
لُقِّبت في يوم من الأيام بسندريلا الدراما السورية وهي التي بدأت حياتها الفنية بطلة لفيلم "حادثة النصف متر" إخراج سمير ذكرى والذي نال العديد من الجوائز، ولأنها لم تنظر إلى الفن في يوم من الأيام على أنه مجرد ترفيه فقط برهنت في كل أعمالها على أنها فنانة لديها إحساس عالٍ بالمسؤولية وهي المسكونة دائماً بالهم العام للإنسان عامة، والمرأة بشكل خاص، فهي التي تشكل النواة الحقيقية لمشروع تتبناه وتدافع عنه لتؤكد أن الممثل ليس مجرد أداة في العملية الإبداعية.. مسيرة فنية حافلة بالأعمال والإنجازات.. إنها الفنانة جيانا عيد التي التقتها "جهينة" وكان هذا الحوار:
أنت شبه غائبة عن طوفان الإنتاج التلفزيوني، فهل أنت غائبة أم مغيّبة؟
هناك عدة أمور لها علاقة بقلة تواجدي، فأنا لست من الفنانات اللاهثات كثيراً واللواتي يرغبن في التواجد لمجرد التواجد بهدف جمع المال، كما أنني إنسانة تؤرقني أمور فكرية وإنسانية كثيرة وأحب أن أشعر بكينونتي كفنانة، لذلك أرفض أن أكون كالسلعة المتوفرة بكثرة والمستهلَكة دائماً.. إنني أشعر أن للفنان ألقاً فيجب أن يكون حاضراً في الوقت الذي يجب أن يكون فيه حاضراً، وأن يكون فاعلاً في الوقت المناسب دون أن يتحول إلى مادة استهلاكية تلوكها الأعين في كل لحظة.. من الضروري أن يحافظ الفنان على ألقه وتواجده الإنساني الشفيف.. هذا من جهة ومن جهة أخرى أرى أن الظروف لا تسمح للفنان بالتواجد دائماً في المكان الذي يحب أن يتواجد فيه، لذلك فأنا أنتظر وأتأمل، وإذا لم أكن موجودة على شاشة التلفزيون فأنا موجودة في السينما والمسرح والمهرجانات المسرحية التي تقام في كل المحافظات السورية وبعض الدول العربية، متواجدة وفاعلة فيها ومعبِّرة عن كوني فنانة سورية وعربية لي حراكي الثقافي بالمعنى الحقيقي، لذلك لا أرى أنه من الضروري أن أتواجد دائماً على شاشة التلفزيون، مع الإشارة إلى أنني لا أحظى دوماً بالفرصة المناسبة التي تتلاءم مع مشروعي، خاصة في ظل هذه الفوضى التي يصبح فيها إقصاء بعض الشخصيات التي لديها مثل هذا المشروع أمراً عادياً، وهذا الإقصاء سواء كان مقصوداً أم لا فإنه يحرم عدداً كبيراً من الفنانين من ممارسة دورهم الحقيقي في عملية التنمية، وأشعر أن هناك نوعاً من الإقصاء لي إلا أنني لستُ من النوع الذي يمكن أن يقاتل ليكون موجوداً لأنني فنانة لي شفافيتي وخصوصيتي وحساسيتي الزائدة.
إلى أية درجة تشعرين من خلال تجربتك ووجودك في الوسط الفني أن للعلاقات الشخصية دوراً كبيراً في التواجد؟
لها الدور الأهم، وهذا ما يجعلني أتراجع إلى الوراء نوعاً ما، فأنا لا أجيد وأرفض بناء علاقات مصلحية، ولستُ من الفنانات اللواتي يعرضن أنفسهن بطريقة ساذجة لأنني مقتنعة أن ما يقدم الممثل للآخر هو إبداعه وأخلاقه والتزامه وإحساسه بالمسؤولية، أما الأمور الأخرى فلا تعنيني، ولذلك يتم إقصائي ليعتمد أصحاب الأعمال على الأسهل والساذج والأقل وعياً وسهل الانقياد والذين يستطيعون فرض شروطهم عليهم لأنهم لا يستطيعون تحمّل شروط المبدع وإن كانت كلها تصب في الحالة الفنية والإبداعية، فيختارون العلاقة الأسهل والسائدة دون البحث عما هو خاص.
يقال أيضاً إنك تختارين أدوارك بحذر شديد إلى درجة يعتقد فيها البعض أنها تصل إلى حد الوسواس.
حذري الشديد يكمن دائماً في التفكير بما تريده هذه الشخصية أو تلك، وما هي الرسالة التي يمكن أن تصل إلى المتلقي عبرها.. نعم، أنا جديّة زيادة عن اللزوم بهذه المسألة، وربما يعود السبب إلى أنني أشعر أن الفنان في بداياته يكون ارتجالياً، وغالباً ما تكون الرسالة التي وضِعت على عاتقه، وخاصة الفنانة، قد تكون بالصدفة، لذلك حاولتُ أن أغيّر الصورة لأنني أرى أن الممثلة تحديداً هي الأكثر التزاماً بالرسالة الإنسانية والحضارية وهي مسؤولة مسؤولية تامة عن إبلاغ هذه الرسالة للمتلقي إيماناً مني أن الأنثى هي شاهدة حقيقية على العصر بطريقة نبيلة.. لكل ذلك صرتُ موسوسة لأن أقدم الصورة بكاملها، فكنتُ دائماً أسعى إلى الكمال، وقد يكون هذا خطأ ارتكبتُه لأنني تعاملتُ مع المرأة وكأنها آلهة ومثال، لذلك أشعر أن الفنانة يجب أن تكون رمزاً للجيل وقدوة وقيمة أخلاقية وحضارية، وهذا كله انعكس حرصاً وحذراً في حياتي الفنية.
ألا تعتقدين أن هذه القناعة تشكل عبئاً كبيراً عليك؟
نعم، شكّلت عبئاً ولا تزال، ولكن لا أستطيع إلا أن أكون كما أنا.. أعترف أن هناك قضايا شخصية تحقق لي نوعاً من الفرح، ولكنني أقلل من أهميتها لأنني أسعى لأن أكون بكمال الصورة في محيطي لأن المجتمع لا يرحم ولا يصفح ويحمِّل الفرد مسؤولية اللحظة التي يعيشها.
ألم تجدي لهذه الجديّة التي تتمتعين بها متنفساً لها عبر الكوميديا مثلاً؟
نعم، وقد سنحت لي الفرصة لأفعل ذلك مرة واحدة فقط في مسلسل "عيلة 8 نجوم" وللأسف لم يتقبلني الناس فيه رغم أنني ألغيتُ كل الجدية التي أتمتع بها واشتغلتُ بصفاء اللحظة في سبيل أن أتمتع فيه ولأعبِّر عن تلك الشخصية التي هي في النهاية شخصية كوميدية، وأعتقد أنني نجحتُ إلا أن الجمهور وزملائي بشكل خاص رفضوا مشاركتي فيه لأنهم تعودوا عليّ في شخصيات تحمل فكراً وجدية، وقد اعتبروا الكوميديا انتقاصاً من مشروعي، مع أنني أرى أن الكوميديا جزء من العملية الإبداعية وقد تؤدي الغرض إذا قُدِّمت بطريقة مسؤولة وواعية وجديّة، لذلك لن أتردد في قبولها مرة ثانية إذا سنحت لي الفرصة رغم أن العاملين في الوسط الفني قد أطلقوا أحكاماً حاسمة بأن جيانا عيد لا تلعب الكوميديا، وهذا إن دل فإنه يدل على تفكير ساذج لأن الممثل يجب أن يؤدي جميع الشخصيات.
كيف تفسرين قلة الشخصيات النسائية الفاعلة في أعمالنا الدرامية؟.. هل يعود ذلك إلى سيطرة الكتّاب الرجال على كتابة السيناريو؟
قد لا يبدو هذا الكلام دقيقاً، وبالتالي لا نستطيع أن نعممه في ظل وجود حالات استثنائية كانت فيها المرأة تقود العمل الدرامي، وأستطيع القول إن أغلب الشخصيات التي جسدتُها كانت من هذا النوع، ولكن ما خيّب أملي هو أن الدراما المعاصرة تحاول فعلاً تهميش دور المرأة الحقيقي في قيادة حركة الارتقاء، وأرى أن ذلك مرتبط بواقعنا المتخلف الذي مازال يكرس الفعل الذكوري ويحاول تهميش الفعل الأنثوي انطلاقاً من قناعته أن المرأة مجرد تابع، وهذا ما جعلنا غير قادرين على التطور بالسوية التي نحلم بها رغم أن البعض يقول بضرورة تعزيز النماذج الإيجابية من النساء إلا أن الأمر مازال شكلياً، لذلك فالمطلوب من السلطة نفسها أن تفرض وجود النساء لتولي مناصب قيادية لأنني ومن خلال تجاربي وحياتي وصلت إلى قناعة بأن أي تغيير في المجتمعات العربية يجب أن تقوده المرأة لأنها تتمتع بشفافية شديدة وبإخلاص لا يتمتع بهما الرجل، إضافة إلى أن المرأة أرقى فكرياً من الرجل، وأستطيع أن أشبّهها بحركة الإبداع في التاريخ وهي الحركة الأرقى والأنقى من كل الحركات حتى الثورية منها، فالمرأة تشبه هذه الحركة الإبداعية لأنها تفكر بإخلاص ولديها انتماء حقيقي لأسرتها ولوطنها ولديها الرغبة الأكيدة في التطوير والارتقاء، وهي الأكثر دفئاً والأقل قابلية للتشوه ولا تسلك الطرق السلبية في الحياة.
تقولين في أحد حواراتك: "لا أستطيع أن أقدم أدواراً وشخصيات ما لم أحترمها في الحياة".. فلماذا تبتعدين عن تقديم الشخصيات السلبية إن كان وجودها يقود إلى غاية إيجابية؟
للأسف مازلنا في عالمنا العربي غير قادرين على الوصول إلى صلب المشكلة عندما نريد أن نعالجها، وغالباً ما تتم هذه المعالجة بطريقة سطحية وشكلية دون التوغل في أسباب نشوئها بطريقة موضوعية وعلمية للوصول إلى نتائج بطريقة علمية وصحيحة بهدف إيصال الرسالة المطلوبة، وبالتالي فنحن مازلنا عاجزين في درامانا تقنياً وفكرياً ورقابياً عن تناول شخصية سلبية بطريقة موضوعية وتحليل عميق بحيث نصل إلى نتائج وأهداف تجعل المتلقي يتخذ العبرة منها، وأنا لستُ ضد أن تُرسَم مثل هذه الشخصيات في عالم الدراما شرط أن تُكتَب بطريقة علمية ونفسية ومعرفية، وهذا ما نفتقد إليه اليوم، حيث غالباً ما تُكتَب مثل هذه الشخصيات بطريقة سطحية وبقراءات بدائية، لذلك تكون نتائجها –أحياناً- كارثية، خاصة إذا نالت إعجاب الأطفال الذين غالباً ما يقومون بتقليدها وإتباع سلوك مشابه لسلوكها وذلك كله نتيجة عجز كتّابنا عن توجيه هذه الشخصيات بطريقة صحيحة في الكتابة والمعالجة والدخول في العمق، لذلك فأنا أتجنب هذه الشخصيات وأميل للشخصيات الفاعلة بإيجابية وليست السلبية، خاصة وأن مجتمعاتنا مليئة بهذه الشخصيات الإيجابية ولا يتم التعبير عنها في بعض الأحيان، بل أراها أحياناً مهمشة، وأنا وانطلاقاً من مشروعي أرغب في الدفاع عنها لأقول إننا دون هذه النماذج نحن غير قادرين على متابعة حياتنا.. من هنا فأنا كإنسانة وكفنانة وكأنثى مؤمنة بهذه النماذج، خاصة وأنني واحدة منها، فقد تربيتُ على قيم معينة، وكنتُ مسؤولة عن كل ما أفعله ولن أفعل إلا الشيء القيّم الذي يرتقي بمجتمعي وبالمرأة التي أنتمي إليها.
كان لك حضور قوي في الأعمال البدوية في مرحلة من المراحل.. اليوم وقد عادت هذه النوعية من الأعمال إلى الظهور كيف تنظرين إلى هذه التجربة؟ وما رأيك بما يقدَّم حالياً؟
شاركتُ في الأعمال البدوية لأنه لم يعنِني في يوم من الأيام الوعاء الذي يوضع فيه المضمون، رغم أنني أقل فنانة عملت في الأعمال البدوية، ولكن تميز الأدوار جعلها تبدو وكأنها مشاركات كثيرة، وقد نجحتُ فيها لأنني تعاملتُ معها بجدية الأعمال الأخرى، ومن يتابع هذه الأعمال سيرى أنها تندرج ضمن إطار المرأة التي تسعى للارتقاء رغم كل الظروف الصعبة التي تحيط بها ودون أن تقدم أية تنازلات، أما الأعمال البدوية الجديدة فأراها جزءاً من تلك الأعمال التي قدمناها في سنوات سابقة، فلم يختلف المضمون بل صار هناك زخرفة أكثر بالصورة وبذخ مادي لأنها بالأساس صُنِعت لخدمة بعض المحطات العربية، وأبرز ما يؤخذ عليها أنها فقدت صلتها بالواقع وفقدت هويتها وخصوصيتها، فبدت هذه الأعمال وكأنها لوحات من عصر النهضة.
يرى البعض أن هذه الأعمال التي تتحدثين عنها هي تجارب لأصحابها فقط؟
الفن ليس ذاتياً بل يحمل رسالة تهم مجموعة كبيرة من الناس، فالتلفزيون يدخل كل البيوت، وإن قدمتُ له ما يعبِّر عني كفنانة فقط إنما أقلل من احترامي له، لذلك فإن أي فنان في عالمنا العربي المشتعل بالكوارث والحروب والفقر والجوع هو مسؤول عما يقدمه لأننا لم نصل إلى مرحلة نقدم فيها الفن من أجل الترفيه والمتعة فقط، فنحن لسنا في عصر الباروك لنقدم شخصيات مجمَّلة بصورة واحدة وبألوان ساطعة، وإن كانت كذلك فيجب أن يصب كل ذلك في هدفنا الأسمى ورسالتنا المعرفية للارتقاء بهذا المتلقي المتعب والفقير الذي يجب أن نساعده على تجاوز واقعه وتحريضه على الخروج إلى عوالم أفضل.. إن الأعمال التي تنتمي إلى عصر الباروك إنما تشعره بالدونية والطبقية وأنا أرفض أن أشارك في مشاريع تشعر هذا المتلقي بضآلته أمام هذا العالم اللاهث وراء المادة، وأقبِل على الأعمال التي تحاول أن تمسك بيده وتدلّه على أماكن النور ليحقق التوازن ولأرفع معنوياته المنهارة.
تتحدثين دوماً عن المشروع الفني للممثل، في حين أن أحد المخرجين المعروفين صرّح ذات مرة قائلاً: "أتحدى أي ممثل أن يكون له مشروع لأن الممثل في النهاية هو مجرد أداة".. فما تعليقك على هذا الكلام؟
كان مشروعي الفني كإنسانة أولاً وكامرأة ثانياً على الدوام أن أعبِّر عن فاعلية المرأة في الحياة وعن وجودها كأساس في عملية الارتقاء والبناء لأن المجتمع لا يمكن أن يقوم اعتماداً على جزء منه ويبقى الجزء الآخر مغيَّباً، لذلك كنتُ دائماً أرغب في الدفاع عن المرأة الحقيقية والمسؤولة بالمعنى الحقيقي عن بناء الفرد أولاً والمجتمع ثانياً، فأنا مؤمنة أن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب بل هي كل المجتمع لأنها هي الأم والزوجة والأخت والمشارِكة الفاعلة والحقيقية في تكوين أولى الدوائر في المجتمع والتي تحقق للإنسان فرصة التعبير عن ذاته، وإضافة إلى كونها الأم هي الأخت والزوجة وهي الأساس في العملية الإنمائية.. إن مشروعي يصب دائماً في بوتقة الدفاع عن المرأة التي مهما حاصرتها الظروف فإنها تستطيع التغلب عليها وتبقى متمسكة بالقيمة وبنبالتها وشفافيتها ككائن تنعكس عليه كل الظروف التي قد تكسره من الداخل ولكن ومن خلال إيمانها بماهيتها تبقى متماسكة، ومن الضعف تستمد قوتها لتدافع ليس فقط عن كيانها بل عن كل الناس الذين يحيطون بها، لذلك عندما يأتي مخرج ويقول إن الممثل مجرد أداة فهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدل على محدودية فكره لأن العملية الإبداعية هي المؤسسة التي تعتمد على الجهد الجماعي حيث لا يمكن لأحد في هذه المجموعة أن يتألق إذا كانت المجموعة غير متآلفة، فهو يحقق تألقه الحقيقي إذا كانت المجموعة متألقة.. إن الممثل الذي يحول الورق المكتوب والفكرة إلى حياة غنية لا يمكن أن يقال عنه إنه مجرد أداة لأن هذه الفكرة تتحقق من خلال حواسه ومشاعره وتعابيره وانفعالاته وعالمه الداخلي والخارجي، فتتجسد لتصبح كائناً من لحم ودم وقادرة على مخاطبة المتلقي والوصول إليه، لذلك أرى أن الممثل هو أساس العملية الإبداعية ولا يمكن أن ينجح أي مشروع فني إذا لم يكن الممثل على درجة كبيرة من الوعي والقدرة على التواصل والانسجام والمشاركة الحقيقية منذ بداية نشوء الفكرة إلى نهاية وصولها إلى المتلقي.
وهل تهيأت الظروف المناسبة لتحقيق هذا المشروع؟
ربما خدمتني الظروف في أنني استطعتُ دائماً أن أختار من المشاريع الفنية التي كانت تُعرَض عليّ ما يؤدي لتحقيق مشروعي العام وذلك عبر الأدوار التي أديتُها، وأشير إلى أنه عُرِضت عليّ شخصيات غير فاعلة في المجتمع وكنت أرفضها رغم أنها تشغل مساحة كبيرة من العمل لأختار الأدوار والشخصيات التي كانت تنسجم مع خطي الفكري ومشروعي، فالمرأة وعبر النماذج التي جسدتُها في أعمالي كانت دائماً تدافع عن القيمة وعن المظلومين، وهي المرأة التي تضحي وتدافع عن كل قيمة إيجابية، وهي أيضاً المرأة التي سُلِبت حقوقها، وبالتالي كان هناك تنوع وغنى في هذه الشخصيات التي اخترتُها لتمثل الجانب الإيجابي بحيث يعرف المتلقي أن هذه المرأة على حق وأننا نناصرها لأنها لا تستسلم للظروف ولا تتنازل عن قيمة في سبيل أن تحقق ما تريده من خلال دفاعها عن حقوقها وإنسانيتها وكينونتها في هذه الحياة.. إذاً فقد كانت كل أدواري تعبِّر عن نموذج المرأة الحقيقية المتأملة الإيجابية التي ترفض أن يطحنها الطرف الآخر، وهي تفعل كل ذلك بطريقة رقيقة وإيجابية وغير صدامية ودون الاعتماد على شكل يجعل البعض يشبِّهها بالرجال ودون أن تمحى هويتها وخصوصيتها كامرأة، وأعتقد أن هذا جعلني أحقق جزءاً من مشروعي الذي قد لا يكون بالشكل الأمثل الذي أطمح إليه لأن الفنان مادام حياً فإنه يعمل ويجتهد ويتطور وينمي قدراته الذاتية والفكرية ويخدم كل الظروف المحيطة به ليرتقي بمشروعه الأعلى بطريقة إنسانية وعميقة وشفافة، وأنا سأبقى حتى اللحظة الأخيرة من حياتي أسعى لمشروعي الذي لن يكتمل إلا بالموت لأن المشروع الحقيقي لا يكتمل إلا عند الموت.
بدأتِ حياتك الفنية من خلال فيلم "حادثة النصف متر" في العام 1981 ومن ثم فيلم "المتبقي" ومؤخراً "حسيبة" فماذا عن خصوصية شخصية خالدية التي جسدتِها فيه ونالت إعجاب الجمهور؟
تعاملتُ مع شخصية خالدية في فيلم "حسيبة" كما أتعامل مع كل الشخصيات التي تُعرَض عليّ ورغم ذلك التقطتُ أنها شخصية لها حساسيتها الخاصة لأنها تحكي عن الشام عبر تطورها التاريخي، وقد شعرتُ أن خالدية هي دمشق التي تعرضت لانكسارات وضغوطات وحصارات إلا أنها استطاعت أن تحافظ على توازنها الروحي الذي جعلها محطّ أنظار كل الدنيا.. لقد حاولتُ أن أماثل هذه الشخصية الإنسانية -الروائية بالأصل- مع دمشق، فاشتغلتُ على تفاصيلها وشفافيتها كأنثى قادرة على توظيف كل الضغوطات التي تعرضت لها لصالح حالة صوفية فصنعتْ من بيتها جنة مليئة بالورود.
من خلال تواجدك الدائم في معظم المهرجانات المسرحية هل تجدين جدوى من هكذا مهرجانات؟ وكيف تقيّمين الدماء المسرحية الجديدة؟
بالتأكيد لها جدوى كبيرة، فهي تشكل حراكاً إبداعياً واجتماعياً كاملاً في المحافظة التي تقام فيها، وهي تخلق جدلاً وحواراً مع الجمهور والعاملين في المسرح، وللأسف فإن العديد من هؤلاء المعنيين بالمسرح والعاملين فيه من الشباب مازالوا مهمّشين رغم أنهم أصحاب رؤى حقيقية، ولكن تنقصهم الإمكانيات المادية، وما وجودنا في هذه المهرجانات كفنانين إلا عنصراً من عناصر دعم هذه الرؤى وهؤلاء الشباب المبدعين القادرين على تحريك الواقع الراكد بمشاريعهم وطموحاتهم، إضافة إلى أن وجودي معهم يجددني ويطورني، وبالتالي فإن علاقتي بهم قائمة على التأثير والتأثر.
كيف تصفين واقعنا المسرحي؟
مليء بالطاقات والمبدعين، وعروضه تعبِّر عن روح المجتمع والعصر، لكنه فقير على صعيد التقنيات، والمسرحيون فيه يناضلون وهذا أصبح لا يكفي في هذا الزمن، لذلك فالمطلوب دعمه مادياً ومعنوياً لتقديم عروض تعبِّر عن خصوصيتنا في ظل المعارك العديدة التي تواجهنا.