
واضحة لأعماله التي بات المشاهد يتعرف عليها من شارتها، وقد وصِفَت بالأعمال الجماهيرية بشهادة الكثيرين، ولأنه ليس وافداً على عالم الفن، ولأن الفن بالنسبة له ليس وليد نزوة عابرة بل وليد حب وموهبة ودراسة أكاديمية وخبرة طويلة يعرف ما يريد ومقتنع بما يفعله ويطمح لأن يقدم الأفضل دون أن يكون صوتاً لأحد.. إنه المخرج يوسف رزق الذي يقوم حالياً بتصوير عمله الجديد "ساعة الصفر". "جهينة" التقت المخرج رزق وكان الحوار التالي:
جهينة- أمينة عباس:
ما سبب وصفك بالمخرج المشاكس تارة، والمثير للجدل تارة أخرى؟
أعتقد أن المخرج عندما يوصف بأنه مثير للجدل، فهذا يعني أنه مخرج ناجح، أما إذا كانت أعماله تمر مرور الكرام دون أن تثير أي جدل أو حوار أو نقاش سواء في الموضوعات المطروقة فيها أم في الرؤى والأدوات المستخدمة فهذا يعني أن أعماله لا تستحق التوقف عندها.. وبهذا المعنى أعترف أنني مخرج مثير للجدل لأن أعمالي –غالباً- تحرك المياه الراكدة وتقدم الجديد للجمهور على الصعيد الفني وعلى صعيد المضمون.. أما وصفي بالمخرج المشاكس فهذا يعود ربما لكوني أتدخل دائماً بالنص الذي بين يديّ، إضافة إلى كوني مخرجاً ديكتاتورياً في اختياراتي، وأعتبر نفسي قائد العمل ولا أتنازل عن هذا الحق.
وبأي معنى أنت مخرج ديكتاتور؟
بمعنى أن وجهة نظري هي التي يجب أن تُنفَّذ، وهذا حق طبيعي لي كقائد للعمل، وهذا الحق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى ثقة المخرج بنفسه وتمكّنه من أدواته ومن عناصر العمل الدرامي بمختلف جزئياته سواء في الصورة أم الإضاءة أو النص أو المونتاج أو المكياج، وبالتالي وانطلاقاً مما سبق فأنا كمخرج متمكن من أدواتي، فمن حقي أن أقود العمل لأن نجاحه أو فشله في النهاية يُحمَّل للمخرج الذي إذا عرف كيف يقود عناصر العمل فسيصل إلى الناس وينجح جماهيرياً.
كمخرج أكاديمي وتحمل ماجستيراً في الإخراج من القاهرة كيف ترى المشهد الإخراجي في الدراما السورية؟
إن النقلة النوعية التي حققتها الدراما السورية عبارة عن اجتهادات شخصية ومنافسات بين العاملين في هذا المشهد بهدف تقديم أفضل أشكال المسلسل الدرامي السوري، لذلك مازال هذا المشهد يفتقد إلى وجود تيار أو مدرسة، لأن معظم المخرجين لا يستندون في عملهم إلى أساس أكاديمي أو مدرسة أو أسلوب، وبالتالي فإن أساليبهم ليست مبنية على أساس خطة مبرمجة وممنهجة، لكن ومع هذا حققت هذه الدراما نجاحها الذي ساهم فيه تنوع طبيعة المكان في سورية من جبال وسهول وبحر، إلى جانب وجود جيل شاب حاول أن يجتهد ويتطور من خلال محاولات الاطلاع المستمر على ما يحدث عالمياً، ولولا ذلك ما كانوا نجحوا في التواصل مع الجمهور.. ولأن نجاحات الدراما السورية تحققت جراء اجتهادات شخصية غير مبرمجة أو ممنهجة فإن معظم هذه التجارب لم تشكل مدرسة وإنما كانت نجاحات متفرقة لعدد من المخرجين الذين تتلمذوا على أيدي هيثم حقي وحاتم علي ويوسف رزق.. وغيرهم.
ونجدت أنزور ألم يتتلمذ على يديه أحد؟
هيثم حقي وحاتم علي ويوسف رزق خرّجوا تلاميذ لأنهم أكاديميون بالدرجة الأولى، وبالتالي فإن هؤلاء يملكون منهجاً وأسساً أساسية، أما أنزور فهو مخرج مجتهد لكنه لم يدرس الإخراج، وعمله في الدراما أتى عن طريق العمل في الإعلانات، حيث وصل تدريجياً إلى مرحلة تقديم العمل الدرامي، لذلك قدم الفانتازيا وهي لغة إخراجية لا وجود لها وليست لها أسس علمية في الطرح وفي المنهج الدرامي، لذلك لم يستطع أن يوجِد تلميذاً له.
ولكن هل تعتقد أن تلاميذ الأساتذة الكبار الذين ذكرتَهم نجحوا في الخروج من معاطف أساتذتهم؟
لنعترف أنهم لا يستطيعون الخروج بشكل نهائي بسبب عدم تواصلهم مع ما هو جديد عالمياً في ظل عدم وجود أكاديمية في هذا المجال، وبالتالي فإن الفرصة الوحيدة أمامهم هي المشاهدة ودراسة ما يشاهدونه ومدى قدرتهم على تنفيذ هذه المشاهَدات بشكل عملي.. الخروج من معاطف الأساتذة وتشكيل هوية ذات خصوصية لكل واحد منهم لا يتم إلا بعد فترة طويلة من اكتساب الخبرة والتواصل مع ما يجري في العالم والتعرف على مدارس الإخراج ومختلف التقنيات، لذلك ليس من السهل أن يصل المخرج إلى لغة خاصة به وينجح في استخدامها.
ما الذي جعلك تصرِّح أن المخرج سيف الدين سبيعي أصبح أهم من أستاذه هيثم حقي؟
أنا لم أصرِّح بذلك، والصحافة هي التي قوَّلتني هذا الكلام، أما أنا فقد قلتُ إن سيف الدين سبيعي مخرج مؤهَّل ومميَّز، وأن أي أستاذ له الفخر أن يكون تلميذه بمستواه، فأنا كمخرج سيكون لي الفخر إن أصبح عمار رضوان أو رضوان شاهين أهم مني لأنني أكون قد استطعتُ أن أصنع مخرجين في ظل عدم وجود أكاديمية للإخراج التلفزيوني، وإذا صاروا تلاميذي أفضل مني فهذا يعني أنهم اجتهدوا واستفادوا من تجارب الآخرين ووصلوا إلى مرحلة التميز عن أساتذتهم، وهذا فخر لي ولأي مخرج يتفوق عليه تلامذته.
سابقاً كان يتم الحديث في الوسط الإعلامي والنقدي عن تشابه موضوعات الأعمال الدرامية، في حين أن الحديث كان في الموسم الماضي عن تشابه الأساليب الإخراجية، فكيف تفسر ذلك؟
لا بد من وجود تشابه سواء في الموضوعات أو في الأساليب الإخراجية، وهذا ليس أمراً غريباً، خاصة فيما يتعلق بتشابه الأساليب الإخراجية، لأن المخرج في النهاية يعتمد على زاوية وحركة الكاميرا، وهي علاقة بين المكان والممثل والكاميرا، وما عدا ذلك لا يمكن أن يقدم المخرج في كل مرة شكلاً جديداً، لذلك أستغرب أن أُسأَل في كل عمل من الأعمال عما هو جديد عندي كمخرج، وجوابي هو كيف سيكون جديدي كمخرج؟ هل في أن أعلِّق الكاميرا في السقف وأصور بها؟!.. إن الخصوصية التي قد يتمتع بها أي مخرج يستخدم هذه الطريقة أو تلك إنما تنبع من توظيف لقطاته وعلاقتها باللقطة العامة والموضوع المطروح وبما يتناسب مع الإضاءة والموسيقا، لينتهي المخرج في نهاية العمل إلى التوصل للغة توسم به، فإما أن يرضى الناس عنها أو لا يرضون.
تؤكد في كلامك على أهمية الدراسة الأكاديمية في نجاح عمل المخرج، في حين أن معظم الرواد لم يكونوا كذلك، فكيف تفسر نجاحهم؟
مع احترامي للأجيال السابقة إلا أنني لا أرى أنهم ناجحون لأنهم لم يقدموا أعمالاً متميزة على صعيد الإخراج الذي كان يفتقد لأية لغة إخراجية، وأعتقد أن النجاح لم يبدأ إلا من عند المخرج هيثم حقي عندما قدم مسلسلَي "دائرة النار" و"هجرة القلوب إلى القلوب" ومن ثم الأعمال التي قدمها مأمون البني.
ولكن ألا تعتقد أننا نظلم الأجيال الأولى للدراما السورية عندما لا نقيّمها وفقاً لزمنها وإنما بمنظورنا الحالي؟
أنا هنا لا أقيّمها وإنما أبيّن واقعها، ولا أعتقد أننا نظلمها بحكمنا هذا لأن فترة الستينيات ظهرت فيها معظم الموجات السينمائية العالمية كالموجة الجديدة في فرنسا وإيطاليا، وبرزت أسماء مهمة في عالم الإخراج، وبالتالي فإن الحراك الفني وقتذاك كان أهم من هذه الأيام، في حين أننا كنا في ذلك الوقت بعيدين عن كل ما يحدث، وما النجاح الذي حققته بعض الأعمال السورية في تلك المرحلة إلا لعدم وجود بدائل أخرى، حيث كان الناس مبهورين في ذلك الزمن بالصورة الجديدة، لذلك من الصعب جداً أن أتذكر عملاً من تلك الفترة كانت له رؤية فنية واضحة على صعيد الإخراج، وأنا لا أعني أن كل الأعمال كانت فاشلة لأن عدداً كبيراً منها وصل إلى الجمهور ولكنه وصل بإمكانيات اللغة المتوفرة لدى صانعه الذي أصبح مخرجاً بين ليلة وضحاها أو بعد دورة شارك فيها لعدة أسابيع على حساب التلفزيون السوري ليعود مخرجاً خلال فترة قصيرة، مع أن دراسة الإخراج تحتاج إلى وقت طويل.
ما الذي دعاك للقول إن نصف المخرجين يعجزون عن استخدام أسلوبك في الإخراج؟
بات أسلوبي في الوسط الدرامي معروفاً جداً، وهو أسلوب يعتمد على استخدام تقنية "جيمي جيب" في العمل، وكل ما في الأمر أنني كمخرج عرفتُ كيف أستخدم بعض الأدوات والتقنيات العالمية التي أحضرتها ودربتُ عليها المصور وفني الإضاءة والفنيين الذين لهم علاقة باستخدامه، واستطعتُ بفضل ذلك أن أوصل لغة عالمية جديدة في عالم المسلسلات، وأنا لم أقل ما قلتُه لأنني مخرج متميز والآخرون غير متميزين، بل لأنني استطعتُ بإمكانياتي إحضار هذه التقنية واستخدامها وتدريب الآخرين عليها، وبالتالي فإن أي مخرج آخر يريد أن يقدم نفس اللغة سواء بمستواها أو بشكل آخر جديد يجب أن تكون لديه الإمكانيات لإحضار هذه التقنية، ومن ثم يجب أن يجيد استخدامها وتدريب مصور عليها، وهذه الشروط مازالت غير متوفرة عند عدد كبير من المخرجين، وأذكر أن فترة تدريبي لأحد المصورين على هذه التقنية استمرت أربع سنوات بعد أن أحضرتُ الجهاز بمبلغ كبير جداً، وقد نجحتُ في تحقيق المعادلة التي أريدها، لذلك ربما لم تتوفر الظروف المناسبة لبعض المخرجين لفعل ذلك والنجاح فيه، لا لعجز فيهم بل ربما لعدم وجود خبرة وقدرة على التعامل مع هذه التقنية ولعدم توفر الفني الذي يجيد استخدامها.
هناك عدد كبير من المخرجين والفنانين والفنيين ضد هذا الأسلوب الذي تستخدمه؟
أعتقد أنهم ليسوا ضده، ولكنهم في حقيقة الأمر غير قادرين على استخدامه، كما أنهم غير مطّلعين على ما يحدث في الساحة العالمية ولا يعرفون ما هي الأساليب الجديدة، وبالتالي فهم ضد ما يجهلونه.. إن الهدف الأساسي من أسلوبي هذا هو جعل الكاميرا إحدى الشخصيات الهامة في العمل التي ترى الحدث أمامها فتتغلغل داخله وداخل أشخاصه والأمكنة الموجودة فيه، وهذا الأسلوب هو المتبَّع عالمياً حالياً، وعندما استخدمه لأول مرة أحد المخرجين العالميين حقق مفاجأة كبيرة في هوليود ومُنِح جائزة أوسكار على مجرد محاولة التجديد.. أعتقد وأقول كدارس أكاديمي إنني لم أحقق أسلوباً ومدرسة خاصين بي كمخرج، وكل ما فعلتُه أنني أخذتُ مما هو عالمي وطبَّقتُه بأسلوبي الخاص، وقد حاولتُ أن أحقق معادلة تجمع ما بين اللغة العالمية الحديثة والمعاصرة واللغة التقليدية حتى لا تبدو ثقيلة جداً على المشاهد.
يقال إنك تحاول استعباد من يعملون معك وكأنهم خدم.. حدِّثنا عنك كمخرج وكيف تمارس صلاحيتك؟ وما هي الآلية التي تتعامل بها مع الممثل؟
هذا الكلام فيه مغالطات كثيرة، خاصة وأن أعمالي في معظم الأحيان تضم عدداً كبيراً من النجوم، إضافة إلى عدد آخر من الفنانين الجدد، وسؤالي: لماذا يعملون معي طالما أنني أستعبدهم، مع العلم أن عدداً كبيراً منهم تكرر وجوده في أعمالي؟ ثم ما الذي يجبر الفني الذي يتعامل معي وعنده فرص وخيارات أخرى عديدة ليعمل معي؟.. إنني أكثر المخرجين الذين يشركون نجوماً في أعمالهم، وقد صار بعض المخرجين يقلدونني في ذلك لضمان نجاح أعمالهم، فما الذي يجبر هؤلاء النجوم لأن يكونوا خدماً عندي كما تقولين؟.. لذلك تبدو كلمة استعباد مليئة بالمغالطات، وربما كانت كلمة قيادي هي الكلمة الأنسب لوضعي، فأنا لا أتنازل عن حقي في قيادة مجموعتي باتجاه عمل ناجح، وربما كنتُ أنانياً وديكتاتوراً في رأيي، لكن مع هذا فأنا لا أهمل الرأي الآخر إن كان مناسباً، حتى لو كان من أصغر عامل عندي، إضافة إلى أنني أُصَنَّف من المخرجين الذين صنعوا نجوماً في سورية، وهذا يعني أن علاقتي مع الممثل وديّة كثيراً.
ولكن الكاتب هاني السعدي قال إنك لا تصغي للآخر وأنك ديكتاتور؟
طالما أنني لا أصغي للآخر فلماذا تعامل معي بمعظم نصوصه التي كنتُ أضطر لتعديلها ورمي ما تبقّى منها؟ ولماذا وافق على آلية هذا التعاون بيننا على مدى سنوات عديدة قدمنا خلالها عدة أعمال ناجحة كنتُ أعدها درامياً ولم يكتشف أنني ديكتاتور وغير أخلاقي إلا في مسلسل "حاجز الصمت"؟.. لقد كان هاني السعدي فاشلاً مع الآخرين الذين تعاون معهم، والسبب هو أنني كنتُ أعالج نصوصه درامياً بما يحقق لها النجاح.
هل تعتقد أن مخرجينا تخلوا عن مهمة اكتشاف الوجوه الجديدة؟
بالتأكيد لا، والدليل أن هناك مخرجين يفعلون ذلك، ولو لم يكونوا موجودين لما شاهدنا هذا الكم الهائل من الوجوه الشابة، ولما تطورت الدراما السورية ونجحت لتنافس الأعمال العربية والعالمية.. إن من ضمن عمل المخرج هو اكتشاف الوجوه الجديدة وتوجيهها وتبنيها إذا كانت غير أكاديمية بهدف صقل موهبتها وإعطاء الفرص للأكاديميين الجدد لإثبات وجودهم والتعبير عن إمكانياتهم.
حتى الآن لم تنجح في إقامة علاقة طيبة مع الكتّاب الذين تتعامل معهم.. كيف تفسر توتر العلاقة بينك وبينهم بشكل دائم؟
الجميع يعرف أنني أتدخل في النص الذي أخرجه، وكل من تعامل معي تعامل على هذا الأساس، وهو يعرف جيداً أنني سأتدخل في النص، فهاني السعدي وفي جميع الأعمال التي أخرجتُها له كنتُ أتدخل بالنص وبموافقته دون أن يتذمر من ذلك، ولكن بسبب خلاف شخصي بحت بدأ يهاجمني بحجة تدخلي بنصوصه، أما الكاتب مازن طه فهناك اتفاق بيننا على أن يقوم بتسليمي نص مسلسل "ساعة الصفر" خلال فترة محددة باليوم، ولكنه لم يفعل ذلك لأنه لم ينتهِ من كتابة العمل وقدم لي في النهاية نصاً يساوي عشر ساعات فقط وبعد أن عجز عن تطويره، أخبرتُه أنني سأتدخل بالنص وسأعدِّل في العقد الذي بيننا والذي ينص أساساً على حرية المخرج في التدخل حذفاً وإضافة وتعديلاً، وقد وضعتُ خطوطاً درامية متعددة كان على اطلاع عليها بشكل دائم، لذلك لا يحق له الاعتراض وأستغرب ثورته التي أعلنها مؤخراً.
متى يحق للمخرج التدخل بالنص؟ وإلى أي حدّ؟
يحق له ذلك عندما يكون قادراً على ذلك، إذ لا يمكن لجاهل بكتابة السيناريو أن يتدخل ويقوم بوضع جملة هنا وأخرى هناك بحجة التدخل في البنية الدرامية للنص، لذلك فأنا لا أتدخل عن عبث بل عن دراية وخبرة ودراسة لكتابة السيناريو، وعندما أتدخل أعيد بناء النص درامياً، وأضطر أحياناً لفعل ذلك لأن معظم كتّابنا يجهلون معنى المعالجة الدرامية.
اعتبرت أغلبية النقاد أن مسلسل "سفر الحجارة" لم يحقق النجاح المطلوب، فكيف تراه أنت؟
أراه من أهم الأعمال التي قدمتُها في حياتي، وهو مشروع قديم وقد أجّلتُ العمل فيه سنوات عديدة لأنني لم أجد من يتبناه، خاصة وأن المحطات العربية أعلنت عدم رغبتها في أي عمل يتناول القضية الفلسطينية، لذلك عندما أصبحتُ قادراً على إنتاجه رأى النور، وقد أخذ مني وقتاً طويلاً لأنني أعدتُ صياغته أكثر من عشرين مرة، لذلك أستغرب أن يتبرأ هاني السعدي منه فجأة وهو الذي كان على مدى أيام عرضه يتصل بي ليهنئني بنجاحه.
ما الهدف إذاً من عمل أنت مدرك مسبقاً أنه لن يسوَّق ولن تقوم معظم المحطات بعرضه؟
أصريتُ على أن يرى هذا العمل النور -رغم كل الصعوبات التي واجهتني- من أجل أولادي وليقولوا عندما يكبرون إن أبي قدم عملاً عن فلسطين وإن أبي لم يكن فناناً من أجل التجارة بل كان صاحب قضية، لذلك صنعتُ هذا العمل، وسأصنع عملاً آخر عن الجولان لأقول كلمتي كفنان وكإنسان عربي سوري.
كيف تفسر اختلاف وجهات النظر حول أعمالك ما بين الجمهور الذي يتابعها والنقاد الذين ينتقدونها؟
لا أقف كثيراً عند تعدد وجهات النظر، وما يعنيني بالدرجة الأولى هو الجمهور الذي يتابع أعمالي بحيث أصبحت الأكثر جماهيرية بشهادة العديد من الاستبيانات والاستفتاءات، أما من يسمّون أنفسهم نقاداً فلا يعنيني منهم سوى القادرين على مناقشة عمل من أعمالي لأن الغالبية غير مؤهلة لذلك، وبعضهم يكتب المسميات التي أستخدمها في أعمالي بطريقة مغلوطة لأنه لم يسمع بها في حياته، فكيف لي أن أهتم بمثل هذا الناقد الجاهل؟.
يرى البعض أنك تساهم في إرساء دراما تلفزيونية جريئة، فما هي خطوطك الحمراء؟ ومتى تتحول الجرأة إلى غاية؟
لا أرى أعمالي جريئة، بل هي أعمال تناقش مواضيع تلامس معاناة الإنسان المعاصر، ولذلك يصفها البعض بأنها جريئة، وأعتقد أن أية مشكلة اجتماعية إن تم طرحها بشكل صحيح تصبح جريئة، وربما أتجاوز في أعمالي الخط الأحمر بقليل، فأنا لا أطمح لأن أكون فجاً في أعمالي وأسعى دائماً لأن تبقى مقبولة اجتماعياً ورقابياً، ولذلك فإنها تنجح جماهيرياً، ونجاحها يعني أنني لم أتجاوز الخط الأحمر بشكل فج، والجرأة تتحول إلى غاية بحد ذاتها عندما تكون خالية من أي هدف، وتكون الجرأة من أجل الجرأة فقط.
اشتغلتَ في السينما في بداياتك، وعملتَ مخرجاً منفذاً لأكثر من ثلاثة عشر فيلماً، أحدها مع يوسف شاهين في مصر، فلماذا انحزتَ للتلفزيون ولم تعد السينما تغريك؟
كنتُ أول من ساهم تقنياً في صناعة اللغة السينمائية للتلفزيون في سورية عبر المخرج هيثم حقي الذي استخدم التجهيزات التي أملكها في مسلسله "دائرة النار" إضافة إلى أن لغتي في الأعمال التلفزيونية سينمائية، كما أعتقد أن الفوارق تكاد تتلاشى بين التلفزيون والسينما، وكلاهما أصبح رقمياً، كما لا يعنيني أن أصنع فيلماً هابطاً أنال عليه الجوائز في المهرجانات ولا يراه سوى أصدقائي، في حين أنني أستطيع أن أتحدث مع جمهور عريض بلغة السينما عبر التلفزيون.
تعدّ من أوائل المخرجين الذين عُرِض عليهم العمل في مصر، فلماذا رفضت؟ وكيف تفسر عدم تشجيعك للممثل السوري للعمل هناك؟
رفضتُ العمل هناك ولا أشجع أياً من الممثلين للعمل في مصر لأنني مقتنع أن ما يحدث لا يصبّ في إطار التعاون العربي- العربي وإنما في إطار استثمار المصريين للفنان السوري بعد انتشاره، واستغلاله لإعادة الجمهور لمشاهدة العمل المصري، وهذا ينطبق أيضاً على المخرجين، خاصة وأن لغة المخرج السوري السينمائية جعلته مختلفاً تماماً عن المخرج المصري.