|
|
|
أدب البورنو والاستشراق

كنت قد تعرضت في عدد "جهينة" السابق الذي لسبب أقدر أنه واحد من جملة الأسباب التي دفعت بعض الكتّاب العرب (خاصة الروائيين الجدد منهم) للخوض في غمار الكتابة الجنسية حتى بدا الأمر وكأنه سباق بين من يتعرى أو تتعرى أكثر من خلال نصه أو نصها، والسبب كما ذكرت يتعلق بسيطرة الأدباء المخضرمين على المنابر الأدبية والثقافية وسلوكهم الانتقائي واللامنطقي أحياناً بما يخصّ المواهب الأدبية الجديدة والذي لم يخل عند بعضهم من النرجسية والابتزاز والتعمية، وليعذرني القراء على مقارنة قد لا تبدو منطقية، ولكن سيتقبلها من يتابع هذا النمط الكتابي الهادف في بعض النصوص إلى ابتزاز القارئ من خلال مخاطبة الغريزة دون أدنى اعتبار للناحية الأدبية والجمالية أحياناً والفكرية والفنية غالباً.
ثمة تنافس بين الشاشات الفضائية العربية في إطلاق سباق في العري بحجة الغناء وتحت مصطلح الفن، فهل ينطبق هذا على دور النشر التي تتبنى الأعمال الإباحية دون أي اعتبار لقيمتها الفنية والأدبية؟
الآن أعود إلى السبب الثاني الذي دفع بعض المشتغلين في معترك الأدب الروائي إلى كتابة البورنو، وهنا لابد من العودة إلى إدوارد سعيد وكتابه الرائع (الاستشراق) حيث يؤكد فيه أن الشرق (الخارج) كان ولا يزال نصاً أو مادة تتم دراستها من قبل الغرب (الداخل) من خلال غمامات جنسوية، وهذه الغمامات تصنف الشرق على أنه مكان يسكنه المجانين والسحرة والمشعوذون والأطفال والشاذون جنسياً، أما الذكر فسكوني غير قادر على الإبداع، والمرأة غبية متهتكة وتعبّر عن حواسية لا حدود لها، رغوبة وعلى استعداد دائم للمضاجعة مع أي كان. والشرق في كتب الاستشراقيين قدري، حواسي، رومانسي، رافل بالغنى، مليء بالحمامات، والعطور، والرقص، والملذات الشرقية، نساؤه فاسقات، كسولات، مسترخيات، غارقات في حالة كيف دائمة، وبناء على هذا التقييم فالشرق بحاجة دائماً إلى إخصاب من الغرب كي يتحرك إلى الأمام. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما علاقة هذا الرأي الاستشراقي السيكلوبي (العين الواحدة) المتطرف بما تشهده الساحة الأدبية العربية من إقبال وصل حدّ الانفلات من بعض الأدباء على كتابة أدب البورنو، بمعنى آخر: لماذا رحب الغرب برواية (الخبز الحافي) للكاتب المغربي محمد شكري وترجمها إلى لغاته وروّج لها وتعامى عن رواية (رسمت خطاً في الرمال) للروائي الكبير هاني الراهب؟ مع الإشارة إلى أن الأولى تطرح قضية الشذوذ الجنسي بين مغتصَب هو الروائي نفسه حين كان طفلاً، وبين مغتصِب هو والده بلغة جنسية واضحة وفاضحة، والثانية تطرح قضية عربية كبرى تتعلق بفساد الأنظمة العربية الذي أدى إلى ضياع الشعوب ونهب ثرواتها من خلال قضية النفط، وبعيداً عن السوية الفنية والفكرية والأدبية التي اشتغل عليها الروائيان وهي بالطبع موضوع آخر ولا تصبّ في صالح رواية الخبز الحافي التي ملأت دنيا الغرب وشغلت ناسه، رغم الأعمال الأدبية الجنسية والفاضحة والمتنوعة التي تطبعها دور نشرها، ليس هذا فقط، بل تحوّل هذا الروائي المتواضع الموهبة بعد "الخبز الحافي" إلى نجم روائي في الغرب والشرق وترجمت جميع أعماله إلى عدة لغات ولاقت رواجاً منقطع النظير لدى القارئ الغربي تأثر به القارئ العربي على عكس الروائي هاني الراهب الذي كتب عن قضايا عربية كبرى وبعيداً عن الجنس المجاني أو غير الموظف، حيث ظل مهمشاً ومهملاً، وأقدّر أنه كذلك في وطنه وربما في بلدته الصغيرة.
قد يعتقد البعض أنني بربطي بين الاستشراق والترويج للكتب التي تؤكد رؤية المستشرقين إنما أعيد إلى الأذهان مفهوم المؤامرة، وبذلك إنما أعطي مبرراً لما وصلنا إليه من تخلف وانحطاط وأبرر تورط الأدباء في هكذا نمط كتابي، والقضية ليست هكذا أبداً. إذ أن الكشف عن المخبوء أفضل بكثير من التعامي عنه رغم المعرفة بوجوده في مكان ما، ربما كان بعيداً أو قريباً، يعيش بيننا أو في ركن ما يتلقى تردداتنا وأفكارنا، يهمش منها ما يشير إلى وجوده وانخراطه في أحزاب وحركات تساهم في تخلفنا وضياعنا، وفي أحسن الأحوال في مراوحتنا مكاننا، ويتبنى شعاراته التي تدعم وتؤكد رؤيته الاستشراقية وتتبنى أفكاره الجاهزة والمعلبة والتي لا يسمح لأي كان بفتحها كي لا تفقد طزاجتها الدائمة، والهدف من كل هذا إعطاء مبرر لا يموت بالتقادم من أجل ديمومة تخلفنا، وبالتالي غزونا ونهب ثرواتنا تحت مصطلح الإخصاب، وبناء على هذا أقدّر أنه ثمة جهات تعمل ليل نهار وهي نافذة لدرجة أنها قادرة على فرض النصوص التي تصبّ في صالح سياستها القديمة الجديدة، وفي الوقت ذاته تعمل على تهميش بل وإعدام كل نص أدبي يتعرض فيه صاحبه لقضايا وطنية كبرى لأنه بذلك ينفي ما دأبوا هم على ترسيخه عبر قرون وما زالوا من أن الشرق هو شرق الملكة بلقيس التي رقصت للنبي سليمان رقصة النحلة، وهو شرق سالومي التي أغوت الملك هيروديا فقدم لها في طبق رأس يوحنا المعمدان، وهو أولاً وقبل كل شي شهرزاد صاحبة حكايا ألف ليلة وليلة ذات النصوص المتهتكة والماجنة وشهريارها السفاح، إنه شرق بلا قضايا لأنه غارق في الجنس والفجور من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه، ولذلك فإن كل نص أدبي ينضوي تحت هذا المفهوم ينال صاحبه شهرة واسعة، ولذلك كله صار الروائي محمد شكري نجماً وسمع الجميع برواية الخبز الحافي وظلت رواية رسمت خطاً في الرمال عملاً أدبياً رفيعاً يتداوله فقط النقاد والأكاديميون، وظل صاحبها الروائي هاني الراهب مغيباً عن القارئ العربي، وهذا ينطبق على الوضع الإبداعي الحالي، وأقدّر أن هذا السبب من جملة الأسباب التي دفعت البعض للخوض في الكتابة الجنسية، وهو كذلك وراء السباق في التعري من خلال النص. لنعترف أخيراً بأن الشهرة إغواء، وأقدّر أن البعض وقع في شركها بقصد أو بغير قصد، فكتب عن الجنس المجاني بطريقة بذيئة وفاحشة فنال الشهرة بلا مجد وملأ جيوبه دون أن يثري فكره ويمتع روحه، والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سيكتب هؤلاء بعد أن ينتهوا من الكتابة عن الجنس؟.
أضف تعليقك
|
|
|
|