليه هي حالة وجدانية تحقّب لمشاعر الناس، وتحقّب لهذه الأرواح التي ذهبت طواعية من أجل استعادة الأوطان، الكتابة هي الحلم أو الإرث الذي يترك للأبناء والأحفاد ليقرؤوا فيه، ولها دور كبير في حياته، من خلالها يعبّر عن سخطه ورفضه لتلك الحالات غير الإنسانية وغير الأخلاقية التي يعيشها شعب فلسطين.
بهذه الرؤية بدأ الأديب حسن حميد حديثه مع "جهينة" التي التقته عبر حوار حول تجربته الأدبية والإنسانية.
في البداية سألناه عن تلك الطفولة التي تحضر في أدبه.. هل هي حالة افتقاد للطفولة؟ أم إنها حالة تعيش بداخله تظهر في أثناء الكتابة لتشاغب معه على الورق عندما يتجلّى بحالته الإنسانية والذاتية، هذه الطفولة العفوية والتلقائية التي تتراءى بأسلوب عميق وموظف في أدبه فيجيب:
الطفولة بالنسبة للإنسان، كاتباً كان أم غير كاتب، هي كتاب يظل المرء طوال حياته يقرأ فيه ويستعيد ما فيه من ذكريات وجماليات ومشهديات، لكن طفولتي ربما كانت على خلاف الكثيرين، وربما كانت على موافقة الكثيرين، فهي طفولة معاناة وتعب وشقاء وهجرة، لأنني حملت مسؤولية الأسرة وأنا بعمر العشر سنوات لملء الشاغر الذي تركه والدي بسبب انتمائه لصفوف الفدائيين، وكان عليّ أن أقف مع والدتي لنعيل أسرة مؤلفة من تسعة إخوة كنت أكبر أفرادها، ونؤمّن لها كل متطلبات الحياة، ربما أتحدث عن الطفولة لأنني لم أعشها، تلك الطفولة التي كانت تتجلى على شكل معاركات أو مناوشات أو حوارات أو خصومات مع الأطفال سواء خارج المدرسة أم داخلها، وربما كانت هي الطفولة التي عشتها في الخيال أو بانتظار عودة الوالد من الفدائية، أو على صورة الفدائي وعلاقتها بالأسطورة، أو بأن يصبح لدينا بيت جميل له أبواب ونوافذ، لأنه كما تعرفين عشت في المخيم، والمخيم – أي مخيم – هو مخيم ليس بالقرية وليس بالمدينة، ومشكلة الخيام أنه لا جدران لها ولا نوافذ ولا أبواب، لا حدائق لها ولا طرق، فالخيام كلها متشابهة لا يوجد تمايزات بينها، حبال متشابكة فيما بينها، ربما هذا التشابك يدلل على المشاركة بالألم، أو على التعاضد والمساندة، أو الخصومات المضمرة بين خيمة وأخرى، فأنا عشت هذه الحياة وبقيت فيها حتى أنهيت المرحلة الثانوية وكانت مرحلة قاسية وصعبة، فقد عملت في مهن كثيرة لأكسب بعض النقود كي نسدّ بها حاجة الأسرة من مستلزمات.
لا أنكر أن حياتي كانت حزينة جداً، وصعبة جداً، ومرّة جداً.. وأعي أمراً شديد الأهمية بالنسبة لطفولتي، لذلك أعاود الحديث عنها في كل قصة وكل رواية، ليس من أجل استجرار هذه الميلودراما وهذه التراجيديا.. إطلاقاً، وإنما من أجل أن أعرف حقيقتي تماماً، أعود إليها لأنني أشعر أنها هي دربي الأول الفطري، دربي الأبدي الذي علمني الكثير وواكب الكثير من التموضعات الحزينة حول هذا الدرب، لذلك عندما يقرأ المرء كتاباتي يشعر أن الطفولة تماشيني، تباريني، أعود إليها كي آخذ منها وتأخذ مني، وأنا أجعلها نقطة مركزية دائماً أشدّ خيطي الأدبي إليها وأمضي.
ضمن هذه الظروف الصعبة التي عشتها من التعب والعمل والقلق كيف كانت نشأتك واهتماماتك وتربيتك الفكرية؟
أنا عشت في أسرة لا كتب فيها ولا أقلام، فالوالد والوالدة أميّان لا علاقة لهما بالقراءة والكتابة، والكتاب الوحيد الذي كان في بيتنا ورافقنا من قريتنا في الجولان وجاء معنا إلى المخيم هو القرآن الكريم، إضافة إلى كتبنا المدرسية، في المخيم لا توجد أي مكتبة أو أي مركز ثقافي، كان الشيء الأساسي المتاح أمامي هو احتكاكي بالطلاب الأكبر مني سناً، أحياناً أستعير بعض كتبهم وأقرؤها، وكان عندي دائماً هاجس أن أكون بالصف الأعلى من صفي، لذلك كنت أقرأ الدرس قبل أن يشرحه الأستاذ لكي أشاركه في الشرح حتى إذا سها عن أي فقرة في الدرس أذكّره بها، مما كان يشكل بالنسبة إليّ حالة من حالات المديح من قبل الأستاذ وتجعل الطلاب أترابي وأصدقائي ينظرون إليّ بإعجاب ويتساءلون كيف عرفت هذا؟ لكن الاحتكاك الحقيقي بالكتاب كان في البداية من خلال مكافأة نلتها على علامة عالية في مادة اللغة العربية في الصف الثامن الإعدادي، وكان يدرّسنا آنذاك أستاذ شاعر اسمه خليل خلايلي فكان أن جاء بكتاب "ديوان شعر" للشاعر أحمد دحبور كان عنوانه: "حكاية الولد الفلسطيني" ومن كثرة ما قرأت فيه تلك الأيام كدت أحفظه، وهو شعر يبشّر بالمقاومة الجديدة في مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، لكن فيما بعد ذهبنا إلى الثانوية العامة الواقعة في باب توما، وهناك انتقلنا إلى مدينة فيها مكتبات ضخمة تضم أدوات رسم وأدوات مدرسية هائلة، وبدأنا نلتقي مع أشخاص آخرين مختلفين في الديانة والمذهب والعقيدة الحزبية لسبب بسيط أننا كنّا معبئين بأفكار الفدائية والوطن وفلسطين والثورة الجزائرية، كل هذه الأشياء كانت تأخذنا إلى هذا المنبع، أي إلى المقاومة والقتال ومقاومة الصهيونية، وما حصل في تلك الفترة أنه كان لدينا أستاذ يميل للتربية ويريد أن يعلمنا بعض الأخلاقيات التي لها علاقة بالتسامح والمودة، فنصحنا بشراء كتابين من ترجمة المنفلوطي هما "ماجدولين، أو تحت ظلال الزيزفون" و "الفضيلة" وقد سجلت اسميهما في دفتري ظناً مني أنهما كتابان ضمن منهاج المدرسة، وكان أن حصل نقاش حولهما في البيت بأنني أطلبهما ترفاً وليس للضرورة المدرسية، فأقنعت والدتي أن الأستاذ طلبهما منّا، وكان أن اشترتهما الوالدة فقرأتهما بشكل مبكر في مرحلة السبعينيات، ثم ظهرت مجلة أسامة للأطفال وبعض الأشياء التي جاء بها أصدقاؤنا أولاد المدن، وأخذوا يأتونا ببعض المجلات المهتمة بالرسوم مثل سمير المصرية للأطفال، كان فيها سيناريوهات صغيرة، كنّا نأخذها ونخبئها عن عين الوالدة، لكن أهم علاقة لي بالكتاب كانت بعد الثانوية إذ اشتريت كتاب "ألف ليلة وليلة" وعندما بدأت أقرأ هذا الكتاب اختجلت من نفسي، لأنه كان يضم بعض المفردات التي توّصف أعضاء الجسد بشكل حسي موّثق بصور عارية، فعملت على تغليفه بجريدة ووضعته بين كتبي مخافة أن تراه الوالدة، وحينها ستوقن أن ابنها انحرف ودخل في حالة لا حسن فيها ولا حميد، وبقي هذا الكتاب رفيقي حتى هذا اليوم، وأنا أدين له بالكثير فهو نبع لا ينتهي يأخذ منه الإنسان قدر ما يستطيع.
وماذا عن وعيك للمكان الأول وكيف تجلّى في نتاجك الأدبي؟
أولاً أنا مولود في فلسطين بقرية "أكراد البقّارة" هذه القرية تقع على جسر بنات يعقوب، وقد خرجنا منها إلى قرية في الجولان اسمها "نعران"، تقع مباشرة على الحدود الفلسطينية، حيث استأجر جدي الأرض من أجل زراعتها بالقمح والشعير شتاء، وبالخضار صيفاً، فهذه القرية هي قرية طفولتي وفيها ملاعب البيادر ورجوم الحجارة وأخذ الزوادة لأهلي الحصادين في المنطقة، وذكريات القصص التي كانت تحكى على مصاطب البيوت والحكايات تدور حول الضباع والخوف من الليل وأشياء أخرى مثل العالم الآخر وعلاقته بالجن والإنس والآبار المسكونة بالأرواح الشريرة، بالإضافة لجماليات الريف وطبيعته الساحرة، هذه القرية كانت المكان الأول، أما المكان الثاني فهو مكان حلمي في فلسطين، لكني كنت أراه حيث كنت أقف مع جدي، فالمنطقة التي كنّا نسكنها تقع بمحاذاة نهر الأردن مباشرة وأرضنا تقع في الضفة الغربية للنهر، وأذكر تماماً أن جدي كان يدلّني على بيتنا، ومن الأشياء التي لا تفارق مخيلتي أني كنت وإياه نشاهد جراراً زراعياً إسرائيلياً يحرث في أرضنا، وكان هذا الجرار يحوم حول شجرة السدر وهي شجرة برية وليست شجرة زيتون أو برتقال، لكن جدي كان خائفاً من أن يقوم هذا الجرار في غفلة من السائق بضرب جذر هذه الشجرة فيقتلعها لأنها شاهدة على ذكريات له مع جدتي، حيث كان يجلس وإياها في الضحى عندما تأتيه بالطعام وهو يحرث الأرض، إضافة إلى أن هذه الشجرة تحدد مساحة أرضه ومكانها، وكثيراً ما كنت أضبط جدي وهو يبكي وينظر إلى هذه الأرض، وقد بقي في قرية نعران وحيداً عام 1967، ولم يخرج منها إلى أن قتله الصهاينة بعد سنتين، وكان هو سبب ذهاب والدي إلى الفدائية من أجل أن يرى والده ويأخذ له ما يحتاج إليه من مستلزمات، إلى أن جاء به والدي يوماً كتلة من العظام موضوعة في كيس للفدائيين، فبنينا له قبراً في قرية ببيلا المكان الذي كنّا نسكن فيه ذلك الحين.
هذان هما المكانان اللذان يرافقان نصوصي، الأول: قرية نعران في الجولان، والثاني: قريتنا في فلسطين حيث لا تزال الصورة موجودة في مخيلتي، لذلك أكتب عن مكانين لا يخرجان كثيراً عن هذين المكانين اللذين عرفتهما في طفولتي.
لندخل الآن في الجانب الإبداعي من تجربتك ونسألك: ترى هل العلاقة بين المبدع والناقد تتلخص بهشاشة المنتج الإبداعي وتحيز النقاد وتحيز الصحافة المجاني لنصوص البعض وتجارب لها قامات من زبد، برأيك لماذا لم تتكون لدينا حركة نقدية؟ وكيف تفسر لنا قولك: إذا قلنا إن النقد لا يواكب الإبداع نظلم النقد لأنه توجد أسماء نقدية هم حراس حقيقيون للإبداع؟ من هم هؤلاء الحراس؟
لنعترف أولاً بأهمية النقد في الحياة الثقافية، فمن دون نقد لا تستوي راية الإبداع وراية الثقافة، وأي إبداع من دون نقد هو إبداع ناقص، والناقد مهم مثلما هو المبدع مهم، وأي كلام يحط من قيمة الناقد هو كلام غير موضوعي وغير صادق، والمشكلة التي تحصل هي أن كثيراً من النقّاد الذين يتصدون لعملية النقد يكتفون بالسهل والهيّن، فيلخصون ما في بطون الكتب إذا قرؤوها، أو يعتمدون على تلخيصات الآخرين، وهذه قراءات ناقصة وغير واعية وغير أمينة، هذا الاستسهال سببه عدم قراءة المكتوب وعدم المتابعة، فأي ناقد في الوطن العربي لأي جنس من أجناس الأدب غير قادر على الإحاطة بكل النتاج بسبب الكثرة، ولا يستطيع النقد الحقيقي أن يتابع، لكن ما يرتجى من هؤلاء النقاد الذين أسميهم حراس المشهد الثقافي، نقاد كبار أمثال فيصل دراج، يوسف اليوسف، حنا عبود، سعيد يقطين، خليل الموسى، جابر عصفور، صلاح فضل، سعيد علوش، محمد القاضي، عبد الله الغذامي، يمنى العيد، نضال الصالح، نذير جعفر، هؤلاء نقاد أنا أعتبرهم حراس المشهد الثقافي، وعليهم أن يكونوا أصحاب آراء حادة وقاطعة، لكنها مبنية على الموضوعية والصدق، بعيداً عن التحزبات الجغرافية والمذهبية أو العرقية، أعتقد أن هؤلاء الأشخاص يشكلون مرايا للإبداع الحقيقي، صحيح أن المشاهد الثقافية فيها الكثير من الخطل والكثير من العيوب، لكن باعتقادي أن الحياة الثقافية في البلاد العربية وإن كانت خاضعة لما أسميه بالعلاقات العامة، هي مشاهد ثقافية جيدة وتشكل مناددة لبعض المشاهد الثقافية في العالم، كالهند، إفريقيا، أمريكا اللاتينية، وبعض البلدان الأوروبية، وقد لا تقف مناددة مع المشاهد الثقافية الأوروبية بسبب الآلام وبسبب أشياء كثيرة، أو بسبب تعصب الأوروبي، لكن كما أرى أن الأدب العربي بدأ الآن ولو عبر عدد من الأسماء يأخذ حضوره في مدونات السرد والشعر والنقد والفن وإلى آخر ما هنالك من فنون.
وما أثر تجارب الآخرين في تجربتك؟ بمن تأثرت وأنت المتابع الدقيق للنتاج الأدبي العربي والعالمي؟
بداية أنا مدين لكل ما قرأت، لكنني مدين أولاً للفلسفة التي درستها في جامعة دمشق لأنها نبهتني لأن أكون صاحب سؤال، وأن الثقافة لا حدود لها، وأنها مثل أنهار أي توقف لها هو حالة تأسن، لذلك حاولت قراءة كل ما وصل إلى يدي، وكانت عليّ مهمة أن أقرأ عني وعن أجدادي الذين كانوا في حالة الجهالة أو عدم القراءة، وحاولت أن أقرأ كل الأطياف بعيداً عن التحزب وبعيداً عن السياسات، أي كتاب كان يقع بيدي كنت أقرؤه حتى لو كان بعيداً عن الأدب والثقافة، كنت أجمع كل شيء وأقرؤه، لكن هناك كتب علمتني وساعدتني مثل ما كتبه دانتي، سرفانتس، ديستويفسكي، غوغول، تشيخوف، وغوته، وتوماس مان، وكالدويل، وفوكنر، وآلان غروب غرييه، وما كتبه الكثير من أعلام الكتابة في العالم خصوصاً الكلاسيكيات، واستهوتني من خلال الفلسفة قراءة الأساطير، وكتب الأدب الشعبي، ودخلت إلى هذه المنطقة لكي أتعلم منها وأستفيد من التراث الشعبي الذي له علاقة بالبيت والقرية، ثم ألف ليلة وليلة، ودونكيشوت والكوميديا الإلهية وهذه الكتب يتعلم فيها الإنسان ليس فقط الحكاية أو القصة، وإنما يتعلم التركيب الفني داخل هذه النصوص، وكيف شغلت، ويحضر سؤال في البال لماذا مسرحية مثل هاملت مهمة ومازالت تقرأ حتى الآن وتمتع؟ مثل هذا السؤال هو الذي يقود إلى بناء نص يشابه أو يحاكي تلك النصوص، وكان السؤال الذي يخطر لي: لماذا الآن عندما نقرأ أسطورة نشعر برأسنا يدور لجماليتها ومنطقها.. لحالة الإقناع التي فيها، لذلك على النص الأدبي أن يتضمن هذه الجماليات.
وأين يقف حسن الناقد أمام حسن المبدع؟
أنا صارم جداً أمام نصي الأدبي، أحياناً أكتب نصاً ربما خلال سنة أو سنتين لا أنشره، لكن أنا شديد المجازفة بقراءته على الناس، وقراءته على نفسي، وقراءته على أول شخص أصادفه فيكون ضحية لي، وفي بدايات عملي الوظيفي كنت معلماً للمرحلة الابتدائية، وفي حصص المطالعة حيث يكون الطلاب قد تعبوا من كثرة الدروس، كنت أقرأ على طلاب الصف الأول الابتدائي نصي القصصي أو قصيدتي الشعرية التي كنت أكتبها، وكان الطلاب في ذلك الوقت يعيشون حالة مرعبة من الأستاذ، وقد ساعدتني قراءة الأستاذ لنصه، عندما يقرؤه سماعياً يكون قد شغّل كل الحواس من أجل أن ينخل النص فتسقط كل الزوائد التي لا لزوم لها، ويبقى الشيء الجوهري والهام فيه، وهذا أمر شديد الأهمية، عندما يبدّل الكاتب كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة، هي حالة غربلة للنص وتنقيته من أي شوائب، لذلك أنا شديد الصرامة مع نصي كي لا أنشر أي نص أدبي فأندم عليه.
بدأت بالشعر والرسم ثم استقر بك المطاف في القصة والرواية، ومع أن القصة تعتمد على التكثيف إلا أن قصصك تنظمها مفردات جميلة وسلسة، وحتى في الرواية التي تعتمد على التفاصيل تبقى لغتك متسيدة نصك الأدبي، من أين تستقي مفرداتك لتبقى لغة نصك بهذه الجمالية؟
أولاً أنا عاشق للغة العربية، وأحب البراعات فيها، لكن من فضل الله عليّ أنني عندما أكتب القصة أو عندما أكتب الرواية يرافقني شخص كنته سابقاً هو الشاعر الذي يسير معي، لكنه يمشي تحت ظل الروائي أو القاص حسب طبيعة النص، وباعتقادي أن النص الأدبي يقوم على المتعة والمنطق والوظيفية، واللغة هي جزء من المتعة، وكل المتعة ربما تأتي من اللغة، ولاشيء يوفر المتعة داخل النص الأدبي غير اللغة، فإذا لم توظف اللغة بشكل صحيح يختل ركن أساسي في النص الأدبي هو اللغة، وبالتالي تختل المتعة، فالمتعة واللغة توءمان وهنا تكمن جمالية اللغة، وهذه التوءمة لا يستطيع أي أحد أن يوافق بينها، فهذا شيء له علاقة بموهبة يمنحها الخالق.
وإلى أي مدى تضع الزمن في حسابك لتحتفظ كتاباتك براهنيتها لفترة طويلة؟
أنا أحسب أن أهم ناقد هو الزمن، ولا يمكن لأحد أن يحفظ النص الأدبي في الموجودية سوى الزمن، لكن هذا يتطلب من النص الجمالية والشغل والانتباه والمعالجة والروح الإنسانية، بمعنى أنه يجب أن يكتب ما له علاقة بالإنسانية، فنحن مثلاً نتعاطف مع نصوص كتّابها فيتناميون أو فرنسيون... الخ، لأنهم يكتبون بشكل إنساني مما يقرب النص من أرواحنا، أما عندما يكون النص فئوياً وعنصرياً فلا أحد يتعاطف مع هذه النصوص.
بعد هذه التجربة الأدبية والحياتية الطويلة كيف تقرأ الحياة؟
الحياة جميلة ويجب أن تعاش، لكنها تحتاج إلى أشياء كثيرة على رأسها العمل، فالإنسان بحاجة لأن يتسلح بالثقافة، حيث ستصادفه عقبات كثيرة وعيون حاسدة وقلوب غيرى وأيد فيها مناجل، ودروب مليئة بالمسامير والزجاج، وعليه أن يستعد لذلك، بمعنى أن الحياة ليست درباً إسفلتية أو غابة جميلة بلا وحوش، بل الحياة غابة تضم كل الجماليات وكل الوحوش.
تتحدث في أدبك عن الموت كثيراً إذ تقدمه بفلسفة تبدو وكأنك تهرب من فكرة محددة، كيف تنظر إلى الموت بفلسفتك الشخصية بعيداً عن توظيفه الأدبي؟
الموت أحد أسئلة الفلسفة الكبرى، مشكلة الموت هي في النظرة الكونية، فالكون مؤلف من ثلاثة أكوان، كون علوي هو ما نسميه السماء ولا أحد يعرف ماذا في هذه السماء، توجد معلومات كثيرة لكن لا أحد يصل إلى يقينية حولها، فالأديان جميعها تقول بوجود سماء أولى وثانية لكن لا توجد يقينية تؤكد هذا الكلام، فعندما نقول فيها هواء وغازات وحرارة ورطوبة وبرد فهذا بعض ما استطاع عقل الإنسان أن يصل إليه منها، لكن هناك أشياء أخرى تطلقها مركبات فضائية أخرى لا نستطيع أن نعرف ما فيها من كواكب ومجرات، لا نستطيع أن نعرف ماذا في هذا الكون العلوي، والكون الآخر هو الكون الذي يعيش فيه الإنسان أي العالم الواقعي (الحراك الذي يعيشه الشخص) هذا هو مدارنا نحن، وهناك عالم آخر هو العالم السفلي، أو مملكة الموت وهو جزء أساسي أيضاً، بمعنى عندما نفكر في الحاضر ونفكر في الطهرانية السماوية نفكر في العالم السفلي أيضاً، فهذه الدنيا ثلاثة أثلاث لذلك الموت جزء أساسي موجود معنا، المملكة السفلية هي أيضاً تحت أرضنا ولا نعرف ماذا تحت هذه الأرض، هذه الأكوان الثلاثة التي تحدثت عنها الفلسفة جزء أساسي منها هو الموت، لذلك الموت معي في كتابتي، ثم هذا الموت واكبني في بيتي، واكبني في الفقد والغياب، واكبني في هذا الوطن البعيد، وقطار الموت في المخيمات هو قطار أزلي.. دائماً هناك أرامل وأيتام وموت وشهداء ودم وهذا كله جعل الموت مادة أساسية في نصوصي.
سيرة ذاتية
حسن حميد أديب فلسطيني من قرية أكراد البقارة قضاء صفد، من مواليد عام 1956.
ماجستير ودكتوراه في الفلسفة عمل مدرساً واشتغل في الصحافة الأدبية.
من مؤلفاته:
زعفران والمداسات المعتمة.. قصص 1985
ممارسات زيد الغاثي المحروم.. قصص- 1985
دوي الموتى.. قصص وزارة الثقافة 1987
طار الحمام.. قصص اتحاد الكتاب العرب - 1988
السواد.. رواية – دار الأهالي 1988
أحزان شاغال الساخنة.. قصص – اللاذقية 1989
قرنفل أحمر لأجلها.. قصص – اتحاد الكتاب العرب 1990
مطر واحزان وفراش ملون.. قصص – اتحاد الكتاب العرب 1992
تعالي نطير أوراق الخريف.. رواية – اتحاد الكتاب العرب 1993
هناك قرب شجر الصفصاف.. قصص – اتحاد الكتاب العرب 1995
جسر بنات يعقوب - رواية 1996.
مدينة الله – رواية- 2009.