
جهينة- سماح عماش:
ماذا يقول الأهل؟
معظم الأهالي يشجعون دخول بناتهم إلى الجامعة لأن الشهادة الجامعية حسب قولهم هي الضمانة الأساسية لمستقبلهن، إلا أنهم رغم ذلك لا ينكرون مخاوفهم وقلقهم الكبير على بناتهم من هذه التجربة وما يحيطها من ظروف ومواقف متنوعة.
تقول السيدة منى حريري/ موظفة- 45 سنة/: دخول الفتاة للجامعة في هذا العصر بات أمراً محتوماً وضرورياً لا يختلف عليه اثنان وذلك لأهمية التعليم عموماً وخاصةً التعليم العالي في حياة الأنثى تحديداً، ولمواجهة الظروف الاجتماعية السيئة التي قد تتعرض لها، لذلك من الجهل والتخلف أن يمنع الأهل بناتهم من الدخول إلى الجامعة لمجرد سماعهم أقاويل من هنا وهناك تطال سمعة الطالبات الجامعيات، فالجامعية ليست من كوكب آخر بل هي إنسانة كغيرها من الفتيات غير الجامعيات ستواجه بالتأكيد الكثير من المواقف الحياتية وستنخرط في العديد من العلاقات الاجتماعية والعاطفية الطبيعية التي تفرضها سنة الحياة، ويبقى الأهم من ذلك كله أن تحافظ الفتاة على احترامها لذاتها وكرامتها واحترام الآخرين لها في كل سلوك تقوم به، من خلال امتلاكها القدرة على التمييز بين الصح والخطأ، والاختيار السديد لزملائها ورفاقها في الجامعة.
التفاعل الواسع
ويرى سامح عمران/ مهندس- 50سنة/ الحياة الجامعية نموذجاً مصغراً عن الحياة عامة بما فيها من أنماط متنوعة من البشر والسلوكيات، لذلك لا يجد مبرراً للنظرة السيئة التي تطال سلوك الجامعيات ويوضح: أعتقد أن منشأ هذه النظرة يعود لأن المجتمع الجامعي تسلط عليه الأضواء بكثرة، خاصة وأنه مزيج من مجموعات بشرية متنوعة الانتماء الإقليمي والطائفي والاجتماعي والعرقي التي تتفاعل مع بعضها البعض باستمرار، وهذا ينتج عنه سلوكيات ومواقف متنوعة تلفت النظر إليها، وأرى أن هذا التفاعل صحي جداً لمعرفة الطرف الآخر المختلف كيف يفكر وما هي انتماءاته؟
ويتابع: لذلك يرفض بعض الأهالي دخول بناتهم إلى الجامعة خوفاً من الانخراط في هذا التفاعل الواسع الذي قد تكون نتائجه غير مرضية بالنسبة إليهم على الأقل، كحالات زواج الخطيفة أو الزواج العرفي أو إقامة علاقات غير شرعية أو الخروج عن بعض العادات والتقاليد الخاصة بمجتمع معين.
ويضيف: بالنسبة لي أرفض تقييد ابنتي ومنعها من خوض هذه التجربة الرائعة، حتى لو انتابني القلق عليها مرات، ومهمتي تقتصر فقط على توجيهها وتوعيتها والتقرب منها لكسب صداقتها لا ترهيبها أو دفنها في قفص الانغلاق والانعزال.
الجامعة لا تفسد
ويتساءل فائق علي/ موظف- 48 سنة/: لماذا العيون موجهة فقط نحو المجتمع الجامعي، وكأنه الوحيد الذي يجسد الخطيئة بقوله: من الطبيعي أن تضم الجامعة الصالح والطالح، المستقيم والمنحرف شباباً وبنات، فالجامعة لن تغير أخلاق الفتاة إذا كانت بالأساس واعية وواثقة من نفسها وسلوكها، وتعرف ماذا تريد، وقادرة على التمييز بين الصح والخطأ.
ويتابع: للأسف في مجتمعنا الشرقي التشكيك يطال دائماً سلوك المرأة عموماً، فكثير من الناس، حتى في المجتمعات المنفتحة ينظرون للجامعية من زاوية وحيدة بأنها خرجت من تحت أجنحة الرقابة والسلطة، وخروجها يعني ربما الميل للانحراف وارتكاب الأخطاء، غير مكترثين بأنها كسبت العلم والمعرفة والاعتماد على النفس.
ولا يعتبر فائق علاقات الزمالة أو العلاقات العاطفية بين الشباب الجامعي خطأً، طالما لا تخرج هذه العلاقات عن حدود الأدب.
الموروث الاجتماعي
ويرى وليد الحميدي/ تاجر- 37 سنة/ أن نظرة المجتمع للجامعية تتفاوت بين السلبي والإيجابي والمعتدل، وذلك تبعاً لدرجة تحكم الموروث الاجتماعي الثقيل في تفكير وسلوك الأسر فيقول: فئة غير المتعلمين أو المثقفين غالباً ما تنظر للجامعية سلباً لأنها في منظورهم خرجت لعالم جديد متنوع القيم والعادات والأفكار، وهذا يجعلها تغيّر عاداتها وقيمها الخاصة، ولذلك تبقى الجامعية متهمة بسلوكها حتى لو كانت فتاة ملتزمة وعلاقاتها صحيحة، لما تعودت عليه هذه الفئة من انغلاق وانعزال لا ترضى عنه بديلاً.
ويؤكد وليد أن الجامعية هي إنسانة في النهاية تخطئ وتصيب، وسلوك كل إنسان ينبع من طبيعة البيئة والتربية الخاصة بمجتمع معين دون الآخر، بالإضافة إلى طبيعة الشخصية أيضاً.
نظرة صحيحة أحياناً
ويعتبر عامرحواط/ مقاول- 40 سنة/ الفتاة الجامعية مثقفة ومنفتحة على العالم الآخر، وتتميز بتفكيرها وشخصيتها عن غير الجامعية، إلا أنه يرى أن نظرة المجتمع السلبية لها صحيحة في كثير من الأحيان، ويوضح: للأسف بعض الجامعيات يؤكدن هذه النظرة من خلال مظاهر الخروج عن المألوف وعن القيم الأخلاقية لمجتمعاتهن كإقامتهن العلاقات المتعددة غير المشروعة، أو ارتدائهن الملابس الفاحشة، لكن بالتأكيد هناك بعض الجامعيات يظلمن وتطالهن هذه السمعة لمجرد تواجدهن في الجامعة أو اختلاطهن بالجنس الآخر.
تقليد الغرب
من وجهة نظر مختلفة ترى السيدة مها / موظفة بالجامعة- 44سنة/ أن الجامعة اليوم تجسد أكثر مظاهر الفلتان الأخلاقي من حيث المظهر (الملابس الفاضحة والمثيرة) ومن حيث السلوك الخارج عن الأدب، وتضع اللوم أولاً وأخيراً على قلة الوعي عند هذا الجيل، شباباً وبنات، الذي انجرف بشكل أعمى باتجاه تقليد الغرب، فتأثر به سطحياً، ولم يأخذ منه سوى القشور التي لا تناسب مجتمعنا مطلقاً، وتؤكد السيدة مها أن وسائل الإعلام تساعد في الترويج لهذا الانفلات عبر الأغاني والبرامج المنوعة، إضافة إلى دور وسائل الاتصال الحديثة.
لكن ماذا تقول الجامعيات، وما هو ردهن على هذه التهم؟...
معظم الجامعيات أجمعن على أن الحياة الجامعية لا تخلو من الفوضى والانفلات، إلا أنهن أكدن أن التسلح بالوعي والقدرة على الاختيار الصحيح والمنطقي هما الأساس في تحديد نوعية العلاقات الجامعية ونوعية الأشخاص.
التعليم المفتوح
من خلال واقعها ومحيطها الخاص ترى بشرى أحمد/ إعلام/ أن النظرة الإيجابية للجامعية تغلب على السلبية، ما يجعلها مرغوبة للزواج، خاصة عند الفئات المتعلمة وذوي الشهادات العليا، لكنها تؤيد النظرة السائدة أن الجامعة اليوم تشهد الكثير من مظاهر الفحش والانحراف، سواء بالمظهر أو السلوك بقولها: أشعر أحياناً أنني لست في جامعة بسبب عروض الأزياء المتنوعة التي لا تناسب هذا الصرح العلمي، ولا المستوى الفكري المفترض لطلاب التعليم العالي، إضافة لبعض مظاهر السلوك التي تكشف وجود طلاب لا يهمهم العلم بقدر ما يهمهم التسلية".
وترى بشرى أن التعليم المفتوح شجع على دخول أشخاص ليس لهم علاقة بالعلم، وذلك من خلال المال لا الكفاءة العلمية، مؤكدة أن السبب الرئيسي وراء هذه المظاهر يعود لتأثر الشباب بشكل كبير بكل ماتعرضه وسائل الإعلام خاصة الأغاني والإعلانات والبرامج والمسلسلات.
الشاب له دور
وترفض خلود محمد/جغرافيا/ مبدأ التعميم بقولها: للأسف في مجتمعنا الشرقي السيئة دائماً تعم والحسنة تخص، فالنظرة السلبية لها الغلبة أكثر، حتى لو كان الواقع معاكساً، لذلك ما نتمناه كجامعيات أن ينظر لنا المجتمع بموضوعية، وألا يحكم علينا هكذا لمجرد مشاهدات طبيعية تفرضها سنة الحياة، كعلاقات الزمالة والصداقة الحقيقية مع الجنس الآخر.
وتضيف: للأسف الفتاة المتهمة الأولى في مجتمعنا، الذي يصفق للشاب مهما كان سلوكه مشيناً رغم أن له الدور الكبير في تعميم هذه النظرة السلبية، خاصة إذا كان من النوع اللعوب والسيئ، لأنه عندما يختار النماذج السيئة التي تتوافق مع شخصيته سينظر بالتأكيد لكل الفتيات وفقاً لطريقة تفكيره السيئ.
النظرة تتغير
وترى صبا دادا /أدب انكليزي/ أن النظرة السلبية للجامعية تسود أكثر في المجتمعات المنغلقة والجاهلة، لكنها تعتقد أن هذه النظرة تتغير عندما تأخذ الفتاة الشهادة وتخرج للعمل، وتحقق الاستقلال الاقتصادي، وتثبت ذاتها بتحقيقها مكانة اجتماعية مرموقة في مجتمعها، وتعتبر أن الفتاة التي نشأت على مبادئ وقيم معينة منذ الطفولة لن تتجاوزها عندما تبتعد عن رقابة أهلها، خاصة عندما تنشأ في مناخ أسري ديمقراطي يسوده المحبة والحوار المتبادل، لأنها بذلك ستكون حرة، وبنفس الوقت مسؤولة عن هذه الحرية .
لماذا...؟!
في النهاية نتساءل لماذا دائماً سلوك المرأة يثير الجدل في مجتمعاتنا، ولماذا يتم التغاضي عن سلوك الرجل، على الرغم من أن له دوراً أساسياً في حياتها وسلوكها، سواء أكان صحيحاً أم خاطئاً، فالرجل غالباً ما ينظر للمرأة ويصنفها على أساس ما يشعر به نحوها، كزوجة أو حبيبة أو عشيقة، بالمقابل من الظلم أن نعمم انطلاقاً من بعض الحالات الشاذة، ومن دون النظر بتمعن للظروف المحيطة وللأسباب الكامنة وراء أي ظاهرة، فالمرأة السيئة لا تولد سيئة، لأن هناك دوراً للبيئة، وللأسرة، ولطبيعة الشخصية ذاتها، وللوعي وهو الأهم، خاصة وأننا نعيش في عصر العولمة بشتى أشكالها، ويجب علينا الحذر ثم الحذر في اقتباس مايتناسب مع قيمنا الإنسانية وأخلاقنا، وهذا يتطلب تعاوناً على مستوى الجماعات والمؤسسات الاجتماعية والتربوية لا على مستوى الأفراد.